شبكة أضواء الإخبارية.. حيث تنتهي الشائعات وتبدأ الحقيقة. نكشف المستور، وننقل الخبر من قلب الحدث بكل جرأة وأمانة
📁 آخر الأخبار

على ضفتي الأطلسي… حين يعود اليسار إلى قلب المعركة

كتب "آدم بوبل" هذا المقا سنة 2022 بالفرنسية، ونعيد نشره اليوم باللغة العربية  لأول مرة.

على ضفتي الأطلسي… حين يعود اليسار إلى قلب المعركة

بقلم: آدم بوبل

من حين إلى آخر، تتجه الأنظار نحو لحظة فاصلة يتكثف فيها الصراع السياسي وتنكشف فيها موازين القوى الحقيقية. يوم الأحد 19 يونيو 2022 لم يكن موعدًا انتخابيًا عاديًا، بل كان لحظة مواجهة على قارتين. استحقاقان، في فرنسا وكولومبيا، يختزلان صراعًا أعمق حول من يحكم، ولصالح من تُدار الدولة.

يتعلق الأمر بالجولتين الحاسمتين للانتخابات التشريعية في فرنسا والانتخابات الرئاسية في كولومبيا. وفي الحالتين، يمكن القول إن اليسار حقق انتصارًا سياسيًا حتى قبل صدور النتائج النهائية. انتصارًا في المعنى، في الرمزية، وفي قدرته على إعادة فرض نفسه كبديل حقيقي على المدى البعيد.

فرنسا: كسر لعنة التشرذم

في فرنسا، لم يكن الإنجاز مجرد تقدم انتخابي، بل كان فعلًا سياسيًا بامتياز: توحيد اليسار بعد ربع قرن من الانقسامات والصراعات العقيمة. انطلاق تحالف «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد» (NUPES) موحدًا من خط البداية كان حدثًا في حد ذاته. فقد التفّ الاشتراكيون والشيوعيون والخضر حول «فرنسا الأبية»، القوة اليسارية الأولى في الرئاسيات، ليشكّلوا جبهة اجتماعية واضحة المعالم.

هذا التحالف لم يكتفِ بالصمود أمام عراقيل مؤسساتية واضحة، بل تصدّر نتائج الجولة الأولى، متقدمًا على الأغلبية الرئاسية، وجامعًا أكثر من 26٪ من الأصوات. كما نجح في إيصال أربعة نواب من الجولة الأولى، مقابل نائب واحد فقط للأغلبية. وفي الدائرة التاسعة لفرنسيي الخارج، حصل كريم بن الشيخ على حوالي 40٪ من الأصوات، متقدمًا بفارق 12 نقطة على منافسته إليزابيث مورينو.

لم يكن ذلك تفصيلًا تقنيًا، بل تعبيرًا عن إرادة اجتماعية رافضة لاستمرار السياسات النيوليبرالية التي عمّقت الفوارق ووسّعت الهوة بين الطبقات.

هدف التحالف كان واضحًا: إيصال Jean-Luc Mélenchon إلى رئاسة الحكومة. صحيح أن الدستور ينص على أن رئيس الجمهورية يعيّن الوزير الأول، لكن الأغلبية البرلمانية تفرض توازنًا سياسيًا لا يمكن تجاهله. فالحكومة مسؤولة أمام البرلمان، ومن يملك الأغلبية يملك القدرة على فرض برنامج سياسي.

والتاريخ شاهد: حين قرر Jacques Chirac سنة 1997 حلّ الجمعية الوطنية، انتهى الأمر بفرض تعايش سياسي لم يكن في حسبانه. الدرس واضح: الإرادة الشعبية قادرة على قلب المعادلات.

حتى بعد خسارة الرئاسيات، أثبت اليسار الفرنسي أنه قادر على النهوض، وعلى التحول إلى قوة مهيكلة داخل الجمعية الوطنية، سواء في موقع الأغلبية أو في موقع المعارضة القوية التي تفرض أجندتها.

كولومبيا: اختراق جدار الهيمنة

على الضفة الأخرى من الأطلسي، كانت كولومبيا تعيش لحظة تاريخية. بلد طبعته لعقود هيمنة اليمين والصراعات المسلحة يشهد اليوم اختراقًا غير مسبوق لليسار داخل البرلمان. تحالف «الميثاق التاريخي» حلّ أولًا في مجلس الشيوخ وثانيًا في مجلس النواب، في سابقة سياسية كسرت احتكارًا طويلًا للسلطة.

حصول Gustavo Petro على 40٪ من الأصوات في الجولة الأولى لم يكن رقمًا انتخابيًا فقط، بل إعلانًا عن تحوّل عميق في المزاج الشعبي. ترشحه للمرة الثالثة — كما فعل نظيره Jean-Luc Mélenchon في فرنسا — يعكس إصرارًا سياسيًا على انتزاع التغيير من داخل المؤسسات.

فوز اليسار في كولومبيا، إن تحقق، يعني فتح ملفات الفساد البنيوي، مواجهة التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتفعيل اتفاق السلام مع مقاتلي «فارك». إنه انتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى مشروع إعادة بناء اجتماعي.

ما الذي نتعلمه؟

سواء في فرنسا أو كولومبيا، يتوحّد الدرس: حين يتجاوز اليسار انقساماته، ويتوحد حول برنامج اجتماعي واضح، يصبح قوة تغيير حقيقية. الأمل ليس شعارًا، بل أداة تعبئة سياسية.

الأمل في تقليص الفوارق، في حماية القدرة الشرائية، في التخطيط البيئي، في النسوية، في مناهضة العنصرية، وفي كسر احتكار البرجوازية للثروة التي راكمتها على حساب الفئات الهشة — خصوصًا بعد الجائحة التي ضاعفت أرباح كبار المساهمين فيما ازدادت معاناة الطبقات الشعبية.

المغرب: الفرصة الضائعة

في المغرب، أضعنا لحظة 8 سبتمبر 2021. الدعوة إلى لائحة يسارية موحدة لم تكن حلمًا رومانسيًا، بل ضرورة سياسية. فاليسار، حتى إن لم يمتلك أغلبية، يبقى صوتًا مؤسساتيًا للشارع، وصلة وصل بين الغضب الشعبي والعمل التشريعي.

اليوم، المشهد جامد. حكومة تمثل مصالح كبار الأثرياء تمضي في سياساتها دون مقاومة تُذكر. تضارب المصالح الصارخ لرئيس الحكومة، وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وغياب أي تنظيم حقيقي للأسعار، كلها مؤشرات على خلل عميق في ميزان القوة.

في المقابل، التنسيق البرلماني القائم ينحصر في ملفات تقنية، بعيدًا عن جوهر الأزمة الاجتماعية: القدرة الشرائية، الحريات العامة، العدالة الضريبية. السياسة ليست إدارة شكلية للنصوص، بل مواجهة مفتوحة مع اختلالات السلطة والثروة.

إن تشكيل جبهة معارضة حقيقية داخل البرلمان يجب أن يكون مقدمة لامتداد نقابي وشعبي أوسع. لكن ذلك لن يتحقق دون إرادة سياسية واضحة، كما هو الحال اليوم في فرنسا وكولومبيا.

بقلم: آدم بوبل

 

لأننا نؤمن بالحياة.. نحن هنا

في شبكة أضواء الإخبارية، ندرك أن الخبر ليس مجرد حروف، بل هو نبضٌ وإنسان. من قلب التحدي في غزة، نسعى لصناعة غدٍ مشرق يمتد ضياؤه إلى العالم أجمع. رسالتنا هي بث الأمل ونشر الحقيقة، لنرسم معاً ملامح فجرٍ جديد يليق بطموحاتنا العظيمة.

By: Laila Omran, Editor-in-Chief of adwwa.com News Network