القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

وجيه عائلة الريفي المرحوم عبد سليم الريفي

 ( دموع لا تجف )...


كثير هي الأشياء التي وقعت عليها عيني فبكيت وكثير هي القراءات التي تناولتها بالاطلاع ففاضت عيني بالدمع  وكثير هي الأحداث التي ألمت في واقعنا العربي فاجهشت بالبكاء.. .. نعم البكاء هو وسيلة التعبير التي رافقتني دوما  في حياتي بكاء الحزن وبكاء الفرح وهل تكفي هذه الوسيلة للتعريف عن شخصيتي.. اظني فعلت ذلك في بيروت يوم رحل عبد الناصر لقد بكيت حزنا مع البواكي أمام السفارة المصرية وبكيت فرحا  حين أنجبت ولدا بعد خمسة  بنات وحين وصلت معبر  رفح في طريق عودتي إلى أرض الوطن بكيت َمن الفرح أيضا وفي نفس اللحظة رأيت رجلا عائدا  مثلي َمن الغربة يخر ساجدا على الأرض والدموع تفيض من عينيه لكن مع ذلك  لا أدري َما هي  المرة الأولى التي بكيت فيها بدموع  حارة ولكن  بصمت   ربما حين علمت بوفاة ابي وكان وقتها عمري أربعين عاما قضيت أكثر من نصفها في الغربة وكان اليوم الأول فيها يوم ان ركبت سيارة  المرسيدس مع السائق الشاب  الوسيم  ابن الجيران بشير  وتوجهت إلى القاهرة وجاء صوت المذيع في الطريق ينقل أخبار وقائع  انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول للرد على محاولة الكيان الصهيوني تحويل نهر الأردن.وعند قرب العصر في ذلك اليوم  استقبلني فندق باندونج القريب من ميدان العتبة  بالترحاب..لم تدمع عيني حين ودعت ابي في فجر ذلك اليوم وكان واقفا على الباب   لكني تماسكت واكتفيت بإلقاء نظرة عميقة باتجاهه والتلويح بيدي اما في ذلك اليوم من  شهر  رمضان   وكنت عائدا من مدرسة العامرية الثانوية وقد  فتحت صندوق البريد كعادتي لأجد في الرسالة القادمة من اخي في السعودية خبر وفاته لحظتها أيضا  لم اجهش البكاء وانا َما زلت خطوات َمن َمبني البريد  لكني أحسست بالحادث الجلل وهو أن  ابي مات هكذا تخبرني الرسالة التي ما زالت في يدي وانا لم أره َمن سنوات لم الق عليه نظرة الوداع الأخيرة كما فعل زميلي في الصف الثاني ثانوي على ابن الحاج حسن حيث  في الجنازة إلى القبر    أصر على  روية وجه ابيه قبل أن يدفن.. لم أقبل يديه المخضبة بالحناء لم احمل نعشه أو أرى لحده.. في إفطار ذلك اليوم من الشهر الفضيل وانا على المائدة تخيلته واقفا أمامي َمنتصبا  بطوله كالنخلة وجههه العريض وشاربه الطويل الأبيض كالرخام تخيلته مبتسما عند ئذ  هاجَمتني لحظة حزن شديدة فأخذت 

  دموعي تسيل على وجنتي فتختلط بطعام الإفطار وكانت أفراد اسرتي الصغيرة تلاحظ ذلك لكن أحدا منهم لم يتكلم لم يقل لي كفى بكاء على رحيل ابيك الذي لم يرونه وجها لوجه لقد ولدوا جميعهم في الغربة  كانت صورته الكبيرة  معلقة على الجدار وكأنه ينظر لنا جميعا  وهو ممددا  على فراشه في  يومه   الأخير  ويقول انا لم ارحل بعد يا احبابي .. انا باق بينكم في الغربة الطويلة القاسية وحين تعودون إلى أرض الوطن تروني أيضا هناك  انظر إليكم بعيناي الخضراوين الشاخصتين  دوما  في تراب الوطن..وعند سماع تلك العبارة تخيلت  اني انحنيت عليه  وقبلت يديه وجبهته  ومسحت دموعي بعد أن اجهشت ببكاء طويل..


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات