أخر الاخبار

د. غادة طنطاوي.. ألف ليلة وليلة في الألفية الثالثة Ghada_tantawi@

 د. غادة طنطاوي.. ألف ليلة وليلة في الألفية الثالثة Ghada_tantawi@


أعترف وبكل فخر بأني من جيل الثمانينات، جيل نشأ على قيم ومبادئ لربما وبكل أسف حُرِمَ منها الجيل الحالي بسبب العولمة الفارغة والإنفتاح تحت مظلة الإنحراف.

بلغت العقد الرابع من عمري ومازلت أحمل بداخلي ذكرياتٍ لطفلة كانت حريصة على مشاهدة حكايات ألف ليلة وليلة في شهر رمضان المبارك، والتي سمعنا فيها عن بساط الريح، مارد المصباح وقصر يبنى في غمضة عين على تلة من الرمال.. أميرة مسحورة، دجالٌ يذر البخور ووحوش أسطورية في عالم مليئ بالسحر والإثارة.

وعندما أنظر اليوم.. لا أجد لهذا العالم الساحر أثر على أرض الواقع، فقد اندثر بسبب مافيا الإنتاج، تحت ركام الدعارة الغير مبررة، الإسفاف، تجارة المخدرات والأعضاء. الأميرة الجميلة غدت حبيسة قصرٍ حزين.. بساط الريح لم يعد يحلق مع أمانيها ومارد المصباح في غفوةٍ أبدية بسبب صدأ المصباح..!! فأين اختفى حس الخيال..؟؟ ولماذا ماتت أحلام الزمن الجميل بداخل الكُتَّاب منا..!!

ظللت هكذا لبرهةٍ طويلة حتى احتضر الشغف في عالم الخيال بداخلي، ولم أشعر به قط إلا من خلال كاتب شاب موهوب وحالم، تميز عن باقي كُتَّاب جيله من الشباب بما يقدمه من قصصٍ مسموعة ورواياتٍ مكتوبة. إنه الكاتب، محمد شعبان، الملقب بالعارف.

وعلى الرغم من عمق علاقة الأخوة بيني وبين صديقي المبدع، محمد شعبان، إلا أني لم أتمكن من حضور حفل توقيع روايته الأخيرة في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، (دكان أرزاق). لكن حالفني الحظ بوجود أحد أصدقائي الذي تفضل مشكورًا بإحضار نسخةٍ لي لأقرأها وأنا في المملكة العربية السعودية.

ولن أتحدث بصفتي صديقة، بل سأحلل الرواية بعين الكاتب. دائمًا ما تحملني حكايات العارف لأزمنةٍ مختلفة تبعًا لأحداث القصة، هو كاتب موهوب لديه القدرة على اقحامك لا إراديًا في محتوى الحكاية، التي غالبًا ما تتحول في خيالنا إلى فيلم أو مسلسل، كحال سابق حكايته مثل؛ أصفهان و منديل أولاد القفاص. كلماته بسيطة جدًا يسهل على مختلف الفئات العمرية فهمها، ولم أتفاجأ عندما رأيت صورته مع أصغر قارئة له، لأنه يكتب بأسلوب ابن الحارة القريب من قلوب الجميع، بارع للغاية في إجادة الحبكة الدرامية بالرغم من صغر سنه، وهذا يتضح من الترابط بين المشهد الأول في الرواية، ومشهد الخاتمة، لديه حسٌ فريد في بناء المشاهد السمعية الذي أتى واضحًا في انتقال المشاهد بين أرزاق، إدوارد وتوم وبالطبع ربط سياق الحبكة بالراوي الأساسي (الجدة)، حفيدها المستمع وبنا نحن كَقُرَّاء.

يذكر أدق التفاصيل، فهو يصف وجه أرزاق، شعرها ولون عبائتها حتى تتجسد صورةً حية أمام عينك، ناهيك عن وصف حالة الشارع ومنظر الدكان، ولوهلة قد تشعر بأنك تستطيع أن تشم رائحة التراب بعد رش الماء عليه أمام الدكان أو رائحة عربة الفول والفواكه الموجودة في آخر الشارع. سرعة تسلسل الأحداث تناسب فكرة القصة فلا يوجد هناك ثغرات تجعلك تسأل كيف، متى ولماذا..!! لأن لديه القدرة الفائقة لسحب القارئ بذكاء للحدث الرئيسي، وهذه ميزة فقدها الكثير من الكتاب وفخٌ لم يَنجُ منه الا المبدعين.

ياصديقي الغالي، لن أبالغ لو قلت أنك تذكرني بأسلوب الكاتب (طاهر أبو فاشا) الذي جعلني أصدق في صغري بأن هناك الشيخ أبو فراج، الأشكيف المخيف، تفاحات الذهب وعناقيد اللؤلؤ في حكايات ألف ليلة وليلة، ولن أستغرب لو رأيت اسمك على تتر حكاياتٍ جديدة لألف ليلة وليلة على التلفاز في يومٍ من الأيام. لديك هذه الموهبة الإلهية وتملك القدرة على تحويل الخيال لواقعٍ يتجسد فكرةً يراها كل من يقرأ لك. شكرًا لأنك أعدت إلي شغفي بعالمي الخيالي.. لذا.. يَصِّحُ لي أن ألقبك بالساحر عوضًا عن العارف.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق










    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -