حين تصبح الجغرافيا سياسة: إسرائيل، صوماليلاند، وباب المندب كخط تماس جديد
حين تُقدم دولة على الاعتراف بكيان غير معترف به دوليًا، فإن الفعل لا يكون إجراءً بروتوكوليًا ولا حركة علاقات عامة. الاعتراف، في جوهره، قرار جغرافي يُصاغ بلغة دبلوماسية، لكنه ينطوي على إعادة تموضع حادة في خرائط النفوذ. من هذا المنظور، لا يمكن فهم اعتراف إسرائيل بـ صوماليلاند إلا بوصفه خطوة استراتيجية محسوبة، استُثمرت فيها لحظة ما بعد الحرب لإعادة ترتيب المواقع لا الاكتفاء بإدارة الأزمات.
الموقع ليس مجرد تفصيل
تقع أرض الصومال على الضفة الأفريقية لخليج عدن، بمحاذاة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وعلى تماس مباشر مع باب المندب. هذه الجوارية البحرية ليست تفصيلاً جغرافيًا، بل لبّ الحسابات الإسرائيلية الجديدة. فالدولة التي يعتمد اقتصادها على البحر اعتمادًا وجوديًا—إذ تتحرك أكثر من تسعين في المئة من صادراتها بحرًا—لا تستطيع ترك هذا الشريان رهينة لتقلبات الإقليم أو مبادرات خصومها. هنا يتحول المضيق من ممر دولي إلى مسألة أمن قومي صريح.
فلسفة الحركة والوجود الاستخباراتي
من هذا الإدراك، تتبدّل فلسفة الحركة. ما كان يُدار من الخلف، يُعاد التفكير فيه من الأمام. وما كان يُعدّ بعيدًا على الخريطة، يصبح قريبًا في الحسابات. في هذا السياق، يصبح الاعتراف بصوماليلاند تمهيدًا لتحويل إسرائيل، عمليًا، إلى جار بحري لليمن. ليس بالمعنى الجغرافي التقليدي، بل بالمعنى الأمني والاستخباراتي، بما يتيح مراقبة أدق لحركة الملاحة، وتأثيرًا مباشرًا في خطوط العبور، وقدرة على منع تحويل باب المندب إلى أداة ضغط دائمة.
التجربة الإسرائيلية والنفوذ الصامت
الاعتراف هنا ليس غاية، بل مدخل لمسار متدرّج من التعاون الأمني والاقتصادي. التجربة الإسرائيلية تشير إلى أن كل اعتراف سياسي يُترجم لاحقًا إلى تفاهمات عملية: تسهيلات لوجستية، حضور استخباراتي، واستخدام بنى مدنية بواجهات تجارية. نفوذ يُبنى بصمت، لكنه يرسّخ وجودًا طويل الأمد ويحوّل الجغرافيا إلى أداة سياسة.
سيناريوهات التهجير والحلول الجغرافية
وفي الهامش—لكن الهامش هنا كاشف لطبيعة التفكير—طُرحت، وفق تقارير متداولة، أفكار تتعلق بإمكانية توظيف العلاقة مع صوماليلاند في سيناريوهات تخص نقل سكان من غزة خارج الجغرافيا الفلسطينية. لم تكن هذه الطروحات في صدارة المشهد، لكنها عكست ذهنية تبحث عن حلول سياسية عبر مخارج جغرافية، وتتعامل مع الكيانات الناشئة بوصفها مساحات قابلة للاستخدام في ملفات تتجاوز حدودها الطبيعية.
ارتدادات على الأمن القومي العربي ومصر
غير أن هذا التحرك لا يقف عند حدود اليمن والبحر الأحمر الجنوبي. فارتداداته تمتد مباشرة إلى الأمن القومي العربي، وخصوصًا أمن مصر. البحر الأحمر، في الرؤية المصرية، ليس مجرد ممر ملاحي، بل امتداد مباشر لقناة السويس. أي تمركز لقوة غير عربية عند مدخله الجنوبي يُعدّ اختلالًا في ميزان السيطرة، ويعيد فتح أسئلة قديمة حول من يملك مفاتيح هذا الشريان العالمي.
الخلاصة: إعادة صياغة الإقليم
في المحصلة، نحن أمام شرق أوسط يُعاد تشكيله بهدوء. لا عبر قرارات كبرى مُعلنة، بل من خلال تمدد صامت في المفاصل الرخوة: مضائق، موانئ، وكيانات تُستثمر في لحظات التحول. اعتراف إسرائيل بصوماليلاند ليس خبرًا عابرًا، بل علامة على مرحلة تُدار فيها السياسة بلغة الجغرافيا، وتُستخدم فيها الخرائط بديلاً عن البيانات.
By: Laila Omran, Editor-in-Chief of Adwaa News Network | Gaza, Palestine
لأننا نؤمن بالحياة.. نحن هنا
في شبكة أضواء الإخبارية، ندرك أن الخبر ليس مجرد حروف، بل هو نبضٌ وإنسان. من قلب التحدي في غزة، نسعى لصناعة غدٍ مشرق يمتد ضياؤه إلى العالم أجمع. رسالتنا هي بث الأمل ونشر الحقيقة، لنرسم معاً ملامح فجرٍ جديد يليق بطموحاتنا العظيمة.
By: Laila Omran, Editor-in-Chief of adwwa.com News Network
