القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية روح بلا جسد ‏ بقلم ولاء رفعت علي

 ♕ تنويه ♕

‏_ تلك القصة حقيقية حدثت بالفعل و أنا أنقلها لكم في حبكة درامية تماثل الواقع وربما لم تماثله تماماً، فالواقع يا عزيزي أكثر ألماً و وحشية، حيث قانون الغابة هو السائد! .

__________

_مقدمة_


كيف يكون للعدل مكانٍ في مجتمعٍ يترك الظالم حراً طليقاً ويلقي اللوم علي عتق المظلوم! .

‏لا تندهش سيدي فنحن في زمن العجائب و من يريد شيئاً إن لم يأخذه بالرضا يسلبه بالسرقة أو بالقوة لنقُل بالأحري الإغتصاب! .

‏ روح بلا جسد

‏ بقلمي ولاء رفعت علي

‏___________


الفصل_الأول

روح_بلا_جسد

بقلمي_ولاء_رفعت_علي


_ أصوات صاخبة صادرة من أبواق السيارات المتراصة خلف بعضها البعض، فهذا وقت الذروة المرورية أعلي كوبري قصر النيل، يُطلق عليه أيضاً كوبري العشاق و المواعيد الغرامية التي ينتهي أغلبها بجراح القلوب، لكن هناك قلب ليس بجريح فقط بل بائس و قانط، لم يعد يريد أن يحيا في وسط ظلام و ظلمة، هذا القلب تقف صاحبته لدي حافة السور الحديدي، تنظر بذهبيتها التي أنطفأ بريقها منذ ثلاث سنوات إلي مياه نهر النيل الضحلة، تذرف لتوها عبراتها و تتساقط علي حافة السور، و ما أن تلمس السطح تجف علي الفور بفعل درجة حرارة الطقس الحارقة وقيظ الشمس المتوهجة.

وضعت كفها المرتجف علي قلادتها، تتحدث ب سأم بالغ:

_ سامحني يارب، أنا أستحملت كتير و فاض بيا، أنا كنت بدعي كل يوم أنك تاخد روحي وما أعش كل لحظة مريت بيها، لحد ما خلاص تعبت، ولا ناس بترحم ولا أهل.

قامت بفتح القلادة، ف ظهرت صورة فتاة صغيرة لم تتجاوز العامين، أعتصرتها في قبضة يدها و ضمتها إلي صدرها، ف أشتد بكاءها و تتحدث ب قهر:

_ سامحيني يابنتي، سامحيني يا روحي، مقدرتش أجيبلك حقك عشان لما تكبري ترفعي راسك وسط الناس، و محدش يجرحك بكلمة ويقولك أنتي بنت حرام!.

و في الجهة المقابلة تقف سيارة نقل جماعي خاصة تابعة لإحدي القنوات الفضائية المعروفة، تقل فريق إعداد هذا البرنامج الذي ذاع صيته مؤخراً منذ عامين تقريباً، و في المقعد المجاور للنافذة تتحدث في هاتفها مقدمة البرنامج المذيعة الشهيرة نيهال فريد بصوت مليئ بالعنفوان والغضب:

_ يعني أي نلغي أوردر التصوير يا راجي؟.

_ يا مدام نيهال أبوس إيدك أفهميني، أستاذ مجدي لسه وربنا مكلمني حالاً قالي أوقفو التصوير مفيش حلقة النهاردة.

جزت علي أسنانها ب حنق تود الفتك ب هذا المخرج الذي يتخذ قرارات بدون الرجوع إليها و وضع كم من القيود الشائكة عندما تُعد لتصوير أحداث كل حلقة جديدة، ف كما أخبرها بإجبار وليس أختيار أنه متاح لها أن تحقق في أي قضية كما يحلو لها لكن هناك ملايين من الخطوط الحمراء أسفل القضايا السياسية والطائفية.

ما زالت قيد المكالمة ويبدو إنتفاخ أودجها و علي وشك الإنفجار:

_ طيب بص بقي وأسمعني كويس عشان تروح تقولو الكلمتين دول، نيهال فريد مبتاخدش أوامر من حد وأنا عارفه شغلي كويس و عارفة أي الي يتذاع وأي الي ميتذاعش، وأعلي ما في خيله يركبه.

_ أستاذة نيها.....

أغلقت المكالمة وألقت هاتفها علي المقعد المجاور لها وهي تزفر بقوة.

_ مدام نيهال أنتي كويسة؟.

سألتها المساعدة الخاصة بها، أكتفت الأخري بإيماءه بدون النظر إليها، ثم صاحت في السائق:

_ لسه الطريق واقف يا أيمن؟.

ألتفت لها برأسه ويشير لها عبر الزجاج نحو الطريق المزدحم قائلاً:

_ والله يا مدام زي ما حضرتك شايفة كده، الطريق بقاله أكتر من نص ساعة واقف، بيقولو في موكب لوزير هيعدي عند ميدان الأوبرا.

إرتفعت زواية فمها جانباً بتهكم وقالت:

_ يوسعلهم الطريق عشان يعدو براحتهم وإحنا نولع في الزحمة والشمس مش مشكلة.

ألتزمت الصمت بعد ذلك، فتحت ستائر النافذة قليلاً تلقي نظرة علي مركب شراعية، حتي أستحوذ علي كامل إنتبهها تلك الفتاة التي تضع قدمها علي أول درجة بالسياج الحديدي، جحظت عينيها تدعو الله بداخلها أن يخيب ظنها، و إذا بها تصرخ وتهرول نحو باب السيارة:

_ حد يلحق المجنونة دي بترمي نفسها في النيل.

تابعها ثلاثة من الشباب العاملين معاها، قال إحدهم:

_ أستني يا أستاذة نيهال.

_ فين فرق الإنقاذ، حد يلحقها قبل ما تغرق.

هكذا صاحت، تعالت صيحات الماريين مابين إستغاثة من أجل هذه المسكينة و مابين الشفقة عليها.

_ ربنا يستر.

قالها إحدهم

_ لا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.

قالها رجل آخر

_ يا عيني عليكي يابنتي، ده أنا لسه شيفاها الصبح بتشتري مني مناديل و فضلت أدعيلها، ربنا يحميها ويحفظها ويقدرو ينقذوها.

قالتها بائعة متجولة

وبالفعل تحركت قوات الإنقاذ بأقصي سرعة وإنتشالها من المياه بعد أن كانت علي حافة الموت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ منذ عامين ونصف، في إحدي القري النائية التابعة لمحافظة البحيرة، تقطن عائلة روح تلك الفتاة ذات الثامنة عشر ربيعاً في منزل صغير تملأه البساطة والراحة النفسية، والدها مصطفي السيد في منتصف العقد الخامس، موظف في السكة الحديدية و زوجته السيدة منال ربة منزل تبلغ من العمر أربعين عاماً، و لديها شقيقها رامي يصغرها بأربعة أعوام في المرحلة الإعدادية.

ها هو قد أقترب موعد إمتحانات الثانوية العامة، يستعد الطلاب لها بالمذاكرة والذهاب إلي دروس التقوية، وفي هذا المجمع التعليمي التابع لمسجد القرية، تخرج روح مع صديقتها وشقيقة هذا الشاب الذي تقدم لخطبتها منذ ست شهور و يدعي عمرو عبدالحكيم، لقد تخرج من كلية تجارة و يعمل محاسب في إحدي المجمعات التجارية الشهيرة في مركز المدينة بالقرب من قريتهم، يمكث هو وعائلته في المنزل المقابل لعائلة روح، و من الصغر يراها فتاة أحلامه التي لم تفارق قلبه و وجدانه، فتاته التي تربت علي مبادئ الدين والخُلق و العادات والتقاليد الصحيحة، أختطفت فؤاده عندما رآها لأول مرة بالحجاب الذي زادها زينة و جمال فوق جمالها الرباني، ظل حبها في قلبه حتي حانت اللحظة الحاسمة و سُبرت أغواره بعدما علم من شقيقته أسماء صديقة طفولتها وصباها بأن هناك شاب تقدم لخطبتها لكن روح وعائلتها قاموا بالرفض وليس مرة فقط بل زهاء ثلاث مرات، مما أسعد هذا قلبه وجعله يحسم أمره و عرض الأمر علي والديه، رحبت والدته السيدة ثناء بهذا وأعربت له عن سعادتها وكم تمنت له عروس مثلها في حُسن خُلقها وأدبها وجمالها، و عائلة يعلمون عنهم كل ما يُرسخ في صدورهم من طمأنينة و راحة، ولن يختلف الأمر لدي عبدالحكيم زوجها يكفيه السيرة الحسنة عنهم.

تمت الخطبة في أجواء عائلية مُبهجة و بدأت قصة حب عمرو و روح، لكن كالعادة أو ما أعتدنا عليه دائماً، كثير من الفرح يقابله القليل وربما الكثير من الحزن، هكذا هو قانون الحياة، لا تُعطي لك إلا تأخذ منك المقابل و لكل منا ما يعطيه أو ما يدفعه من ثمنٍ غالي.

_ الي واخد عقلك يا عروسه؟ .

سألتها أسماء و هي تلكزها بخفة في زراعها، ف أجابت روح بعدما عادت من رحلة شرودها:

_ بتقولي حاجة؟ .

ضيقت أسماء عينيها ب مكرٍ و مزاح قائلة:

_ هو آبيه عمرو للدرجدي شاغل تفكيرك، يابنتي ركزي شوية في الهم الي إحنا فيه، كلها أسبوع و هنلبس في وش الإمتحانات، و تخلص وبعدها تلات أسابيع و تتجوزو بقي، وأخلص من رخامته عليا.

قهقهت روح من حديث صديقتها الفكاهي، وقالت:

_ ماشي يالمضة، خلاص هانت وأخلصك منه، بس مكنتش أصلاً سرحانة فيه.

توقفت الأخري عن السير و قالت:

_ خير، آبيه زعلك ولا أي؟ .

أعتراها بعض التوتر و أنبلج علي ملامح وجهها، ف قالت بتردد جلي:

_ ممم مفيش، أصدي يعني مزعلنيش ولا حاجة.

بداخلها يريد أن يجيش عن ما بصدرها من ما يؤرقها منذ أيام، أنتشلتها صديقتها من الشرود مرة أخري، وقالت:

_ أوعي يكون الزفت الي إسمه راجح ده بيكلمك ولا بيشوفك تاني؟ .

أومأت لها بالإيجاب، أردفت الأخري:

_ نهار أبوه أزرق و أسود علي دماغه، هو متخلف ولا مجنون، عايز أي منك التنح ده؟.

أجابت بتأفف:

_ وطي صوتك البلد كلها سمعتنا.

تنهدت أسماء و أخفضت من صوتها قليلاً:

_ حقك عليا يا روح، بس غصب عني أقسم بالله بيبقي بيني ومابين أقول لآبيه عمرو عليه و....

قاطعتها و هي تضع كفها علي فمها:

_ إياكي، والله أزعل منك يا أسماء، أنتي عارفة كويس إن الكلب راجح ده عيل مدمن وشمام و السلاح مبيفارقش جيبه لا بيهمه حد، عايزاني أروح أقول لأخوكي أن فيه واحد لازق لي في الراحه والجاية وبيهددني أن أفسخ خطوبتي منه وإلا يخلص عليه! .

شهقت و كفها علي فمها، قائلة:

_ يا إبن ال..... ، اللهي عزرائيل يجي يخلص عليه هو الحيوان،البلطجي، بتاع المخدرات.

_ أديكي قولتيها بلطجي وشمام، عايزة تقولي لعمرو عشان يروح يتخانق معاه والتاني يقوم مخلص عليه بطلقة واحدة من المسدس بتاعه! .

أصبحت أسماء في حيرة من الأمر، ف قالت:

_ نروح نقول لمامته أو باباه يوقفو عند حده، هو فاكر إنها سايبة ولا أي! .

هزت روح رأسها نفياً وبتهكم تحدثت:

_ عندك حق، نروح نقول لمامته الي لما أتقدمولي ورفضناهم وقفت ردحت لماما علي الباب بأعلي صوتها تقولها، بقي بنتكو المعفنة أم نضارة ترفض إبني، راجح حامد الأنصاري الي بنات مصر كلها بتجري وراه وتتمني يعبرها بكلمة.

قالتها روح مُقلدة هذه السيدة الشمطاء في الأسلوب والحوار، مما جعل أسماء لم تستطع كتم ضحكاتها، ف أطلقتها للعنان حتي دمعت عينيها.

_ ما تضحكوني معاكو.

قالها صوت رجولي جعل كلتاهما تصمت علي الفور، أبتلعت أسماء ريقها من الذعر، وقالت:

_ آبيه عمرو! .

أجاب بنبرة جدية صارمة لا يتفوه بها سوي مع شقيقته:

_ أي الي موقفك في الشارع لحد دلوقت يا هانم، وكمان بالليل.

مدت له يديها تحمل دفتر ورقي وكتاب، أجابت:

_ والله كنا عندنا مراجعة علم نفس ولسه مخلصين، و وقفنا ناخد نفسنا شوية.

نظرت إلي روح التي عقبت:

_ أيوه، كنا مخنوقين شوية عشان ضغط المذاكرة والدروس والأمتحانات، و مروحين علي طول أهو.

رمقهما ب عدم صدق لكن لايهمه سوي أمر روحه، ف قال:

_ طيب تعالو أفكلكو الخنقة دي شويه وأعزمكو علي آيس كريم.

قفزت أسماء كالطفلة من فرط السعادة ب صياح:

_ أيوه بقي يا آبيه، حاسس بأختك الغلبانه.

أجاب عليها ب سماجة:

_ ده مش عشانك، عشان خاطر روح.

و نظر ل روح بإبتسامة جعلت الدماء تكاد تنفجر من وجنتيها خجلاً، فهي دائماً خجولة خاصة عندما يوقع علي مسامعها كلمات من الغزل العفيف والحب النقي، تنتابها حالة من الخجل يلازمها الصمت و هذا لن يضايقه أبداً ، بل يزيد من حبه لها أكثر وأقوي، ود لو تمر الأيام بسرعة البرق وتصير زوجته، حينها سوف يلقي عليها كل ما بداخله من مشاعر مكنونة لن يستطيع إطلاقها إلا عندما تصبح زوجته.


_ ماشي يا آبيه، بقي تكسفني وتقولي عشان خاطر روح! ، شوف بقي مين غير سمسمة أختك حبيبتك الي هيعملك البيتزا ولا الكريب عمايل إيديا الي بتحلف عمرك مادوقت في حلاوتهم أبداً .


أطلق قهقه علي تذمر شقيقته، يحب دائماً أن يشاكسها، ضربها بخفة علي مؤخرة رأسها قائلاً :

_ أعمل أي بحب أنكش فيكي، يلا تعالو بقي عشان نلحق نرجع علي طول وتراجعو الي خدتوه.


تفوهت روح ب تردد:

_ معلش يا عمرو مش هاينفع، بابا...


قاطعها عمرو قائلاً :

_ متقلقيش يا روحي، أنا كلمته وسلمت عليه وأستأذنت منه وعارف إن أسماء أختي معانا، عشان كده ما أعترضتش.


_ يلا بقي يا رورو، لسه هاتفكري! .


_ و معايا الموتسيكل كمان.


أتسعت عينيها وبدي علي ملامحها الإعتراض، تفهمت صديقتها ما تفكر به، فقالت:

_ أنا هاركب ورا آبيه وأنتي ورايا، وڤيزبا هنية تكفي ميه.


ضحك ثلاثتهم، أرضخت روح في النهاية وذهبت معاهما ليستمتعوا بأجمل اللحظات التي لن تنساها أبداً ، وبعد إنتهاء رحلتهم القصيرة في طريق العودة كانت هناك أعين مثل عيون الذئاب عندما تراقب فريستها وتحيك وتدبر لها المكائد والفخاخ، يزفر صاحبها دخان سيجارته المحشوة، ف ينبعث من بين براثن الظلام الدامس خلف أشجار المانجو، يقول ب توعد:


_ مبقاش أنا راجح الأنصاري لو مخلتكيش تجيلي راكعة تحت رجلي يا روح، والكلب الي معاكي ساعتها ميطقش يبص في وشك ولا يقدر يرفع راسه في البلد تاني!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_( عودة للزمن الحالي)


تفتح عينيها رويداً رويداً و بدأ إدراكها يعي ما تراه من حولها، غرفة متسعة إلي حد ما وجدرانها بللون الأبيض، تجولت ب بصرها في الأرجاء حتي أستقرت علي نيهال وهي تزرع الغرفة ذهاباً وأياباً تمسك بهاتفها، يبدو إنها تهاتف أحدهم ولم يجب، زفرت بتأفف ثم نظرت إلي ساعة يدها وهي تقول:

_ لازم أمشي كده هت....


صمتت عندما وجدتها قد أفاقت، ف أقتربت منها بللهفة تطمأن عليها:

_ حمدالله علي سلامتك، أنتي كويسه؟ .


رمقتها روح و هي تتذكر آخر الأحداث و آخر مشهد رأته هو مياه النيل الضحلة المُعتمة، أكتفت بالإيماءه إجابة علي سؤال الأخري، ف أردفت نيهال:

_ قبل ما أسألك ليه عملتي في نفسك كده، بس عايزه أقولك علي حاجة مفيش حاجة في الدنيا تستاهل أنك تنتحري عشانها، روحك أمانة لحد ما ربنا يأذن إن أمانته ترجع له، و طبعاً من غير ما ندخل في حوار الحلال والحرام أنتي عارفة كويس الي بينتحر ده نهايته أي.


لم تتفوه ب بنت شفه بل و أشاحت وجهها للناحية الأخري، و بداخلها تقول بصوت صارخ باكي:

_ ما بقتش تفرق دنيتي من أخرتي، الأتنين جحيم.


و بينما هي تصرخ في صمت أنتبهت أُذنيها إلي صوت مُنبعث من التلفاز المُعلق علي الحائط، و ما هي إلا مُقدمة إحدي البرامج المعروفة لدي الكل ب (التوك شو)، تتفوه بإسم لن تنساه روح بتاً:

_ والنهاردة أعزائي المشاهدين منورنا الأستاذ عادل البهنساوي.


وهنا أنتفضت فرائصها عندما رأت وجهه المبتسم مثل الأفعي التي تتلون و تتشكل حيثما يريد أن يكون، و إذ بذاكرتها تُعيد إليها هذا اليوم


( منذ عامين ونصف)


_ بداخل غرفة مكتب قديم و أثاثه الخشبي المهترأ و نافذة خشبية تآكل مقبضها الحديدي من الصدأ، يجلس خلف المكتب هذا المُدعو عادل البهنساوي كما مدون علي القطعة الرخامية المتآكلة، يمسك بين يديه ملف ورقي يتطلع علي أوراقه بإهتمام زائف، قائلاً:

_ يا أستاذ مصطفي صورة البلاغ الي قدمته في المُدعي عليه بتهمة الإعتداء علي الآنسة روح بنت حضرتك ملهوش أي لازمة من غير أي دليل يثبت أن راجح حامد الأنصاري أعتدي علي بنتك.


رمقه مصطفي بإمتعاض ثم تساءل :

_ تقصد إيه يا متر ، يعني هافضح بنتي ونروح نتبلي علي الناس من غير دليل ! .


إبتسم عادل بسماجة وهو يجفف قطرات عرقه بمحرمته المنسوجة من القطن ،فقال :

_ لاء طبعاً ما أقصدش كده لاسمح الله ، يعني الي فهمته من كلام روح بنتك في المحضر إنها معاها دليل قوي يُدين إبن حامد الأنصاري .


نظرت روح بتردد إلي والدها الجالس مقابلها ، فأومأ لها بنظرة طمأنينة قائلاً:

_ معانا الدليل الي يوديه هو وعيلته في ستين داهية .


و مع آخر حرف تفوه به السيد مصطفي بكل طيبة وعفوية قابلها هذا الذئب الدنيئ بإبتسامة إنتصار و زفر بأريحية ، فميزان العدل الذي يُزين الجدار خلفه لايُمت لأعماله بصلة ، ضميره في سُبات عميق لن يستيقظ منه بل هو قد باعه بثمن بخس لكل ظالم مُتجبر يعث في الأرض فساداً ويأتي له لكي يدافع عنه ويخرجه من أي كارثة أقترفها حيث يقوم بإستغلال كل ثغرات القانون بكل الطرق الملتوية .


أخرجت روح من حقيبتها هاتف من الطراز الحديث ويديها مُرتجفة من التوتر ، كاد يسقط منها لكن أنقذ والدها الموقف وأمسك به و وضعه أمامه فوق المكتب قائلاً :

_ أتفضل ساعدتك ده الموبايل بتاع الي ربنا ياخده كان معاه في وقت الي حصل .


أمسك به الآخر و أخذ يحدق به يقول :

_ هو ده الي صور عليه الي عمله فيكي ؟ .


أنتابتها حالة من القشعريرة من سؤاله الذي يدل علي حماقته ، بدأت عبراتها بالتجمع في مقلتيها ،فأجابت بصوت متحشرج :

_ أيوه هو ، لما فوءت من الإغماء الي كنت فيه قعدت أدور علي موبايلي ملقتهوش ، لاقيت موبايله واقع جمبي .


أنحني بجذعه جانباً ليلتقط حقيبته الجلدية ، و وضع الهاتف بداخلها ، ثم نظر إليهما وبدأ بالنفاق يتحدث :

_ أطمن يا أستاذ مصطفي إن شاء الله حق بنتك هيرجع وإبن حامد الأنصاري مش هيطلع عليه نهار غير وهو مشرف علي البورش مع المجرمين الي زيه ، و ده بعد ما أقدم للنيابة الدليل ده ومعاه التقرير الطبي الي يثبت حالة الإعتداء .


_ وبعد عدة أيام عاد والد روح من عمله بوجه مُكفهر و كأنه يحمل من الهموم جبالاً غير الكارثة التي حلت بإبنته .

أستقبلته منال زوجته متسائلة عن حالته المُزرية :

_ خير يا مصطفي ، حصل أي تاني ؟ .


جلس أمامها علي الأريكة مجيباً بخزي :

_ و هيجي منين الخير طول ما ولاد ال...... مالين البلد من ظلم و أرف .


جلست بجواره وهي تعقد وشاحها علي رأسها قائلة :

_ هو المحامي قالك حاجة جديدة حصلت في قضية البت؟ .


وضع كفيه علي رأسه المُنكس لأسفل من الحزن و الوهن ، أجاب بحسرة أب يشعر بالظلم :

_ المحامي ربنا ينتقم منه أو يبتليه بمصيبة طلع بيضحك علينا وباعنا لحامد الأنصاري وأداله الدليل الي كنا هنقدمه للنيابة عشان يجيبولنا حق بنتنا ، حتي تقرير الطب الشرعي الي قالي هيستلمه بنفسه روحت أسأل عليه لاقيت الدكتور بينكر كل حاجة ، فهمت إن حامد والمحامي أشتروه بالفلوس هو كمان .


شهق بألم ليردف بصوت مختنق :

_بنتنا ضاعت يا منال ، حق بنتي ضاع ومش عارف أعمل أي ، مش عارف هارفع راسي إزاي أدام الجيران ولا البلد ولا في الشغل .


ربتت علي ظهره بمواساة قالت :

_متقولش كده يا أبو روح ، ماعاش ولا كان الي يخليك تحني راسك ، بنتك مظلومه ومجني عليها ، روح بنتي العالم كله يشهد بأخلاقها.


رفع رأسه و حدق بنظرة خذل وتقهقر قائلاً:

_ معدتش قادر أستحمل نظرات الناس ليا في الشارع ولا كلامهم الي من تحت لتحت ، الي يقولي ربنا يقويك ويعينك يا مصطفي ، والي يقولي أنا عندي عريس لبنتك يستر عليها ، و...


قاطعته بصياح و هي تبكي في آن واحد :

_ قطع لسان كل الي يجيب سيرة بنتي بكلمة كده ولا كده ، والي يقولك حاجة أقف أدامه وأقوله أخرس بنتي أشرف بنت في الكفر والبلد كلها ، وبإذن الله هناخد حقنا من إبن حامد الكلب هو وأبوه وعيلته الي فاكرين نفسهم بلطجية ومحدش قادر عليهم .


كان هذا الحوار الذي يقطع نياط القلوب تحت مرأي وسمع التي تقف خلف باب غرفتها الموارب ، و بصيص من نور الردهة ينعكس علي عبراتها المنسدلة ، تمسك بمقبض الباب وكأنها تعتصره بقوة حتي أبيضت مفاصل أناملها الرقيقة .


_(عودة إلي الزمن الحالي )

نهضت من الفراش تتحامل علي أوجاعها ، فأنتفضت نحوها نيهال قائلة :

_ أنتي قايمة رايحة فين ؟ .


أجابت روح وهي تنتزع حقنة المحلول من يدها :

_ أنا عايزة أروح لأهلي .


أمسكتها الأخري من كتفيها وقامت بمواجهتها ونهرها قائلة :

_ و كانو فين أهلك وأنتي بتنتحري !.


أجهشت بالبكاء فقالت :

_ لو سمحت سيبيني في حالي ، كفاية الي أنا فيه .


_ أنا معاكي عشان أساعدك وأقف جمبك ، بصي لي كويس وأنتي هاتعرفي أنا مين .


رفعت روح وجهها لتتمعن في ملامح نيهال ، فأتسعت عينيها لاتصدق ما تراه أمامها ، قاطعت الأخري سؤالها التي تتوقعه :

_ أيوه أنا نيهال فريد المذيعة ، و شوفتك وأنتي بترمي نفسك في النيل من فوق الكوبري ، و دلوقت الدكتور المشرف علي حالتك هيجي بعد شوية ويطمن عليكي عشان يكتب التقرير الي هيقدمه في المحضر .


صاحت روح بخوف :

_ محضر؟.


_ أيوه محضر ، ده إنتحار ، جريمة في حق نفسك .

أطلقت زفرة بضيق وهي تشعر بالشفقة والحزن علي تلك المسكينة التي تشهق وتبكي بشدة ، عانقتها وربتت عليها بحنان ، مُردفة :

_ إهدي يا حبيبتي ، مفيش حاجة تستاهل عياطك ده كله ، ولا في أي حد يستاهل تنتحري عشانه ، متخافيش أنا أي نعم معرفكيش بس هاساعدك ومش هاسيبك .


شعرت روح بطمأنينة و راحة عارمة لم تشعر بها منذ ذلك الحادث وتوابعه ، هدأت من نوبة البكاء الصاخبة حتي أستكانت أنفاسها ، ثم أبتعدت بهدوء من هذا العناق تزيح عبراتها وتلتقط أنفاسها ب تروي قائلة :

_ أنا مش عارفة أخد حقي و حق بنتي ! .

______________



هل اعجبك الموضوع :

تعليقات





مجلة اضواء على الانستجرام تابعونا