أخر الاخبار

هل انقرض عصر «محامي الشنطة»

 


بكر بن عبداللطيف الهبوب

 يُعد أسلوب «تاجر الشنطة» أحد أنماط التعاملات لبيع الأشياء دون اتخاذ مقر لممارسة المهنة، أو سجل تجاري أو ترخيص بعيداً عن أعين الجهات الرقابية التي تنصف المستهلك حين شكواه من السلعة المشتراة، وبذلك يتقارب مع أسلوب البائع المتجول «Door-to-door»، من حيث عدم التقيد بمقر ثابت للممارسة وتعريض حقوق المستهلكين إلى مخاطر عدم التقيد بضوابط حمائية. تاريخياً، ارتبطت المحاماة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالقضاء، فالحديث عن القضاء ونشوئه هو حديثٌ عن نشوء المحاماة وتطورها. فخلاف الفقهاء في منح القاضي رزقاً أو اشتراطه أجراً مقابل توليه عمل القضاء، انعكس على عمل المحامي، وهو ذات الفكر في القانون الروماني الذي ينطلق من نظرية العقد المجاني التي ترى أنّ مهنة المحاماة تتميّز بالترفّع المادي، فخدمات المحامي لا تقدّر بالمال، إذْ أنَّ العمل اليدوي هو الذي يلقى أجرًا، فالمحاماة مُورست سابقاً كمهنةٍ تشريفيةٍ، ثم تحولت إلى مهنة مستقلة يتقاضى عنها المحامون مقابلاً مادياً يسمى أتعاباً وليس أجراً، تنزيهًا لهم عن كل عملٍ مأجور. والتاريخ الإسلامي عَرَفَ المحاماة بهذا المعنى منذ القرن الهجري الثاني حيث ذكر المؤرخونَ أنَّ الوكلاء بالخصومة يتقاضون لقاء مرافعتهم درهمين في كل جلسة. بل إنِّ ابن السابح البغدادي مارس المحاماة وبرع فيها، وصنّف كتابًا أسماه «كَامِل الْآلَة فِي صناعَة الْوكَالَة» جمَع فيه فنون ما يحتاج إليه الوكيل من أحكام وكيف يتصرف أمام القضاة والولاة. «محامي الشنطة» صورةٌ ذهنيةٌ للمحامي الذي يختزل أعماله في حقيبته، ويمارس المهنة بطريقة تقليدية لا تختلف عمَّا كانت عليه بدايات المهنة. تتكون مهنة المحاماة من: «أ» معلومات قانونية وإجراءات قضائية تضفي الوقار على حاملها، و «ب» جانب تجاري «Entrepreneur» يتناول أساليب تقديم الخدمة للعملاء ومساعدتهم على تلبية احتياجاتهم ورغابتهم «Customer Orientation». والشق الثاني تَطوَّر مع ممارسة المهنة من خلال النقابات والأنظمة التي سَنّت الضوابط الأخلاقية والمهنية؛ لحماية المستهلك وحفظ حقوق أصحاب المصالح. إنَّ المستعرض لنظام المحاماة ولائحته التنفيذية ليجدُ أنَّ نصوصه تؤيد تحول المحامي للعمل المؤسسي، وتحظر استمرار مفهوم «محامي الشنطة» ممن يدير أعماله بدون مقرٍّ ثابت أو إجراءات مهنية لممارسة الأعمال، حيث أُلزم كل محام ممارس أن يتخذ له مقرًا أو أكثر لمباشرة أعماله، وعليه أن يشعر وزارة العدل بعنوان مقره وبأي تغيير يطرأ عليه. وأن يكون المقر لائقاً لمزاولة المهنة، وأن يقع على شارع عام، وأن يُوضع عند باب المدخل لوحة صغيرة من الخارج تشتمل على اسم المحامي، وأيام وساعات العمل، وأن يعلن المحامي طالب التوقف عن الممارسة في إحدى الصحف التي تصدر في منطقة المقر الرئيس، وأن يضع على المقر وفرعه لافتة تبين ذلك. وعلى المحامي أن يتخذ له أوراقًا خاصة به لتقديم كتاباته عليها للجهات، وأن تشتمل على اسمه، واسم المقر الرئيس، ورقم وتاريخ الترخيص، وأرقام الهاتف وصندوق البريد، وليس له أن يقدم للجهات أي كتابة على أوراق لا تشتمل على ذلك، أو على أوراق لا تخصه. كما أن على المحامي عند انقضاء التوكيل أن يرد لموكله عند طلبه سند التوكيل والمستندات والأوراق الأصلية، وجعل النظام مدة خمس سنوات لتقادم حفظ المستندات لدى المحامي، بحيث لا تُسمع دعوى الموكل في مطالبة محاميه بالأوراق بعد مضي المدة. وبالمقابل فإنَّ إجراءات عزل المحامي لابد أن تصدر بإجراءات محددة عبر إبلاغه بخطاب مسجل مصحوب بعلم الوصول، وكذا إبلاغ الجهة ناظرة القضية بذلك. بل إن إجراءات تدريب المحامين تعتمد على نظام حضور في المكتب بدوام كامل، وأن يقيم المتدرب في مدينة مقر مزاولة المهنة. تُصَّنف المحاماة ضمن المهن الحرة، فالمحامي يستخدم ملكته الفكرية، ويُسّخر علمه وخبرته لبناء الثقة الشخصية التي تعد رأس ماله أمام العملاء، وبذلك يُكيّف عمل المحامي بأنه من الأعمال المدنية، وهذا ما استقرت عليه تشريعات الدول. ونظراً لعدم اكتسابه الصفة التجارية، فإن ذلك أتاح له الحرية بالتخلص من القيود التجارية، مما جعل الالتزام بمعايير عالية لإدارة العمل راجع لطبيعة تنظيم المهنة في كل بلد. دولياً، توالت قوانين تطوير مهنة المحاماة، ففي فرنسا يعد قانون عام 1912م نقلة في ممارسة المهنة حيث أنشأ نقابة المحامين، وألزمهم بإيداع كفالة مالية تخصص عند الاقتضاء للتعويض عن الأخطاء المهنية، كما ساوى المحامين بالهيئات والمؤسسات العامة، والجمعيات من حيث ضبط السجلات، والتواصل مع الجهات الرقابية. أوضحت دارسة في جامعة هارفرد أن الأساليب التقليدية لإدارة رأس المال البشري، والابتكار، أعاقت التنافسية لمكاتب المحاماة في الستينات، لذا يُعزى نقل مفهوم المحاماة إلى الأسلوب التجاري الحديث إلى ريجنالد سميث «Reginald Heber Smith» الذي يعد رائد المحاماة الحديثة لما قدمه من أساليب محاسبية دقيقة وطريقة إعداد الميزانيات، ونظام متقدم في توزيع أرباح الشركاء، وابتكار نظام الفوترة بالساعة والجداول الزمنية إيماناً منه بأن ريادة الأعمال هي القدرة على التفكير في المستقبل والعمل على تحقيق ذلك. ومنذ السبعينات، بدأت عدد من النقابات والهيئات المهنية تبني أنظمةً من شأنها الرقي بالمهنة عبر التزامات ترفع كفاءة تشغيل مكاتب المحاماة، وتعزيز دور الحوكمة لرفع القدرة التنافسية، وضمان وجود أنظمة وضوابط فعالة لتحقيق والامتثال لجميع مبادئ وقواعد المهنة، والتأكد من وجود ضوابط لمراقبة الاستقرار المالي للمكتب والسيطرة على الميزانيات والنفقات والتدفقات النقدية، وضمان الامتثال للتشريعات المعمول بها بما في ذلك مكافحة غسل الأموال، وتشريعات حماية البيانات والخصوصية وتكنولوجيا المعلومات واستخدام العلامة التجارية، ورصد وإدارة جميع المخاطر المحيطة بالأعمال. ونظراً لأهمية الموازنة بين المهنة وريادة الأعمال فقد تأسست عدد من المنظمات المعنية بذلك مثل رابطة مدراء مكاتب المحاماة في 1968م «The Law Office Management Association TLOMA»، وهدفها مساعدة المحامين على تطوير المهارات اللازمة لقيادة فعّالة، وتعلم أطر واستراتيجيات تحقيق التوازن بين المسؤوليات المهنية، والتخطيط الاستراتيجي، وتحسين التنسيق التنظيمي، وإدارة النمو والتغيير. وبالمقارنة مع واقع العمل في المملكة، فإن عُمر ممارسة المهنة على وجه احترافي مقارنة بدول أخرى يُعد قصيراً ويتعطش لمزيد من التطوير، إذ يغلب الطابع الفردي على أغلب مكاتب المحاماة أو نموذج الشركات المحدودة العدد ذات الأسلوب المركزي الذي لا يتلاءم مع الأسلوب الإداري الحديث، فضلاً عن وجود عدد من المحامين لم يخصص مقراً لائقاً للممارسة. وبشكل عام فإنَّ هذا الواقع هو سمة أغلب دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ لاعتبارات تتعلق بالثقافة والتعليم والبيئة والاقتصاد. ومثلما تأثر القانون بالعولمة، فلم تنج المهن ذات الصلة من تأثير مباشر، حيث أحرجت الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على أسواق الدول النامية مكاتبَ المحاماة المحلية لحاجتها إلى مستوى مهني اعتادته من مكاتب محاماة دولية مجيّشة بمحامين ملمين بأحكام عقود التجارة الدولية، وعقود الاستثمار وبقواعد التحكيم التجاري الدولي، ومطلعين على عدد من اللغات الحية، وتقنيات الاتصال والتواصل، وعلى أسلوب رفيع في تقديم الخدمات القانونية، ووضوح وشفافية في الأتعاب، ووجود غطاء تأميني ضد المسؤولية. وقد دفع اقتصاد تلك الدول ضريبةً باهظةً لضعف البنية التحتية لمكاتب المحاماة المحلية، نتيجة المنافسة الشرسة مع شركات المحاماة الأجنبية التي استطاعت إغراء المحامين الشباب نظراً لوفوراتها المالية، وما تقدمه من دعم وتدريب ومسار مهني متدرج واضح المعالم؛ مما مكّنها من جذب عملاء محليين سواء من القطاع الخاص أو الحكومي فضلاً عن العملاء الأجانب لما تتميز به من أسلوب تقديم الخدمة. وتكاد تجمع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تضرر سوق المحاماة المحلي نتيجة تلك المنافسة، بالرغم من وجود معايير تفضيلية لمكاتبها المحلية كاللغة، والمعرفة بالقانون المحلي، والعلاقات المحلية، والمعرفة بإجراءات القضاء المحلي، ومع ذلك فقد تفوقت تلك المكاتب الأجنبية في إدارة المشاريع القانونية المعقدة، وتقديم الاستشارات الخاصة بإدارة الاكتتابات IPOs، والخصخصة، وفحص ومراجعة العقود القانونيةDue Diligence، وعقود الاستحواذ والاندماج، وعقود التمويل والصناديق الاستثمارية، وإعداد السياسات والتشريعات المقارنة. وقد تسببت هذه المنافسة إلى انقسام حصة سوق المحاماة على نحو دفع المكاتب المحلية للتخصص في أعمال المقاضاة والتمثيل القانوني، وتكريس نوع من الطبقية المهنية لمكاتب المحاماة الأجنبية. وبالرغم من مساهمة الابتعاث لدراسة القانون في إيجاد جيل من المحامين متخصص في قانون الأعمال، أكسبهم العمل في المكاتب الدولية الثقة والدراية بأسلوب الإدارة الحديث، إلا أن ذلك لم يفرض هيمنة المكاتب المحلية، ولا أدل على ذلك من أن المستعرض لبيانات نشرات الإصدار منذ تأسيس هيئة السوق المالية في 2004م وحتى تاريخه، ليجد أن ما يقارب «156» طرحاً تهيمن عليه مكاتب المحاماة الأجنبية بالشراكة مع محام سعودي بما لا يقل عن 85% مقارنةً بمكاتب محاماة محلية ليس فيها شراكة مع مكاتب أجنبية. لاشك أن أسلوب مكاتب المحاماة الأجنبية قادرٌ على التأقلم مع متغيرات بيئة الأعمال، من خلال الشركات المهنية القوية التي أصبحت قوة اقتصادية للدول، ففي المملكة المتحدة يعمل قطاع شركات الخدمات المهنية ما يقرب من 12٪ من القوى العاملة، ويمثل 8٪ من الناتج المحلي فيها. وفي الوقت الذي تتزايد فيه أصوات الدول بالتحذير من تلك الشركات الدولية، فإنَّ تجربة الصين جديرة بالتأمل. حيث نشرت مجلة الإيكونوميست تقريرًا رصدت خلاله الصعوبات التي أصبحت تواجه الشركات الأجنبية العاملة في الصين في ظل المتغيرات التي شهدها السوق الصيني خلال السنوات الأخيرة، فقد فتحت الصين ذراعيها للشركات الأجنبية في مطلع التسعينيات، وقدرت شركاتها المحلية على التطور سريعاً وأصبحت تتفوق على منافساتها الأجنبية في جذب المستهلكين المحليين؛ لإيمان الصينيين أن أفضل استراتيجية لمواجهة تحديات العولمة هي: «أن تتعلم من الشركات متعددة الجنسيات، وتتعاون معها، وتقتبس آخر ما توصلت إليه، ومن ثم تتنافس معها». إن مهنة المحاماة تمر بأطوارٍ حتى تصل لمرحلة النضج، ولا يتأتى هذا إلا بمواجهة التحديات واستغلال الفرص. فالمحامون السعوديين اليوم لديهم القدرة على خلق التنافسية من خلال رفع مستوى تقديم الأعمال بذات مستوى الشركات الأجنبية. ومن العوامل المساعدة لذلك: الاندماجات والتحالفات بين المكاتب بهدف تكوين كيانات كبيرة قادرة على المنافسة في السوق، بإدارة حديثة، وتأهيل كوادر سعودية قادرة على موائمة احتياجات سوق العمل. فإغراق السوق بمحامين دون المستوى المطلوب يهدد استدامة السوق المحلية، ويضعف قدرتها التنافسية مع المكاتب الأجنبية؛ مما يضيع فرصاً تنمويةً على الاقتصاد الوطني.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق










    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -