وصية إحسان
تأليف ليلا عمران
الفصل الأول: الليلة التي لم تغفر
في تلك الليلة الثقيلة، حين أرخى الفجر سدوله الباهتة على شقةٍ صامتة في مصر الجديدة، كانت الحاجة إحسان تصارع ألمًا لا يُحتمل. لم يكن مجرد وجعٍ عابر، بل كان كأن يدًا خفية تعتصر قلبها بلا رحمة، وأنفاسها تتقطع كخيطٍ أوشك أن ينفلت.
مدّت يدها المرتجفة نحو هاتفها، تستنجد بمن كانت تظنهم سندها في هذه الدنيا… بناتها الثلاث.
اتصلت بـ"هبة"، كبرى بناتها، تلك التي تغرق في عالم الذوق والترف. جاءها الصوت باردًا، متعجّلًا، لا يحمل من الحنان شيئًا:
"مجرد تعب عابر يا أمي… اشربي شيئًا ونامي."
انقطع الخط، وكأن جزءًا من قلب إحسان انكسر معه.
ثم اتصلت بـ"داليا"، التي تتغنّى بالروحانيات والرحمة. لكنها لم تجد إلا كلمات جوفاء، مغطاة بمسميات براقة:
"هذا مجرد وهم… تنفّسي بعمق."
أما "نهى"، آخر العنقود، فقد كانت أكثر قسوة من الجميع:
"اطلبي إسعافًا… لا تزعجينا."
عندها، لم تعد إحسان تصارع الألم الجسدي فقط… بل خذلانًا أشدّ وقعًا. لكنها، وسط هذا الظلام، أبصرت نورًا خفيًا… نور الحقيقة.
بقايا قوةٍ تجمّعت في جسدها المنهك، فطلبت الإسعاف بنفسها، وزحفت نحو باب شقتها، تستند إلى جدرانٍ شهدت سنوات كفاحها. تلك الجدران التي حفظت صوت مطرقة زوجها، وعرقها الذي سكبتْه لتربي بناتها وتمنحهن حياة لم تعرفها هي.
في المستشفى، أعلن الأطباء الحقيقة الصادمة:
لقد نجت من الموت بأعجوبة… وكان يفصلها عنه دقائق معدودة.
الفصل الثاني: تحت سقف واحد
بعد ثلاثة أيام من خروج إحسان من المستشفى، اجتمعن البنات في صالة الفيلا الكبيرة. لا زالت رائحة البوية تفوح من الجدران التي أمرت إحسان بدهنها قبل أشهر، وكأنها كانت تستعد لشيء لم يعلمن به.
جلست هبة على الأريكة المخملية، تتصفح هاتفها بعصبية. كانت ترتدي بدلة عمل أنيقة، كأنها في اجتماع وليس في بيت أمها المريضة.
داليا تأملت كوب الشاي المثلج أمامها، تهمس بدعاء لا يفهمه أحد، بينما تومئ برأسها كمن يستقبل وحياً من السماء.
أما نهى، فوقفت عند النافذة، تعبث بخاتمها، عيناها تبحثان عن شيء خارج النافذة… أو أحد.
دخلت إحسان بهدوء. لم تعد تلك المرأة المنهكة التي زحفت نحو باب شقتها. كانت ترتدي ثوباً منزلياً بسيطاً، لكن عينيها كانتا تحكيان قصة مختلفة.
جلست على كرسي والدها الراحل – الكرسي الذي كان لا يجلس عليه أحد غيره.
قالت بصوت هادئ لكنه حاد كالسيف:
"الوصية التي سمعتنها في مكتب المحامي… ليست كاملة."
رفعت هبة رأسها فجأة.
تنهدت داليا وتوقفت عن الهمس.
التفتت نهى عن النافذة.
تابعت إحسان:
"والدكن ترك شيئًا آخر… شيئًا لم أخبر به أحدًا. صندوقًا في مصرف سويسري، يحتوي على أمانات وحقائق… ومفاتيح لأسرار لم تدفن معه."
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت هبة بصوت متشنج:
"ما الذي تحاولين قوله يا أمي؟"
ابتسمت إحسان ابتسامة غامضة:
"ما أحاول قوله… أن العيش تحت سقف واحد لمدة عام ليس عقابًا. إنه اختبار. ومن تنجح… ستعرف كل شيء عن والدها… وعن وصيته الحقيقية."
قامت إحسان وغادرت الصالة، تاركة خلفها ثلاث بنات يصارعن الظنون.
ولم تكن تعلم إحداهن أن حبيبها السابق يقف تلك الليلة أمام بوابة الفيلا… يحمل سرًا يمكن أن يهدم كل شيء.
الفصل الثالث: الطيف العائد
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة مساءً عندما رن جرس بوابة الفيلا. نظرت نهى من نافذة غرفتها فجمدت مكانها. لا، لا يمكن أن يكون. لكنه كان.
آدم. حبيبها السابق الذي اختفى قبل سنتين بلا تفسير. تركها تنتظر أمام مقهى لمدة أربع ساعات، ثم أغلق هاتفه، وتبخر من حياتها كأن لم يكن.
كان يقف الآن أمام البوابة الحديدية، معطفه المبلل يشي بأنه قطع مسافة طويلة تحت المطر الخفيف.
نزلت نهى الدرج مسرعة، فتحت الباب الخارجي قبل أن تفكر. وقفت أمامه، قلبها يدق بعنف بين الغضب والفضول والألم القديم.
"ماذا تريد؟" سألته بصوت ارتجف رغمًا عنها.
نظر إليها بعينين منهكتين، وقال بصوت أجش:
"أحتاج للتحدث مع والدتك. إنه أمر حياة أو موت."
ضحكت نهى بسخرية:
"والدتي؟ تكاد تموت قبل أيام ولا أحد سأل عنها. والآن تأتي أنت في منتصف الليل؟"
اقترب آدم خطوة، وخفض صوته:
"نهى… الأمر يتعلق بوالدك. والدكِ لم يمت موتًا طبيعيًا."
شعرت نهى وكأن الأرض تهتز تحتها. قبل أن ترد، سمعت صوت أمها من خلفها:
"دعه يدخل يا نهى. كنت أنتظره."
التفتت نهى بذهول. أمها تقف على عكازها، ترتدي رداء النوم، لكن عينيها كانتا متيقظتين كمن يعرف أكثر مما يقول.
دخل آدم، وعندما مر بجانب إحسان، همس لها بشيء لم تسمعه نهى. ثم صعدا معًا إلى غرفة المعيشة، وتركان الباب مواربًا.
وقفت نهى في الردهة، تمزقها الرغبة في الاستماع والخوف مما قد تسمعه.
وفي تلك اللحظة، نزلت هبة من الطابق العلوي، تهمس في هاتفها:
"لا تقلق… سأحصل على الصندوق قبل أي شخص آخر."
الفصل الرابع: ما قاله آدم
جلس آدم على الكنبة المقابلة لإحسان. كان وجهه شاحبًا، وخطوط الأرق مرسومة تحت عينيه. انتظر حتى أغلق الباب تمامًا، ثم قال:
"السيدة إحسان… أنا لم أختفِ قبل سنتين عن طريق الصدفة. والدي… والدي كان يعمل سائقًا لزوجك المرحوم. قبل وفاته بأسبوع، أعطاه والدها مظروفًا مختومًا وقال له: 'إن حدث لي شيء، أوصل هذا إلى زوجتي إحسان، ولا تخبر أحدًا.'"
سكت آدم لثانية، ثم تابع بصوت يرتجف:
"بعد وفاة والدكِ بثلاثة أيام، وجد والدي ميتًا في سيارته. حادث سير، قالوا. لكن المظروف اختفى. وأنا متأكد أن من قتل والدي هو نفس من قتل والدها."
إحسان لم تتحرك. كانت تراقبه بعيني صقر. ثم قالت ببرود:
"وما الذي جاء بك الآن، بعد كل هذه السنين؟"
أخرج آدم من جيبه الداخلي هاتفًا قديمًا، كسرت شاشته من إحدى الزوايا.
"وجدت هذا الهاتف في دولاب والدي الأسبوع الماضي. كان مخبأً خلف لوح خشب. فيه رسالة صوتية واحدة… من والدها."
ضغط على زر التشغيل، وخرج صوت خافت، بالكاد مسموع، يقول:
"إحسان… لا تثقي بأحد. حتى المقربين. الصندوق… فيه الحقيقة كاملة. إذا متُ… افتحيه مع الشاهد الوحيد الذي تعرفينه."
ساد صمت طويل.
ثم نهضت إحسان متعبة، وقالت:
"لقد تأخرت كثيرًا يا آدم. لكن ربما لم يفت الأوان بعد."
فتحت درج مكتبها القديم، وأخرجت مفتاحًا صغيرًا من نحاس أصفر.
"هذا مفتاح الصندوق… وكان الشاهد الوحيد هو والدك. لكنه مات قبله. الآن… لا أعرف من يمكنه أن يشهد معي."
نهض آدم بحماس:
"ربما هناك شاهد آخر… والدي كان دائمًا يذكر اسمًا: 'عماد'. لم أعرفه شخصيًا، لكنه كان صديق طفولته."
نظرت إحسان إلى المفتاح في يدها، ثم إلى آدم، وقالت بصوت يخنقه الحزن:
"عماد… هو قاتل زوجي."
الفصل الخامس: خيوط العنكبوت
لم تصدق نهى ما سمعته خلف الباب. انسحبت بهدوء إلى غرفتها، قلبها يخفق كأنه يريد الخروج من صدرها. أمها تعرف أن والدها قُتل؟ وهناك صندوق غامض؟ وشخص اسمه عماد؟
أسرع نهى إلى هاتفها وكتبت رسالة إلى داليا، أختها الوسطى، التي كانت نائمة في غرفتها في الطرف الآخر من الفيلا:
"تعالي فورًا. الأمر خطير."
بعد خمس دقائق، كانت الأختان الثلاث تجلسن في غرفة نهى، على أطرش أصابعهن. نهى تهمس لهن بما سمعته، بينما هبة تتشبث بهاتفها كأنها تنتظر رسالة مهمة، وداليا تهمس بدعاء خائف.
قالت هبة فجأة، مقاطعة حديث نهى:
"عماد… هذا الاسم مألوف. عماد… عماد الفولي؟ الرجل الذي يتردد على البنك المركزي؟"
نظرت إليها نهى بدهشة:
"تعرفينه؟"
تنهدت هبة، وكأنها توزن كلماتها:
"هو… زوج مديرة فرعي. رجل غامض، كثير السفر. دائمًا يبدو كمن يخفي شيئًا. قالت عنه مديرتي مرة: 'لا تقتربي من عماد، إنه أخطر رجل أعرفه.'"
صمتت البنات لثوان، ثم همست داليا:
"إذا كان عماد هو القاتل… فلماذا يتردد على البنك؟ ربما يبحث عن الصندوق هناك؟"
قاطعتهن طرق على الباب. كان آدم، وجهه شاحبًا أكثر من ذي قبل.
"عليكن مغادرة الفيلا غدًا. السيدة إحسان في خطر. وعماد… عماد موجود في القاهرة هذه الليلة."
نهضت هبة بسرعة، وأمسكت بمفاتيح سيارتها:
"لن نذهب إلى أي مكان. هذه الفيلا هي وثيقتنا الوحيدة. لكن يمكننا استباق عماد… غدًا صباحًا، سنذهب إلى البنك قبل أن يصل."
نظرت إحسان من فوق الدرج، وقد سمعت كل شيء. قالت بصوت هادئ، لكنه قطع كل نقاش:
"لن نذهب إلى البنك… بل سندعوه هو إلى المجيء إلينا."
ابتسمت ابتسامة ماكرة، وأضافت:
"سأرسل له رسالة مفادها: 'الصندوق في الفيلا. تعال وحده إذا كنت رجلاً.'"
✨ يتبع في الأعداد القادمة من مجلة أضواء ✨
www.adwwa.com
