فلسطينيان يسبحان 7 ساعات من تركيا إلى اليونان..
في مشهد دراماتيكي أعاد خلط أوراق أزمة اللجوء في حوض شرق المتوسط، نجح مواطن فلسطيني يبلغ من العمر (52 عاماً) برفقة نجله الشاب (23 عاماً) في الوصول إلى شواطئ جزيرة "كوس" اليونانية سباحةً، بعد رحلة حبست الأنفاس استمرت لسبع ساعات متواصلة في مياه مفتوحة وعميقة ليلاً.
الرحلة التي قطعا فيها نحو 8 كيلومترات مستخدمين زعانف وأطواق هوائية بسيطة، فجّرت موجة عارمة من التساؤلات الأمنية والقانونية لدى السلطات اليونانية والتركية على حد سواء؛ إذ كيف تمكن رجلان منهكان جسدياً من اختراق واحدة من أكثر المناطق البحرية مراقبة في العالم، ودون أن ترصدهما الكاميرات الحرارية، أو الرادارات، أو حتى الدوريات البحرية المكثفة؟
مسار دقيق وشبهات لوجستية
مصادر أمنية يونانية تحفظت على هويتها، لم تتردد في إبداء شكوكها حول الواقعة، مشيرة إلى أن "التوقيت الدقيق والمسار المحسوب" يثيران شبهات قوية بوجود تنسيق مسبق مع شبكات تهريب منظمة. وتستند هذه الشكوك إلى أن نقطة انطلاقهما من منطقة (أكيارلار) التركية تُعد معقلاً تقليدياً لقوارب المهاجرين غير الشرعيين وليست ممرّاً للسباحين الفرديين، مرجحة فرضية تلقيهما دعماً لوجستياً في عرض البحر، أو استخدامهما قارباً مطاطياً في جزء من المسافة للتمويه وتجنب المراقبة.
بين قسوة الردع ومعجزات اليأس
وفي مقابل الرواية الأمنية، انتفضت منظمات إغاثية ونشطاء حقوقيون ليتهموا أثينا بـ"التنصل من واجب الإنقاذ"، مؤكدين أن تأخر السلطات في العثور على الأب وابنه رغم البلاغات المسبقة يعكس تقصيراً متعمداً. واستنكر الحقوقيون نقل الثنائي مباشرة إلى مركز استقبال "ماكريجياني" بدلاً من المصحة العلاجية رغم معاناتهما من إعياء شديد، واصفين الإجراء بأنه يندرج ضمن "سياسة الردع الصارمة" التي تنتهجها اليونان ضد اللاجئين منذ أزمة جزيرة ليسبوس عام 2020.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، أشعلت هذه المغامرة جدلاً واسعاً؛ فبينما تساءل بعض المعلقين باستغراب عن كيفية صمود أب خمسيني وابنه لسبع ساعات في بحر هائج بالتيارات بينما يقبع آلاف الشبان الأصحاء في المخيمات منذ سنوات—وصلت إلى حد اتهامهما بالمبالغة لجذب التعاطف الأوروبي—رد آخرون بقوة مؤكدين أن "اليأس يصنع المعجزات"، مستشهدين بقصص تاريخية لسباحين فروا من الحروب وقطعوا مسافات أطول بحثاً عن الحياة.
صمت رسمي ومصير مجهول
ما يزال الموقف الرسمي يلفه الغموض؛ فالشرطة اليونانية اكتفت بإصدار بيان مقتضب جداً يتحدث عن "ضبط شخصين دخلا البلاد بصورة غير قانونية"، في حين التزمت السفارة الفلسطينية والحكومة التركية صمتاً مطبقاً، وهو ما يراه مراقبون صمتاً "مريباً" في قضية قد تحمل أبعاداً سياسية حساسة تتعلق بملفات التهجير المعقدة من قطاع غزة عبر محطات مصر وتركيا.
أمام هذه التفاصيل المثيرة، يبقى السؤال معلقاً في عرض البحر: هل كان هذا العبور الأسطوري صرخة غريق باحث عن الكرامة فراراً من ويلات الحرب، أم شاهد إثبات جديد على تطور آليات شبكات التهريب التي باتت تستغل القصص الإنسانية لاختبار الثغرات الأوروبية؟ الإجابة ستكشفها الأيام المقبلة، وتحديداً حين تقرر اليونان إما منحهما حق اللجوء، أو إعادتهما إلى المربع الأول في صفقة ترحيل صامتة.

