أخر الاخبار

هكذا كنا نلعب صغارا على قضبان السكة الحديدية

 هكذا كنا نلعب صغارا على قضبان السكة الحديدية مثل هذه الطفلة، نفرد ذراعينا على الجانبين ونمشي عدة أمتار فنفقد توازننا، مَن يمشي أطول مسافة دون أن يقع، أو من تتحمل قدماه حرارة القضبان صيفا..... بقايا خط سكة الحديد في قطاع غزة، ربما هذه القطعة الوحيدة المتبقية في مدينة خانيونس جنوب القطاع. نستبق على قطعه الخشبية أسفل القضبان ونعبث في البساتين المحيطة، نشتم ونتذوق ما استطعنا من أزهار، ونحاول تحريك ذراع "السيمافور" دون جدوى فقد أهلكها الصدأ، ولا أعلم لِم كنا نطارد الحرادين بين ما تبقى من أطلال المحطة. قبل المغادرة نضع بعض الحصى والمسامير كي نعرقل القطار، (الغريب) أنه لم يكن يتوقف! أحيانا كنا نسمع صافرته من بعيد، نبتعد عن طريقه فنهرب بعيدا كي لا يقع علينا بفعل الحصى والمسامير، يشق طريقه بين العجائز بائعات البيض والبط والدجاج البلدي وسط سوق الأربعاء غير مكترث بالحصى والمسامير. بعد أن يمر نذهب نتفحص العجائز ونستغرب، كلهن بخير، حتى البيض لم يتكسر!  كان القطار حلقة الوصل الرئيسة بين مصر وغزة التي كانت اشبه بمحافظة مصرية سيما بعد الاحتلال الاسرئيلي لفلسطين (1948)، بقيت غزة تحت الادارة المصرية التي تعاملت معها ك"سوق حرة"، الأمر الذي نشّط الحركة التجارية بين الطرفين. تفاصيل إحدى الرحلات نقلها المصري ربيع خطابي في كتابه "تعال معي إلى غزة". كان ينقل الحجاج من غزة إلى مصر ومنها بالسفن إلى الحجاز، توقف العمل بعد العدوان الثلاثي على مصر (1956) ثم عاد للعمل حتى احتلال غزة (1967). ثم استخدم قليلا في رحلات متباعدة وغير منتظمة كعربة نقليات من وإلى قوات الاحتلال في سيناء، ثم توقف تماما ابان اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل. في كل مدينة وقرية ومخيم بغزة تجد أثرا، فباتت "السكة" عنوانا، شارع السكة، شارع المحطة، ساكن عند السكة...الخ، على الرغم من اختفائها ولم يعد هناك سكك؛ فالقضبان الحديدية اقتُلعت وكذلك الألواح الخشبية أسفلها. فكك مواطنون القضبان الحديدية والألواح الخشبية (الطبليات) وباعوها أو استخدموها في تشييد مساكن وحظائر. حتى المسامير كان بعض المواطنين يستخدمونها في تكسير اللوز الجاف واستخراج ثمرة اللوز مقابل دراهم معدودة لصالح تجار الحبوب والمكسرات، وعمال البناء وغيرهم استخدموها في أعمالهم. قبل الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين كانت سكة الحديد بغزة تصل مصر بفلسطين مرورا بتفريعات للقدس وحيفا ولبنان وسوريا والحجاز، يحمل بضائع وحجاج مسلمين لمكة ومسيحيين لبيت لحم والقدس، واستخدُم في نقل العتاد العسكري، وفقا للواقع السياسي... وتقول الموسوعة الفلسطينية إن الدولة العثمانية منحت فرنسا وبلجيكا امتيازات مد خطوط السكة الحديدية في بلاد الشام في القرن التاسع عشر، وانجلترا امتياز خط حيفا، وافتُتح في أيلول/ سبتمبر 1893. لكن بعد احتلال انجلترا لمصر أنشأت عام 1916 خطاً حديدياً من القنطرة شرقاً عبر العريش ورفح وغزة إلى اللد على خط يافا – القدس. وقام بعدة تغييرات في عرض السكة وتفريعات لها لأغراض عسكرية.  عندما كانت "الفوضى الخلاقة" في أوجها في العراق وعندما ترعرع الارهاب هناك فجر ارهابيون خطوط السكك الواصلة بين مدن العراق أو بين العراق وباقي الدول. الأرجع أن العمل لم يكن مجرد تخريب بقدر ما كان تفكيك لأواصر الترابط بين قوة عربية عريقة، مثخنة، بالجراح وجيرانها. اقتلاع السكك الحديدية على مرأى ومسمع قوات الاحتلال الاسرائيلي يُسقط إحدى آخر الأوراق من شجرة الأمل الذابلة في عودة التواصل مع "بلاد العُرب أوطاني"!
http://dlvr.it/SDWXlH
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق










    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -