القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

حي الرمال .. الأستاذ عماد الاصفر

 حي الرمال 


كلما ذكر امامي اسم حي الرمال الراقي في مدينة غزة او شارع عمر المختار الأكثر حيوية في المدينة كلما قفز الى ذهني اسم الصحفي والمحامي والمناضل فهمي عبد الحي الحسيني، وكلما تذكرت صورة قديمة للشارع الذي يحمل اسم هذا المناضل وقد اغلقته قوات الاحتلال بالبراميل الاسمنتية خلال الانتفاضة الأولى. 


آخر ما قرأته عن حي الرمال هو ما كتبته وكالة الصحافة الفرنسية وهذا نصه: 


"لم يبق أي أثر من البنايات الشاهقة في حي الرمال الراقي غرب قطاع غزة التي دمرها القصف الجوي الإسرائيلي، وكأن "زلزالا" أصابها، بينما تنتشر في شوارعه أكوام الركام. تعرض الحي لأكثر من مئتي غارة جوية إسرائيلية خلال أيام الحرب التسعة وأحدث القصف الإسرائيلي حفرا كبيرة في الطرق، ولم تسلم أي بقعة في الحي الذي تسكنه عائلات غنية والذي يعرف بأنه شريان أساسي للحياة التجارية في قطاع غزة، من الدمار." 


الفرق بين الصورتين على بشاعته لا يفي البشاعة حقها، الا اذا قُرن بما يلاقيه الناس في قطاع غزة من احزان واوجاع. 


الفرق بين الصور والمقارنة بين المعاناة قديمها وجديدها يفرض أحيانا المقارنة بين قيادات الحاضر والماضي، فمن هو فهمي الحسيني ولماذا اتذكره كلما ذكر حي الرمال او شارع عمر المختار، ولماذا استحق هذا الرجل ان يسمى شارع باسمه؟ 


فهمي عبد الحي الحسيني (1886 / غزة – 1940 / غزة) 


يعرف دارسو القانون هذا الاسم جيدا بل انهم يدينون له بالفضل عليهم، فقد جعل دراستهم أسهل من خلال حسن تعريبه وشرحه لمجلة الاحكام العدلية العثمانية، ويتذكر أبناء مدينة غزة هذا الاسم كلما مروا من الشارع الواصل بين عمر المختار وميدان فلسطين لأنه الشارع الذي يحمل اسمه. 


كان للرجل صولات وجولات امام المحاكم في مختلف مدن فلسطين، منذ ان أنهى دراسة الحقوق في إسطنبول، وتخلى عن المناصب الوظيفية الرفيعة التي نالها وتفرغ لممارسة المحاماة وانشاء الصحافة القانونية المتخصصة، جاعلا ذلك كله في خدمة وطنه. 


وقف مرارا امام المحاكم مدافعا عن الحريات الصحافية وعن حق الصحفيين في مساءلة السلطات ومراقبتها تحقيقا للصالح العام.


أصدر العدد الأول من مجلته القانونية المتخصصة "الحقوق" في يافا في اليوم الأول من كانون الأول عام 1923 فكانت واحدة من اجود المجلات القضائية والشرعية والشرطية، وكانت الوحيدة في فلسطين التي تعالج هذا الشأن الهام. كتب في مقدمة العدد الأول:


"... تنويرا للأذهان وتمحيصا للحقائق اخذت من مدة يسيرة أفكر في إيجاد مجلة حقوقية تنشر كل ما تصدره الحكومة من القوانين والأنظمة، وتأخذ على عاتقها انتقاد ما يحتاج منها الى ذلك نقدا علميا لا دخل للسياسة فيه، عدا عن شرح ما نراه في حاجة الى الشرح والتفسير". 


كان عدد صفحات كل عدد من هذه المجلة الشهرية يصل الى 100 صفحة، وكان اشتراكها السنوي جنيه مصري، وكجزء من مسؤوليته الاجتماعية والوطنية، كان الحسيني يخصم ربع قيمة الاشتراك لتلامذة مدارس الحقوق وكتاب ضبط المحاكم ومأموري التحقيق وافراد البوليس والدرك بدرجة شاويش فما دون. 


ما ان امتلكت "الحقوق" مطبعتها الخاصة حتى أصدر صاحبها جريدة "صوت الحق" في 6 تشرين الأول 1927.


شهد العام 1928 نقطة تحول في تاريخ الرجل وفي تاريخ مدينة غزة، فقد صار الحسيني اول رئيس بلدية منتخب للمدينة في عهد الانتداب، فنقل اليها مجلته وجريدته، لتكونا اول صحيفتين تصدران هناك، حيث لم تصدر الصحف في غزة الا في وقت متأخر نسبيا.


يذكر الصحافي والناشر الغزي خميس أبو شعبان:

"كانت الصحف الفلسطينية التي تصدر في مدن فلسطين الأخرى وخصوصاً صحف القدس وبيت لحم ويافا وحيفا كانت تصل الى مدينة غزة في يوم صدورها، وكانت محط اهتمام مواطنيها. وكنت تجد في المحلات الى جانب الكتب الصحف المستوردة من مصر ولبنان وسورية".


وقبيل النكبة صدرت في غزة 3 صحف اخرى لم تعمر طويلا هي: "صوت الشباب" لصاحبها فؤاد كمال الطويل، وكانت نصف شهرية تصدر بالعربية والانكليزية، جريدة "الشروق" لصاحبها عبد المجيد احمد حنونة وكانت شهرية شاملة، وجريدة "صوت العروبة" لصاحبها جميل ضيا زادة، وكانت اسبوعية انتقادية مصورة.


نفذ الحسيني العديد من المشاريع الحيوية كإنشاء حي الرمال فوق تلك الكثبان الرملية التي كانت مهددة بالاستيلاء عليها، لأنها بحكم القانون ملكا للانتداب البريطاني، ولكنه مدّ الخدمات اليها ووزعها الى قطع صغيرة بأسعار مناسبة مشترطا البناء عليها لحمايتها. 


وكان من اعماله استبدال اسم شارع "جمال باشا" باسم المجاهد "عمر المختار"، وقد أغضبت هذه التسمية القنصل الإيطالي في القدس، فاحتج على هذا العمل، ولكن مجلس بلدي غزة رفض احتجاجه جملة وتفصيلا. 


تزوج الحسيني 4 مرات وأنجب 11 ولدا وبنتا، وانتسب الى ما لا يقل عن 4 أحزاب بينها حزب الدفاع المعارض للمفتي، قبل ان يشكل مع عدد من زملائه رؤساء البلديات حزب الإصلاح.  




فاز مجددا في انتخابات رئاسة البلدية عام 1934، واستمر في رئاسته للبلدية إلى أن اعتقلته السلطات البريطانية وأودعته معتقل صرفند عام 1938، بصفته معارضاً لسياستها الاستعمارية ومناوئاً لممارساتها القمعية.

لا اعرف كيف سيتذكر الناس أسماء القيادات الحالية ولكنني اعرف ان ما يفعله هؤلاء هو رصيدهم.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات