القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

ساعة يدي ذات المينا السوداء يكتبها: إسحاق بندري

( ملحوظة: لا ولم أعتبر نفسي شاعراً، وعندما كتبت كل ما كتبت سابقاً تحت اسم الشعر الحر أو قصيدة النثر، لم أكن أهتم بالمسميات والقوالب والتكنيك، بقدر اهتمامي بتدوين حالات شعورية معينة. وأرجو ألا يُنظر إليها على أنها أكثر من ذلك، تجنباً للجدل والتنظير. وهذه القصيدة، إن شئتم تسميتها كذلك، فلتكن الأخيرة، وهي فعلياً مكتوبة في منتصف يناير الماضي،  وحتى إشعارٍ آخر، فالأفضل لي التركيز في الكتابة في قوالب أخرى غير الشعر أياً كان نوعه) 

تحياتي ومحبتي ..


**************************************************


كانت الواحدة بعد منتصف الليل

في ساعة يدي ذات المينا السوداء 

قلتُ لكِ لآخر مرةٍ:

تصبحينَ على خيرٍ وعلى قصيدةٍ

سأسطرُ حروفها لأجلكِ صباحًا


هذا اليراع إنما 

يقطرُ من نسغ الروح المُنهَكَة

وقتما كانت شغوفةً 

بالاقتراب والوصال

ولم تكن تدري متى؟

 

كنتُ يا سيدتي

مُتعَبًا مكدودًا 

من تلك الأسفار 

من تلك المسافات


احتمالي للغيابِ قد كان غير مُحتَمَلٍ

حتى إن

فساتينكِ الضيقة كانت أرحب منه

تنانيركِ القصيرة كانت أطول منه

 

يا سيدة الأيام الشتوية 

يا دفء الحميمية 

وقتما قلتُ لعينيكِ: أحبكِ

وتساءلتُ: هل أبقى إلى جواركِ؟ 

بينما تصففينَ شَعْرَكِ 

تبردينَ أظفاركِ 

وأجبتِ بأن ابقَ إلى جواري 

وصدقتكِ!


كنتُ أدركُ 

أن هذه اللحظات الصغيرة الأثيرة 

لن تتواتر ثانيةً

بل حتى ذلك النادل النزق 

الذي أشعرنا بالاختناق 

وهو يحوم حولنا 

لن نعود نراه هناكَ ثانيةً 

وآثاركِ على أناملي 

ما تزال تبعث بدغدغتها كالكهرباء 

كانت تهون من وقع الغياب!


أتطلع إلى ساعة يدي ذات المينا السوداء

بينما أمارس طقوس كتابتي اليومية

وأتذكرُ تلك الساعات 

عندما أفصحتُ لكِ بهزائمي

بُحتُ لكِ بنقائصي

من دون تملصٍ 

أو أدنى محاولةٍ للتزييف 

ويا للعجب!


فهذا القلب الذي طالما أحبني

قد كان يخفي شيئًا ما

في طور الاختمار

لم يكن واضحًا 

لم يكن صريحًا 

بيد أنه كان محسوسًا جليًّا

وإن آثرتُ المزيد من الإنكار! 


أشخصُ إلى ساعة يدي ذات المينا السوداء 

عندما كانت عقاربها تقترب من توقيت حظر التجوال 

أتطلعُ لدقائق أراكِ خلالها 

قبل أن أوقدَ لكِ شمعةً أمام أيقونة العذراء 

مُحاوِلاً أن أُسَكِّنَ الأسئلة العاصفة للذهن

الصاخبة طوال اليوم

 

عن السنوات المسروقة من العمر 

عن الإخفاقات 

عن جدوى الحياة من الأساس 

عن الأحلام بعيدة المنال

عن حلاوة لحظاتٍ 

وقد أَبَتْ التكرار

 

عن المرارات والأحقاد 

عن تجاوز الكبوات 

عن كبت الوجع في القلب 

عن كل ذلك التغيير والتبدل 

عن أيامٍ تعمدتُ أن تمضي 

دون أن أقول: أحبكِ

ولم تكترثي!


كنتُ غبيًا عندما استمرأتُ

 حالة الاستغراق في الإنكار 

وتغافلتُ عن انقطاع الحوار 

وتجاهلتُ الإعراض والانفعال 

وتغاضيتُ عن الفتور والبرود

تخيلتُ أن كل شيءٍ على ما يُرام

فقط كي لا تتلوث الشفتان بذكريات الخذلان

أهو الغباء؟ أم العقل العاطل؟ 

ليتني فهمتْ!


ها ساعتي ذات المينا السوداء 

تعلن انتصاف النهار

حينما كنتُ ما أزال في الانتظار

أخافُ مما تقولينَ عن نفسكِ 

انفعاليةٌ أنتِ 

حسنًا, وأنا أيضًا 


كنا نتميزُ غيظًا 

ولكن سرعان ما كان يلتمسُ أحدنا الآخر

ونتبادلُ الاعتذار 

وكأن شيئًا ما كان 

رغم أن ما ليس في الحسبان 

قادمٌ لا محال

لن تعودي

ولن أعود!


كنتُ أودُ أن أخلع 

ساعة يدي ذات المينا السوداء 

وأحيطها بمعصمكِ 

حتى لو للحظاتٍ

لعلها ترددُ نبضاتكِ

لم أكن بقادرٍ على احتمال المزيد من المفاجآت

مع إن إحداهن كانت قابعةً كي ما تظهر للوجود 

ولكنني تعلمتُ منكِ الاحتمال وطول الأناة

 

في ذات صباحٍ خريفيٍ 

طلبتِ مني أن لا تفارق الساعة معصمي 

وقد أنفذتُ لكِ ما طلبته 

ولا عليكِ 

فأنتِ سيدة المفاجآت 

ولا تفتقرين إليها 


سبحان الله! 

لم أنسَ يومًا كلَ جميلٍ بدرَ منكِ

صدقيني ما غاب أبدًا عني

ولكن يا سيدتي

 ما أبعد الهوة في كلماتكِ 

 بين: 

"أحبكَ ولا أرى سواكَ"

و

"ما صفتكَ؟ ليس من شأنكَ؟" 


على كل حالٍ

ما أقحمتُ نفسي في حياتكِ

أنتِ من منحتني هذه المكانة

حتى باتت عبئًا ثقيلاً عليكِ


سأظلُ أكتبُ عنكِ ولكِ

وسط أيامي 

مع شخصيات الروايات 

وصعوبة الكتابات والترجمات 

والأوراق والمسودات والتبييضات


لأروي لكِ 

عما أطالعه في الصحف 

وما أسمعه في نشرات الأخبار 

من المذيعات اللبنانيات 

طيفكِ الذي غاب 

ما عدتُ أسعى إليه 

لأنكِ لن تأتي 

إلى ذلك الذي كانت لا تهدأ منه النفس إلا بكِ 

أيام كنتِ تقدمين لتحتوي 

من كان لا يفلحُ في الهروب من ذاته 

أنا!


إسحاق بندري


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات