القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية #وقالت_لي .. الفصل رقم 5 .. دعاء عبد الرحمن

 روايات دعاء عبدالرحمن ـ مشاعر غالية

#وقالت_لي


الفصل الخامس : وقالت لي


-1-


تفحص الكاتب الصحفى عبدالخالق مروان المظروف بين يديه مندهشًا, ثم بدأ فى فتحه وفض الأوراق منه وقراءة ما بين سطورها بفضول, حينها عَلِمَ بأنه أمام حالة فريدة من نوعها تحتاج إلى تأمل عميق وصبر طويل لفك أحجيتها وألغازها قبل الحكم عليها, وقد تيقن من ذلك عندما وصلت عيناه لآخر سطور مقدمة الأوراق وقد كتبت له الراسلة فيها :

- "وسأظل أرسل لك تفاصيل زياراتها لي فى شقتي المهجورة, وفى كل ظرف سأرسله لك ستجد عليه عنوانًا يتوسطه من الخارج وهو نفس العنوان الذى كتبته على الظرف الذى بين يديك الآن " وقالت لي " .

لا أريد منك تصديقي, أريد فقط أن تنشر شكواها, لعل روحها تهدأ قليلاً وينقطع شبحها عن زيارتي !.

لأول مرة يقف أمام رسالة كهذه, لقد اعتاد قراءة حكايات من سراديب الحياة المظلمة, بكل زواياها المهجورة, إلا أنها كانت جميعًا فى النهاية شكايا وتجارب أحياء!, لم يتخيل أن يأتي يومًا يفرد مساحة فى بابه, لـميتة!, بالتأكيد سيتهمه الجميع بالجنون, أو على أقل تقدير بصناعة ضجة إعلامية وهمية لبابه الأسبوعي تنعكس على مبيعات المجلة التى يُشرف على أشهر باب بها " بين الناس" !.

سقط الظرف من بين يديه وهو يرفع وجهه القمحي البشرة بإجهاد مشوب بالحيرة ويستند بظهره للخلف مُلقيًا بثقل جسده على ظهر المقعد الضخم خلف المكتب الخشبي الكبير والمُمتلىء سطحه بالأوراق والخطابات عن آخره والمُستدير نصف استدارة من حوله, يواجهه مقعدان مُتقابلان من الجلد البُني الفاتح وبينهما طاولة زجاجية مستديرة صغيرة, دار بالمقعد دورة كاملة فمرت عيناه على الجدران المطلية بالأزرق المتداخل مع الأبيض بانسجام يساعده على التركيز, دائمًا ما يرفض تعليق اللوحات على الحوائط, يُفضلها هكذا خالية من أي إطار سوى من مكتبة مستطيلة فى زاوية منها ضمت بعض الكتب المتنوعة التى يفضل قراءتها بين حين وآخر أثناء عمله, خلف مقعده نافذة موصودة فى الجدار مُطَعمة بزجاج سميك يفصله عن العالم الخارجي, نصف دورة إضافية لتُكمل عيناه رحلتها إلى اليسار فانعكست صورته على المرآة الطويلة الملتصقة بالجدار, أصبحت الآن أمامه مباشرة, توقف المقعد عن الحركة, لقد نال الإجهاد من روحه قبل جسده وعقله, انسحبت نظراته نحو خصلاته البيضاء على جانبي رأسه فمرر كفيه فوقهما وهو يشرد كليًا فيما قرأ منذ دقائق, تلك الرسالة التى سجنته بين سطورها من بين مائة وخمسين رسالة أخرى!, وأبت أن تحرره منها حتى الآن, ثقافته الواسعة وطريقة تفكيره الواقعية يرفضان التصديق, ولكن حسه الأدبي والعاطفي وقبلهما حاسَّته الصحفية يدفعونه بشدة لنشر شكواها, حتى وإن نوه فى بدايتها عن رفض عقله لها, يرى بها دروسًا وعبرًا أكثر من مجرد مسألة, فلربما تكون سببًا فى انقشاع الضباب عن عيني أحدهم قبل فوات الأوان, ففى النهاية هي تجربة بشرية, وأخيرًا وبعد معارك داخلية طاحنة كان قد أمسك بالقلم بعد أن حسم قراره وبدأ يكتب بتمهل :

- يقول أحد علماء النفس أن الصمت هو أشد مراحل الانفعال, وأن أكثر اللحظات التى لانجد فيها ما نقوله من كلمات هى اللحظات التى يصل انفعالنا فيها إلى الذُرْوَة فنصمت!, هذا ما حدث لي أعزائي القُراء وأنا أُبحر بين سطور هذه الرسالة والتى من الواضح حسب حديث كاتبتها أنها ستكون سلسلة من الرسائل, لن أُطيل عليكم فأنا أعلم أن تلك المقدمة قد بلغت من فضولكم المنتهى. سأضع الرسالة كما هي, كما كُتبتولكن, فقط سأحذف منها ما يمس أخلاقياتنا وديننا الحنيف من وجهة نظري ولكنني لن أمحو ما هو متناقض مع عقلي وثقافتي, وسأترك لكم الحكم فى النهاية منتظرًا تفاعلكم معها كما اعتدت منكم, المشاركة الوجدانية التى أصبحت علامة مميزة لصفحتنا هذه عن طريق بريد المجلة الإلكتروني .

للمرة الأولى لن أُعنون الرسالة بما يليق بها فلقد أصرت صاحبتها أن يكون عنوانها " وقالت لي ", والآن سأترك لكم الإبحار فى لُجاجها كما حدث لي قبلكم .


وقـالت لـي !, من بريد " بين الناس "

أقرأ بابك دائمًا وأراسلك وأعلم بأنه لا معنى لذكر مكان تواجدي الآن, ولكنها حالة مختلفة واختلافها باختلاف أبطالها ومكان كتابتها, أما عن المكان فأنا بين جدران غرفة موصودة فى شقة مهجورة, ينتظرني خارجها كابوس أسود لينتقم مني شر انتقام على الفرصة التى منحتها له, وأما عن أبطال القصة فتجلس أمامى الآن بطلتها الرئيسية والتى توفاها الله منذ شهور !.

مزق الآن خطابي أو احرقه, العنْي كما تشاء, ولكن لا تُكذِّبَني, هى الآن معي وجهًا لوجه ولا أعرف كيف, تعجب واندهش كما تشاء, ولكن صدقني, الكاذب دومًا تكون له مصلحة من وراء كذبته, أما أنا فلا أريد سوى الخروج من هنا فقط!, فهى وبرغم طيبتها إلا أنها حين تغضب تكون مختلفة, هددتني إن لم تصل قصتها إلى الناس فستستحيل حياتي إلى جحيم دُنيوي, وكل ذنبي أنني كنت صديقة عابرة فى أواخر حياتها القصيرة .

ولسبب آخر اعتقد بأنه وجيه جدًا, إنها تُريد أن تُملي علي بعض الأحداث التى لا يعلم عنها أحد شىيئًا سواها هى وزوجها السابق فقط, لذا فأنا الآن فى حضرتها وبين يديها وأمام عينيها المُبتسمة بانتشاء وانتصار لم أرَ مثله من قبل, سأرمز لأسمها بحرف " هاء ", لن أبذل جهدًا أكبر فى ترميز اسم زوجها لأنه هو أيضًا يبدأ بنفس الحرف لذلك سأستعمل آخر حروفه وهى " ميم ", حتى يتيسر لي الحديث عنهما كما أرادت, أما زوجته الثانية التى تزوجها بعد وفاة " هاء " فسأرمز لها بحرف " جيم ", والآن إليك قصتها .

***

كالعادة استيقظت صارخة, وكالعادة انتفض من نومه فزعًا يتلفت حوله حتى يستطيع تمييز أنه فى غرفة نومه وعلى فراشه وجدايل تتشبث به, زفر بقوة وهو يربت على ظهرها مُمسدًا لشعرها وهو يستغفر وقد بات الأمر غير محتمل, مازالت ترفض أن تقُص عليه كوابيسها وكأنها تخشى البوح, وبروتينية مد يده ملتقطًا هاتفه لتصدح آيات سورة البقرة فى المكان, فتهدأ وترتخي عضلاتها المتشنجة ثم تنام على ساعده غارقة فى عرق جبينها ومنابت شعرها وهو يمسح عنها العرق بيده الأخرى ورغمًا عنه دواخله ترتجف وكأنه يستشعر رعبها ولكن يخشى الاعتراف, سينتظر حتى تعود والدته لتتصرف, لقد سأم حديث عادل عن ضرورة التقرب إلى الله ليزيح عنهما ماهم فيه, إنه يصلى فروضه وهي كذلك, فماذا يفعلان أكثر من هذا؟!, صحيح أنه يؤخر الفروض واحيانًا يجمعها عندما يعود للمنزل آخر اليوم, ولكنه يؤديها فى النهاية!, لقد أخذ بنصيحته ويقوم بتشغيل آيات سورة البقرة فى المنزل يوميًا ولم يحدث أي تطور, صحيح أنه لا يستمع إلى آية واحدة منها بتركيز بل ويعود للنوم فى بدايتها, مصحفه يعلوه الغبار عن آخره من هجره لما بين دفتيه ولكن هذه مقدرته, والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها !.

علت زفراته مجددًا دون إرادة منه وهو يُحاول العودة للنوم من جديد بعد أن أقنع نفسه بتلك الأفكار, ولكن هزيم الريح الشديد فى الخارج يثير خيالاته المتأصلة بعقله منذ الصغر عندما كانت والدته - سامحها الله - تقول له أن هذا صوت العفريت فى الخارج إن لم ينم باكرًا فسوف يدخل إليه!, ورغم اهتزازه الداخلي إلا أنه لم يستطع منع ابتسامة طافت بين شفتيه لبرهة وهو يسخر بداخله من هذه الذكرى:

- ولم أسأل نفسي يومًا عن مصلحة العفريت فى جعلي أنام باكرًا كل ليلة؟!

التفت نحوها فوجد أنفاسها وقد انتظمت وراحت فى سُبات عميق, فسحب ذراعه من أسفل رأسها ببطء, نهض من بين ركام الأغطية الثقيلة على مهل, ومشى على أطراف أصابعه حتى خرج من الغرفة دون أن يُحدث جلبة, توجه إلى الثلاجة مباشرة فتحها والتقط منها ثمرة يوسيفي وأخذ يزيل قشرتها الخارجية وهو يتوجه نحو غرفة بناته, فتحها بهدوء وألقى عليهما نظرة اطمئنان, ابتسم لرؤيتهما بتلقائية ولكن ابتسامته تلاشت على الفور عندما سقط شيء ما فى الشقة الكائنة فى الطابق العلوي مما جعل صوت الارتطام يبدو وكأنه فى شقته هو, استوعب ذلك مؤخرًا بعد أن بُهتت ملامحه عند سماعه للصوت وقفز قلبه بين قدميه لثوان, مما جعله يحنق على نفسه وعلى استعداده الدائم للذعر هكذا, أغلق الباب عليهما وجر قدميه نحو الردهة, مر بين المقاعد المُريحة حتى التف جالسًا على مقعده المُفضل أمام الطاولة, هوى جسده بحنق وهو يستنشق بقوة ويزفر ببطء ليهدأ, نظر نحو كفه وقد تذكر للتو بأنه مازال مُحتفظًا بالثمرة وقشرتها معًا في يدٍ واحدة, ولكن هيهات لقد ذهبت شهيته أدراج الرياح وانتهى الأمر.

مال للأمام ليضع ما بيده على الطاولة باستياء فلفتت نظره مجلة, عجبًا !, لايذكر أنه اشتراها سابقًا, تناولها يقلبها بين يديه بلا حماس حقيقي, ضيق عينيه حتى تغضنت زواياها عندما وقعت نظراته على أحد أوراق المجلة مطوية من الداخل على شكل سهم غير متساوي بغير عناية, مرر أصابعه بين أطراف الورقة ليعيدها كما كانت وقد أخذه الفضول قليلاً, " وقـالت لـي " سقطت نظراته على العنوان الأحمر اللون بسخاء, مما جذب انتباهه لأول السطور, وعندها تمتم مندهشًا متسع العينين:

- امرأة ميتة تحكي قصتها, هاء, ميم, جيم !!


ارتحلت عيناه بين كل سطر وآخر, كلما ترك واحد قفز فوق الآخر سريًعا كسرعة أنفاسه وحركة صدره مُحملاً بها, وجهه يزداد احتقانًا بالدم

والكلمات تخطف الهواء من حوله وتحبسها عن رئتيه :

" لم يكن شغوفًا بي منذ البداية " , أنا التى صرحت بمشاعري أولاً, عبَّدتُ له الطريق فصرتُ وكأنني أدفعه دفعًا لمشوار الزواج, عندما رفضته عائلتي فى البداية لتفاوت المستويات الاجتماعية بيننا, حرمت نفسي من أن أرى الرجل الذى اخترته ينافح عن حبه, يقاتل لأجلنا, فجنبته كل هذا وجعلته يتنحى جانبًا ووقفت أنا بوجههم حتى رضخوا فى النهاية وهم يتعجبون من خلو ساحة المعركة منه!, وبعد الزفاف بأقل من شهر, أنا التى كنت أخترع القصص ليظل متيقظًا بجوارى بعد دخولنا للفراش, ولكن كسر خاطري أصبح عادة لديه, بل زاد الأمر سوءًا مع مرور الوقت وهو يضنْ عليّ بكلمة غزل أو مدح لمظهر قضيت فى الاعتناء به وقتًا طويلاً لأجله وحده, فقط يبتسم ويقول كلمة واحدة " جميل " ثم يُدير وجهه ليتابع المعروض أمامه على شاشة التلفاز, ماذا أقول, لولا ثقتي بنفسي وبدرجة الجمال التى منحها الله لي لكنت اقتنعت بأنني دميمة

عندما بدأت مشاكلي ومعاركي الداخلية تدب بيني وبين والدته, تركني هو أواجه تدخلها فى حياتنا الخاصة وحدي, وعُدت لمحاربة المُتبقي من عائلتي لأحصل على نصيبي لميراثي من والداي فى شقة العائلة, ولقد كان مبلغًا زهيدًا من المال, قذفوه فى وجهي, ونبذوني من يومها, وبذاك المال القليل سعيت لتأجير شقة أخرى لننفصل ولو بعض الشىء عن والدته ووفرنا بعض الأثاث البسيط وقد كان هذا منتهى أملي من الدنيا, حياة خاصة بعيدًا عن المشاكل, وظل الحال على ماهو عليه من هجر قلبه لي حتى تيبست أنوثتي, وأصبحت عدائية معه, نتعارك لأتفه الأسباب.

نعم أعترف, عزوفه عني لأوقات طويلة سبب مباشر فى اختلاقي للمشاكل, وقد شعُرت بالنبذ, هل تتصور كيف يكون النبذ من أول رجل أحببته بحياتي؟!, لم أحُب قبله, ولم أعرف رجلًا غيره, فهل يلومني أحد الآن عندما أقول أن الغيرة اشتعلت بقلبي عندما رأيت كيف يتعامل مع زوجته الجديدة " جيم " الذى تزوجها بعد وفاتي, هل يستطيع أن يكرهني عندما يعلم بأنني السبب المباشر فى الجحيم التى تعيشه هي الآن, لقد كنت أتصور أنه سيعاملها كما كان يتعامل معي, ولكنني نظرتُ إليه, فوجدته شغوفًا بها, حريصًا على إرضائها, عيناه تلمع دومًا وهو يتأملها, يبحث عنها, أنامله تجد طريقها سريعًا إلى أناملها, أينما جلست ينتقل فورًا بجوارها, يحتضن خصرها, لا يرضى بطفلةٍ تفصل بينهما في الفراش, بل لا يستطيع النوم إلا وهو يلمسها بشوق جارف كما لم يفعل معي يومًا وأنا حية .

أردتُ أن أسأله هامسة بأُذنه, لماذا؟, ولكنني تراجعتُ في اللحظة الأخيرة, خفت أن يرتعب فيُفزِع الطفلتين, فهو يخاف إلى درجة مُضحكة!, حاولتُ أن أبحث عن الإجابة في عينيه, وفعلا عثُرتُ عليها وهو ينظر لها ببريقٍ لم يتوهج يومًا لأجلي, فأدركتُ الفارق حينها, لقد أحبها, هكذا ببساطة, أحبها !.

فانزويت بخيبة في أحد الأركان فوق الستائر المُعلقة بعد أن هدمت عش العناكب به, العناكب التى تشعر بي أكثر منه !" .

إلى هذه النقطة توقفت " هـاء "عن الحديث سيدي ووجهها متألمّ للغاية ونظرت نحوى بنزيف من الدمعات اللؤلؤية وقالت لي:

- أتعلمين صديقتي؟, أنا لستُ ميتةً فقط, بل فاشلة أيضًا, صحيح؟!

وقبل أن أُجيبها سيدي علا الصراخ فى الخارج من جديد, وكأن دمعاتها أضعفتها للغاية فأصبحت غير قادرة على حمايتي, سبحت الغرفة فى ظلام سرمدي, وسمعت صوت والدتي تصرخ بنبرة جحيمية وكأنها أمامي وجهًا لوجه:

- تعالي إلى غرفة والدك حالاً يا قاتلتنا, فهو يُريدكِ بشدة !

نظرتُ إلى " هاء " فوجدتها تئن وتئن والألم يرسم بريشته الحزينة فوق ملامحها, أخذَت تضعُف وتذبل كالوردة المدهوسة للتو, وكأنها أصبحت بقايا متناثرة, وقتها اتخذت قراري بالخروج من الغرفة, سأذهب إلى أبي بالرغم من علمي بأنه سيوبخني لتقاعسي عن حضور جنازته !!.

انتظر رسالتي القادمة, وللحديث بقية .

وكعادة عبدالخالق مروان لابد وأن يُعلق بشىء من النُصح والحكمة فى نهاية كل رسالة, إلا أن هذه الرسالة بشكل خاص لم يستطيع أن يكتب إلا عبارة واحدة فقط تعقيبًا عليها :

" النفوس الطاهرة هي التي اختبرت الألم, ثم اختارت أن تُجنِب الآخرين مرارته, مُنتظرة نصيبها العادل من السعادة سواءً فى الدنيا أو الآخرة " .

***

وماذا ينتُج عن الصدمة الممزوجة بالخوف والرهبة, والمغلفة بتأنيب قاتل للضمير سوى قِدر يغلي بالانفعالات المضطردة الفائرة فوق وجدانه وعقله, هذا المزيج القابل للاشتعال ينفث في صدره, تُسحَق المجلة الآن ببطء ودون إرادة بين كفيه بينما عيناه تتسعان عن آخرهما, عالقتان بتيه شديد وذهنه حبيس السطور التى قرأها للتو, إنها كلمات وتعبيرات هالة, هو يعرفها, أحداث خاصة لم يطلع عليها أحد سواهما, نسبة الشك فى غير ذلك صفر, إذن هى تراقبه, تحقد عليه, تريد تدميره وزوجته, أعلنت حربها وليس لديها ما تخسره, بعد أن خسرت .. كلها!.

نفض رأسه بعنف وهو يتنفس لاهثًا ونقطة ما بزاوية مُظلمة بعقله تتهمه بالجنون, وتسأله بتحدٍ, هل ستصدق هذا الهراء حقًا؟!.

درجة الغليان وصلت لقمتها عندها تأججت جميع ردود فعله فنهض من مقعده وهو يرفع رأسه للأعلى نحو السقف تحديدًا, ثم تحيد نظراته التى قاربت الجنون نحو الستائر, ثم قمة الستائر كمن يبحث عنها, توقفت عيناه عند هذه النقطة وقد أوشكا حاجباه على الالتصاق ببعضهما البعض من شدة التضييق بينهما, بينما مقلتيه تهتزان بانفعال سافر, ملامحه النهائية كانت أشبه بمجرم مُقدم على ارتكاب جريمة ما, رفع المجلة للأعلى وهو يهتف ضاغطًا أسنانه بقوة رغمًا عنه:

- نعم, نعم يا هالة أحببتها, أحببتها أكثر مما فعلت معكِ


أنزل يديه للأسفل ثم فتحهما عن مصرعهما كمن يستعد لتلقى طعنة قادمة نحوه وهو يُعيد هتافه وقد خرج عن السيطرة وأخذ جسده يدور حول نفسه فى المكان ذاته:

- ماذا ستفعلين بنا, هيا أريني جحيمك

لم يصل هتافه إلى أحد, بل وكأنه تم عزله تمامًا عن العالم, خرج من دائرة وجوده, شعر بأن سور قد ضُرب حوله, ظُلمة ما فٌرضت عليه, ظُلمة وظُلم كـ يوسف آخر أُلقى به فى بئرٍ بيد إخوته, وتسلق الهم أشجاره الهزيلة, انهار على ركبتيه ومازالت المجلة جزء من كفه وعيناه قد احتقنتا بالدم وهو يرزح تحت ثقل ندم وذنب يسويانه بالأرض, وصار يهمس بخفوت وقد تَعِبَ .. تَعِبَ حقًا ويريد أن يستريح:

- كنتِ قوية, أقوى من أن تُشعريني بحاجتك لي, أقوى من أن تحكي معاناتك أمامي, وأنا كنت أغبى من أن أفهم كبريائك, فَهمت مؤخرًا, عندما قرأت وصيتك لي, فهمت بأن ابتسامة السخرية التى كانت عالقة دائمًا فوق شفيتك كانت تُخفى مرارة وضعفًا أكبر مما يجب أن تتحمليه وحدك, أماهى, جدايل, جمعت ضعفها بين كفيها وقدمته لي ببساطة هامسة " أحتاجك ", ضربتني همستها فى قلب رجولتي, جعلتني أستنهض معانٍ كثيرة بداخلي جعلتنى أحوم حولها أنافح عنها ضد كل شىء, وأي شىء يجرحها, هنا فقط اكتشفت نفسي, وفهمت معنى الكلمات التى كنتِ تردديها يومًا ما عندما كنتِ تقولين " لن أستطيع أن أُفَهِمَك, أنت ستفهم وحدك, ولكن مع امرأة أخرى غيري" , والآن وقد فهمت, فماذا تريدين يا هالة, ماذا تريدين؟!


الفصل الخامس : وقالت لي


-2-


- لماذا لم تُخبرني كل هذه المدة يا هشام؟!

دفن رأسه بين يديه وهو يرتكز على فخذيه مُجيبها بخفوت:

- كل هذا حدث وأنتِ تؤدين مناسك العمرة يا أمي

ربتت على قدمه وهى تتساءل بحنان:

- وكيف حال زوجتك الآن؟

زفر حانقًا دون أن يرفع رأسه قائلاً:

- كما هى, كوابيس مفزعة ليلاً, وانزواءً بعيدًا عني وشرود فى ملكوتها الخاص نهارًا, تعيش عذابًا مستمرًا

استندت بكفيها إلى عكازها بتفكير عميق لِلَحظات قبل أن ترفع حاجبها بتحفز وهى تُغمغم وتومئ برأسها بثقة:

- لا تحمل همًا يا بُني, أنا كفيلة به

لم يشأ أن يُطلعها على أمر المجلة والرسالة التى كُتبت بها, بالرغم من حُنقه الشديد الذى تملك منه بمجرد أن أخبرته جدايل فى الصباح أن رؤى كانت تزورها فى اليوم السابق, وهكذا استطاع الربط بين وجود المجلة فى البيت وزيارة رؤى الغريبة, كان يريد فضح أمرها عند والدته مؤكدًا لها سوء اختيارها السابق لها كزوجة له, ولكنه لم يفعل, لم يقل شيئًا, خاف أن تطلب منه قراءتها أو تقع بالكلام أمام جدايل وتذكرها, فلقد تأكد لديه بأن جدايل لم تفتحها من الأساس بل وتفاجأت بوجودها, إلا أن هناك سببًا آخرًا أقوى منعه فى اللحظة الأخيرة, مازال يريد الاحتفاظ بماء وجهه أمامها, فوالدته حتى هذه اللحظة لا تعلم كيف ظهر فجأة المال الذى سهل لهم عملية الانتقال إلى شقة أخرى, أقصى ماقالته هالة لها وقتها أن هشام طلب سُلفة من عمله, ترقرق الدمع فى عينيه وهو يتذكر كيف وقفت والدته توبخها ظنًا منها أن هالة هى التى ضغطت عليه ليطلب تلك السُلفة المزعومة, وعندما تحرك ليُوقف والدته نظرت له هالة نظرة معناها أن " لا ضير, اتركها ", فتوقف على الفور وكأنه كان ينتظر تلك النظرة, وكأنها لاتُهان أمامه فى تلك اللحظة بسببه, أراد أن يحتفظ بكرامته أمام والدته ولو حتى على حساب كرامتها !.

أخرجه من شروده رنين جرس باب الشقة فنهض بتثاقل ليجيب نداء من خلفه, بمجرد أن فتح الباب انهال عليه سيل من الدعوات قد كان يتوقعها فى هذا اليوم بالذات, فهذا هو موعدها الأسبوعي!.

ابتسم لها ابتسامة مصطنعة ثم التفت إلى والدته مناديًا:

- إنها عنبر يا أمى

عاد يبتسم مرة أخرى ولكن هذه المرة ابتسامة حقيقية وهو يقارن اسمها بهيئتها الضخمة البنية, وهى تتباهى ببنيتها هذه أمام الجميع وخصيصًا بأنها تقترن بصحة وفيرة, تلك الصحة التى تأكل عيش من ورائها كما تقول, فهى المتخصصة الوحيدة فى المنطقة والمسؤولة عن تنظيف ومسح سلالم العمارات وشققها أيضًا لو تطلب الأمر, وهى التى فتحت شقة هشام ونظفتها قبل عرسه, ولم تنسَ وقتها أن تُلقي النصائح على مسامع والدة هشام بأن الشقة مُغلقة منذ شهور وربما تكون مسكونة الآن, فلماذا لا يلجأون إلى شيخٍ واصل ليُحصنها, كالشيخ عبد الفتاح, فاتح الأبواب الموصودة وقاهر الجن والأشباح !,

فى ذاك الوقت لم تلتفت والدة هشام كثيرًا لثرثرتها ولكن الآن هى تحتاجها بشدة, نهضت من مقعدها وتوجهت نحو الباب بظهر منحني قليلاً هاتفةً:

- انتظري يا عنبر أريدك فى أمر هام

وقف هشام مكانه عند الباب منتظرًا أن يبدأ فى رحلة حمل الماء اللازم إليها ولكنه فوجئ عندما سألتها والدته وهى تضيق عينيها بجدية وتركيز:

- أين هو مكان الشيخ عبد الفتاح هذا يا عنبر

زفر هشام بقوة وتوجه للداخل تاركًا مكانه خاليًا وقد بدأ يعرف ما هى الخطوات التى ستتبعتها والدته لحل مشكلة زوجته, بينما لمعت عيني عنبر وهى تُجيب بحماس زائد:

- ألم أقل لكِ يا خالة, على كل حال الشيخ يراعي مسألة التكتم على الناس المحترمة أمثالكم لذلك هو من سيحضر إليكم

أومأت والدة هشام برضا وهى تُتمتم موافقة:

- هذا ما كنت سأطلبه خصوصًا وأن الشقة تحتاج إلى زيارة منه

بمجرد أن أغلقت باب الشقة سمعت هشام يقول من خلفها بضجر ونفور شديدين:

- أمى أنا لا أحب تعريض جدايل لتلك المواقف من فضلك

- ولا أنا يا ولدي, ولكن ما باليد حيلة

ظل يذرع ردهة الشقة جيئةً وذهابًا وعقله يرفض الفكرة تمامًا, بالرغم من أنه لا يعرف ماذا سيفعل هذا المدعو عبد الفتاح ولكنه يخشى عليها, توقف فجأة والتفت إلى والدته التى كانت شاردة بعيدًا غارقةً فى أفكارها وقد فاض به الكيل:

- أمى أنا غير متحمس أبدًا لهذا الحل

تمتمت والدته وعيناها مازالت شاردة فى النافذة أمامها مباشرة:

- لا تخف عليها أنا سأتصرف وأُقنعها بضرورته

خرج هشام من بيت والدته بحركات عصبية ينطق بها جسده, هابطًا درجات السُلم بسرعة كبيرة وهو يضع الهاتف على أذنه ويقول متوترًا:

- عادل قابلنى بعد ساعة فى مكاننا المعتاد, أحتاج التحدث معك بشدة

***

جلس عادل فوق الأريكة الخشبية وهو يضع ساقًا فوق الأخرى وذراعيه مُمتدتان على ظهر الأريكة من خلفه وينظر بتفكير إلى ظهر هشام الذى يقف أمامه مواجهًا لمياة النيل, وكفيه غارقين فى جيبي سرواله وبرودة الجو فى هذا التوقيت من العام تجعل من لقائهما فى هذا المكان فى غاية الحمق, ولكنه ليس بأقل من الحنق الذى تملك من هشام وهو يواجه عادل عند بداية اللقاء و يرمي بوجهه اتهامه لزوجته رؤى بأنها سببًا مباشرًا فى الحالة التى وصلت إليها جدايل وخصيصًا بعد زيارتها لها أول أمس .

كادت أن تقوم بينهما مشاجرة حقيقية بينما عادل يدافع عن زوجته بشراسة ضاعف منها الهواء المثلج المنبعث من رئتيه, بقايا التعقل دفعت هشام ليئد هتافه المنفعل عند هذه النقطة ويتوجه إلى سور الكورنيش مستندًا بجسده إليه وبداخله يعلم أنه أخطأ وتسرع وقد يتسبب هو هذه المرة فى هدم بيت صديقه أو على الأقل تكدير صفو حياته, تركه عادل ليهدأ قليلاً وجلس يفكر لعله يستطع الوصول لحل أمثل يجعله يحل مشكلة هشام دون أن يمس أحد زوجته رؤى ولو بكلمة واحدة, دقائق أخرى وبدأ الوضع بينهما يفتر شيئًا فشيئًا حتى قرر هشام إنهاءه بالكامل وتصحيحه, استدار نحو عادل متقدمًا نحوه ببطء حتى وقف أمامه تمامًا, ولكن الكلمات هربت من صدره فعالجه عادل قائلاً بهدوء:

- لمجرد العلم بالشىء, رؤى زوجتى كانت ترفض أى تواصل مع زوجتك وأنا من ضغط عليها لتذهب لزيارتها

جلس هشام بجواره وهو يربت على كتفه وصوته يعبر عن إطراد الانفعالات المتناقضة بداخله قائلاً:

- أنا آسف يا عادل, أعذرني, فأنا واقع تحت ضغوط أكبر من قدراتي على التحمل

مال عادل للأمام وهو يفرك كفيه ببعضهما البعض ويجمعها نافثًا الهواء بينهما لعل الدفء ينبعث فيهما ولو قليلًا, ثم قال بجفاء:

- لا تُبرر يا هشام, هذه الضغوط التى تتحدث عنها نابعة من مخاوفك, من عدم قدرتك على المواجهة, لا تنظر أبعد من أنفك - كالعادة -

قال كلمته الأخيرة بسخرية وهو ينهض واقفًا واضعًا كفيه بجانبي سترته الجلدية الثقيلة, قائلاً:

- أرجو أن لا تنسَ فى خضم معتركك هذا أنك ستسافر بعد عدة أيام إلى مقر الشركة فى الإسكندرية لضرورة العمل

أومأ هشام برأسه موافقًا وهو يراقب انصراف عادل الذى ألقى كلمته وغادر دون انتظار الرد, معه كل الحق, لقد أقحم زوجته فى مشاكله الخاصة, وكأنه يخبره دومًا بأن زوجته رؤى مازالت تتمنى أنه لو وافق على الزواج منها, حتى وهى زوجة رجل آخر الآن, ودوافع الحقد بداخلها تحركها لتنغيص حياته مع جدايل .

هو يؤلم صديقه دون أن يشعر, ربما من أجل ذلك لم يُشر من قريب أو بعيد إلى المجلة والرسالة التى قرأها بها, واكتفى فقط بأن زيارتها الأخيرة قلبت حالها وجعلتها شاردة سارحة فى ملكوت آخر, يبدو أنه ليس أمامه حل آخر سوى الذى تقدمه إليه والدته, الشيخ عبد الفتاح!.

***

بسروال أسود وقميص ناصع بياضه بلا رابطة عنق وفوقهما سُترة صوفية سوداء طويلة تصل إلى ركبتيه, دخل الشيخ عبد الفتاح شقة هشام بخطوات واثقة, تمهلت عينا والدة هشام عليه بنظرات تقييمية, ربما تجاوز الأربعين من عمره بسنوات قليلة, ذقنه حليقة لامعة ورأسه أصلع من منتصفها تمامًا, أطلت الطيبة مع التواضع من عينيه إطلالة مُميزة بصحبة ابتسامة غامضة موشومة فوق شفتيه فلا تزول وهو يتجول بعينيه بأريحية بأركان الشقة ووالدة هشام تأخذه من غرفة إلى أخرى مع صمت تام يُخيم على الجميع سوى من ضربات عكازها على الأرض أثناء سيرها وهمهمات خفيضة لا يستطيع أحد منهم فهمها تصدر من بين شفتي الشيخ عبد الفتاح, لم يستمر الصمت طويلاً حينما أنهى الرجل جولته ثم عاد إلى الردهة وهو يُناظر جدايل التى انكمشت بين ذراعي زوجها وبعينيها نفور وخوف تجاه عنبر الواقفة ملتصق ظهرها بباب الشقة المغلق كما أمرها عبد الفتاح بعد دخوله ثم تحولت نظراتها المتجهمة الخائفة نحو الأخير الذى ابتسم عندما أخبره هشام بأنها تنتفض بقوة, فجلس على المقعد المقابل لهما وبنبرة هادئة قال:

- لا تُبالي, إنها تنتفض لرؤيتي

ارتفع حاجبي هشام بدهشة وقبل أن ينطق انفجرت الكلمات من فم عنبر وهى تتكلم بهتاف كعادتها قائلة:

- لا تقلق يا أستاذ هشام, زوجتك بالتأكيد ملبوسة ومن يسكنها هو الذى يرتعش الآن, فالشيخ عبد الفتاح مشهور عند الجن - اللهم احفظنا - ويخافونه

أشار لها عبد الفتاح أن تصمت بينما قالت والدة هشام متسائلة:

- ماذا رأيت فى الشقة يا شيخ, ومن ماذا تُعاني زوجة ابني؟

مازالت عيناه عالقة في عيني جدايل وهو يجيبها بنوعٍ من الإشفاق:

- حقيقة يا خالة, هذه الشقة ليس بها موضع قدم, قبيلة عن أكملها من الجن تعيشُ بها, أما زوجة الأستاذ هشام فلابد من أن أقوم بالكشف عليها أولاً

- ماذا؟!

هتف بها هشام باعتراض ودهشة بعدما حفزت عبارة الرجل الأخيرة دفاعاته كاملة فشد على ذراعيها يضمها إليه دون شعور, وهى استجابت غامرة وجهها فى صدره أكثر, لا تعلم ماذا يحدث حولها, لا تعرف سوى بضع كلمات شحيحة قالتها حماتها قبل حضور ذلك الرجل بعشر دقائق لا أكثر, عن أنه رجل بركة سيقوم بحل جميع مشاكلها وبأنها لن ترى بعدها تلك الكوابيس المزعجة مرة أخرى!, أعادتها نبرة صوته التى شابها بعض السخرية إلى حاضرهم وهو يتحدث إلى هشام موضحًا:

- الكشف هنا يعني بأنني سأقرأ عليها بعض من آيات القرآن الكريم لأستطيع تشخيص حالتها

سكت هُنيهةً وبدى على ملامحه بأن هناك عبارة لازالت عالقة بجوفه, ثم أخرجها مُردفًا باهتمام :

- ولو أن بخبرتي الطويلة ودون كشف, أرى بأنها حالة مَسْ

حرفه الأخير خرج ممطوطًا قليلاً, مُحدثًا رنينًا مًزعجًا بمعناه وليس بصوته فقط وهو يمر بذبذباته بينهم, إلا أن تلك الحالة لا تقارن أمام التوتر والذعر الذى حدث بعدها عندما أكمل حديثه وهو يزيد من تركيزه بنظرات ثاقبة فى عيني جدايل:

- أرى وجه امرأة غاضبة يُطل من عينيها الآن!

لم تتوقف عنبر عن قول العبارة التى يبدو أنها لا تحفظ غيرها من حين لآخر:

- اللهم احفظنا

بينما أصبح الخوف سلعة رائجة بين الثلاثة الآخرين وقد تحولت نظرات والدة هشام وهى تناظر الشيخ عبد الفتاح إلى نظرة رجاء صامتة ترجوه العلاج, بينما أغمضت جدايل عينيها وهى تتشبث بقميص هشام الذى تجمدت عيناه على وجه الرجل الذى أومأ برأسه يطمئنهما وهو يمد يده بجيب سترته مُخرجًا لُفافة صغيرة بيضاء لم تزد عن حجم أصبعين من كفه قائلاً:

- لا داعي لكل هذا الذعر, مدة العلاج لن تزيد عن الشهر, جلستان فى الأسبوع, إذا إلتزمتم بتنفيذ جميع الطلبات

مَرَحتْ ابتسامة ساخرة مرتعشة قليلاً على شفتى هشام, ودون تفكير قال مُعلِقًا:

- آه, هل ستطلب منا دجاجة مُطلقةً, أم كتكوتًا يتيمًا, أم ستقوم بالإعداد لزار و..

قاطعته ضحكة الشيخ عبد الفتاح التى انطلقت سابحة فى فضاء المكان وقد بدا المرح على وجهه, وبعد أن هدأ إلتفت إلى والدة هشام قائلاً:

- من فضلك يا خالة, أريد زجاجة مياه وإناء بلاستيكي متوسط الحجم املئيه بالماء أيضًا وبعض قطع من ملابس لكل من يقطن فى

هذا البيت

أومأت المرأة برأسها وانصرفت للداخل تتبعها عنبر لمساعدتها بينما عاد برأسه إلى هشام قائلاً بنبرة مازال المرح عالقًا بها:

- أنت قديم للغاية يا أستاذ هشام, حتى الدجالين اليوم لم يعودوا يستخدمون تلك الطرق وقد اُستهلِكت كثيرًا فى الأفلام المصرية

صرف هشام عينيه عن الرجل بحرج وهو يدُس أصابعه أسفل ذقن جدايل وهو يهمس لها أن لا تخاف وأنه بجوارها فى كل خطوة, دقائق قليلة وعادت عنبر حاملة الإناء البلاستيكي بين يديها وصدرها يَنْهَت صعودًا وهبوطًا, وضعت الإناء عند قدمي عبد الفتاح

واعتدلت تتناول قطع الملابس من يد والدة هشام التى كانت تحمل زجاجة المياة بيدها الأخرى, أشار عبدالفتاح إلى الإناء وهو يوجه حديثه لـ عنبر آمرًا:

- أغمسي الملابس فى المياه, أغمريها لآخرها

فعلت عنبر ما أمرها به ثم ناولته زجاجة المياة وابتعدت تقف بجوار والدة هشام, فتح الرجل الزجاجة ثم وضعها على الطاولة التى تفصل مقعده عن مقعد شاغر بجواره, ثم عاد إلى اللفافة الصغيرة الورقية التى أخرجها من جيبه مُسبقًا, فتحها أمام هشام وهو يشير إلى المادة التى تُشبه الدقيق ولكن لونها أصفر قاني يميل إلى الحُمرة وهو يقول:

- هذا زعفران, النساء تستخدمه عادة لتحسين نكهات الطعام, أو لإضافة لونه إلى العصائر

تعاقبت نظرات هشام المضطربة بين والدته التى أومأت له مؤكدة وبين الزعفران وحامله الذى بدأ يُفرغه بدقة بداخل الزجاجة, فيمتزج لونه بالمياه ليتغير لونها إلى الأحمر الباهت, أغلق الشيخ عبدالفتاح الزجاجة جيدًا ثم رجها بقوة بين يديه لدقيقة كاملة ثم وضعها على الطاولة تاركًا إياها وهو يقول:

- الزعفران يؤذي الجن بشدة


قال كلمته وهو يرفع رأسه نحو عنبر بوشاحها الكبير وجلبابها الزاهي متسائلاً:

- هل معك منديلًا قماشيًا؟!

انتبهت عنبر وهى تتحسس جيبيها فاستطرد وهو يوقفها بيده قائلاً بعفوية:

- انتظري أنا معي واحدًا تقريبًا

بحث فى جيبه لثانية وأخرج المنديل بعدها ثم ارتكز بمرفقيه على فخذيه, جامعًا المنديل بين كفيه, قربه من فمه ثم أخذ يتُمتم بكلمات مبهمة, لأكثر من خمسة عشر دقيقة وهو يُتمتم هكذا, يرفع صوته قليلاً بين حين وآخر فيستمعون إلى آية قرآنية يعرفونها ثم يعود ليخفض صوته مرة أخرى فلا يُدركون بماذا ينطق لسانه !

انتهت الدقائق بشق الأنفس, وما كاد أن يرفع يده مُلقيًا المنديل فى الإناء البلاستيكي حتى حدث اشتعال طفيف, شهقت معه والدة هشام عاليًا وقد اتسعت عيني هشام عن آخرهما, بينما الشيخ عبد الفتاح يُطفىء الشعلة الطفيفة التى حدثت ثم يرفع رأسه إلي هشام قائلاً:

- روح زوجتك الميتة تسكن خزائن ملابسكم, وهى غاضبة للغاية !

وضعت والدة هشام يدها على صدرها فى محاولة كسيرة لتهدئة خفقاته, وعندما وقعت عيناها على نظرات جدايل تملكت منها الدهشة, لقد كانت تنظر إلى الإناء ببرود وكأنها تشاهد عالم آخر موازي, لم تتأثر !, لم تكن هى وحدها التى تراقب عيني جدايل, بل كان الرجل يفعل نفس الشىء, وحين تكلم وجه حديثه إلى هشام وقال:

- أعتقد أن زوجتك المتوفاة بدأت تحضر بيننا

قطعة من الجليد انسابت فوق عموده الفقري وانحدرت إلى أسفل قدميه مثيرة زوابع مخاوفه فارتعش جسده بالكامل وبدأ يشعر بذراعيه تنحل دون إرادته ببطء من حول جسد جدايل التى تنظر إلى الجميع نظرات مبهمة كطفل لا يعي شيئًا مما يدور حوله, صار هشام مسلوب الإرادة, مستقبلاته العصبية فى إجازة مفتوحه, ففتح الشيخ عبد الفتاح الزجاجة وناولها إلى هشام وهو يأمره أن يسقيها منها ثم يسقي والدته جرعة ماء واحدة, فهى الأخرى مُعرضة للأذى, فعل هشام ما أراده وأخذ يسقيها بيدٍ مرتعشة, ثم أرسلها عن طريق عنبر إلى والدته, فشربت منها دون حساب, نهض الشيخ عبد الفتاح وأخذ يدور فى غرف الشقة مُجددًا وهو يُتمتم من جديد, من غرفة لأخرى ببطء رتيب والدقائق تمر ساخرة من الجميع, ثم رجع إليهم ثانية وهو يُشير إلى هشام بأن يوقف زوجته بمنتصف الردهة ليبدأ القراءة عليها, كان هشام يفعل ما يقوله الرجل وكأنه دخل في حالة تنويم مغناطيسي, خوفه هو الذى يحركه لا إرادته, أوقفها بالمنتصف تمامًا وما إن بدأ يقرأ حتى سقطت على ركبتيها وأخذت تضحك كالمجانين, هو مُستمر بالقراءة وهى مستمرة بالضحك الذى يعلو أكثر فأكثر حتى تحول إلى نشيج وبكاء ثم أخذت تنادى وتتحدث بكلمات تائهة متقطعة:

- هالة .. لم أفعل .. انتظروني .. أبى

كان هشام يتابعها وهو لا يشعر بالدموع التى انسكبت على وجنتيه, ماذنب تلك المسكينة في كل ما يحدث, هو الذى تزوجها وأدخلها بيته وهو المُهدد الآن بفقدها, وأخذ يهمس دون وعي منه:

- أرجوكِ يا هالة اتركيها, انتقمي مني أنا, فأنا المذنب الوحيد هنا

وفجأة صرخت عنبر عندما سقطت والدة هشام بين يديها, أسرع هشام إليها يجثو بركبتيه بجوارها ينظر إلى شحوب وجهها, ناداها فلم تُجبه, تلمس النبض بعنقها فوجده يضعُف ويتباطأ شيئًا فشيئًا, بينما عيناها جامدتان وأنفاسها تتسارع وكأنها تتنفس من سَم الخِياط, تُصارع الحياة, وقتها نسي زوجته التى تَهذي, العالقة بين عالمين, وعنبر التى تكتم صرخاتها بكفيها وبات وجهها كالأموات وهى تنظر إلى عبد الفتاح الذى كان يبحث عن زجاجة المياه ويَدُسها بسترته قبل أن يفر هاربًا, كل الصور تتحرك من حوله ببطء قاتل، كـ بطء نبضات والدته فى تلك اللحظة, والتى تُنبئه بأنها ستتوقف ساكنة بين ثانية وأخرى .

ربما يحلُم بعضنا بالموت, ولكن مواجهته فعليًا, تجعل مقارنته بالحلم أمر سخيف!. عرض أقل


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات