القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية #وقالت_لي .. الفصل رقم 1.. دعاء عبد الرحمن

رواية  #وقالت_لي .. الفصل رقم 1

#وقالت_لي


- لماذا تبكين؟!

اعتدل هشام فى فراشه على جانبه الأيمن بقلقٍ نحو هالة المستلقية بجواره وهى توليه ظهرها ولكنها لم تجبه, كاد أن يشك بنومها ولكنه متأكد من سماع نهنهاتها المتواصلة منذ ثوانٍ, فأعاد سؤاله مجددًا وهو يتلمس كتفها فاعتدلت مستلقيةً على ظهرها وأدارت رأسها نحوه قائلةً بصوتٍ مختنقٍ:

- لا شىء, عُد لنومِك

نبرة صوتها المتقطعة أكدت له بكاءها فتنهد بقوةٍ قبل أن يمسح أثرَ النوم عن وجهه بكلتى يديه ثم قال بنبرةٍ يشوبها الحنو:

- تعلمين أننى لا أستطيع النوم وأنتِ تبكين هكذا؟

خُيل إليه أنها ابتسمت ساخرةً وقالت بصوتٍ حزينٍ شارد:

- منذ متى وبكائى يمنعك من النوم يا هشام؟!

زفر حانقُا وهتف فجأةً وقد اختفى كل أثرٍ للتعاطفِ معها:

- وهل النوم جريمة هذه الأيام, ألن ننتهى من تلك الاسطوانة أبدًا

غطت أذنيها بكفيها بينما أعاد هو زفرته بقوةٍ وهو يحك ذقنه الحليقة بأصابع مضطربة ويعود ليستلقى على ظهره ناظرًا لسقف الغرفة واضعًا كلتى يديه أسفلَ رأسه بصمتٍ .

وقتها لم تكن تعلم هي أن سكونَه كان ظاهريًا فقط ولكن بداخله صراعٌ محتدم, لماذا لا تستطيع سماعَ صمته؟! كلما أراد ضمها دفعته بكلماتِها, لماذا ترحل بأفكارها البائسة بعيدًا عن نيتهِ الطيبة نحوها, إنه يهتم, ولكنه لا يستطيع أن يُظهر اهتمامه كما يجب ولا يعلم لماذا, كلما حاول تراجع وكأن هناك ما يدفعه بعيدًا عنها, هل لأنها هى من تطلب الاهتمام؟, تطلبه بشغفٍ يجعله يخشى التقصير!, تقصير صاحبه لسنوات زواجهما منذ بدايته لا يعرف أسبابه ولا كيف يتخلصُ منه

طال صمته ولم تجدْ هالة ما تمنتْ أن تجده, فسالَ دمعُها بغزارةٍ أكثر وبصمتٍ أكبر وعادت توليه ظهرها, والهوة بينهما تتسع أكثر فأكثر, وكأن كلاً منهما انعزل تمامًا فى جزيرةٍ نائيةٍ عن الآخر. هو حتى لم يكرر لمسته, وكأن لمسَته الأولى لم تكن سوى حركةٍ روتينية لا روح فيها, إنه مازال يسمعها تبكى, فلماذا لا يخرجها من عذابها ويجذبها رغمًا عنها بين ذراعيه لتستكين, مؤكدًا لها بأنه لا يسأل عن بكائِها من بابِ الواجب وفقط كما تظن, لماذا لا يُصِر؟, إنها تنتظر إصرارَه لتشعرَ بأهميتها لديه, نعم ستدفعه وتهتف بعدم رغبتها فى الاقتراب منه, لكن بداخلها تصرخ فيه أن لا يستمع إليها, أن يضمها ويمسح شعرها مُعلنًا حبَه وملكيته لها, لماذا لا تتحرك يا هشام؟, لماذا، إن لم أخبركَ بسببِ بكائى تتركنى وتصمت؟.

أنا لا أريد الحديثَ فلربما لا أعرف سببًا حقيقيًا لدموعى, فقط أريد أن أشعر بدفء قربك, بلهفتك على ضمي ولو بالقوة!, أريد أن أنامَ على ذراعك لا أكثر, أنتظرُ فقط أن تُصِر, فما الذى يدفعك بعيدًا بكل هذا البرود؟!

شعرت بكلماتها التى تدور بداخلها تتعاظمُ أكثرَ فأكثر مع تواصلِ صمته, تخنقها وتمنع عن رئتيها الهواء, بدأت تتنفس بصعوبةٍ واحتقنَ وجهُها وكأن هناك منْ ينفثُ بوجهها نيراناً مشتعلة, الحنقُ يغلى بصدرها يكويها والغُصة المُسننة تتلوى بحلقها كالحية, وبدون مقدمات نهضت جالسة فى محاولة ضعيفة للتنفس بسهولةٍ أكثر, لحظاتٌ أخرى مرتْ وهو يكتفى بالنظر نحوها دون أن يُحرك ساكنًا مستمعًا لأنفاسها العنيفة تحاربها, كل ما فعله أن قال برتابةٍ وهو مازال قابعًا فى مكانه:

- هل أفتحُ لكِ النافذة؟ .

صقيعُ كلماته رمى بها بين ثلوجِ عدم اكتراثه بعنفٍ فتجمدت للحظاتٍ قبل أن ينفجرَ بركانُ يأسها بوجهه كالعادة. وجدت نفسها تهتفُ باكيةً بلا مقدماتٍ وهى تهوى من فوق الفراشِ على ركبتيها:

- لا, لا أريد منك شيئًا, عُد لأحلامك السعيدة, عُد لصمتك المطبق هذا, لا تتعب أحبالك الصوتية لأجلى

ما إنْ انتهت حتى شعرت بدقاتِ قلبها عنيفةً مؤلمةً مما دفعها للسكون تمامًا لعل الألمَ يهدأ, فى نفس الوقت الذى هبَّ فيه هشام جالسًا وهو يستغفر بصوتٍ مرتفع ويمسح وجهه بعنفٍ مُمررًا أنامله فوقَ شعرهِ القصير للغاية عدةَ مراتٍ, لا يعلم ماذا يفعل, لقد سألها وهى لم تجبه فلماذا تصرخُ هكذا؟!

طرْقاتٌ صغيرة على باب الغرفة جعلها تتحملُ آلامها وتنهضُ مسرعةً لتفتح البابَ لتجد خلفه ابنتيها تفركان عينيهما بقبضتيهما وقد استقيظتا فزِعتين على أثر صوتِ صراخِ أمهما الذى عبرت حممَهُ إلى غرفتهما كما يحدثُ دائمًا, ضمتهما فى صدرها وغادرت معهما لتقضي الليلة بينهما تاركةً خلفها زوجها جالسًا مكانه دافنًا رأسه بين كفيه وقد نفدتْ طاقته لهذا اليوم, لحظاتٌ قليلة مرت قبل أن يصلها صوتُ شخيره المتواصل وكأن شيئًا لم يكن, يا للرِّجال !!

- لماذا تبكين ؟ هالة .. هالة !

انتفضت هالة من شرودها لتجد دموعها تملأُ وجهَها وهشام يهزها قليلاً وهو يسألها عن سبب بكائها, تنفست بعمقٍ وهى تغلق عينيها وتضغطهما بقوةٍ, لقد شردت فى مشهدٍ تكرر كثيراً فيما مضى, تبكى فيسألها - إن كان مستيقظاً - عن سببِ بكائها مانحًا إياها تعاطفًا روتينيًا متكررًا, فيتجادلا ثم صراخاً باكياً يكاد يمنع عنها الهواء وأخيرًا تذهب لتنام مع الأطفال ليعود هو وينام وكأن شيئًا لم يكن. وعندما يستقيظ صباحًا يذهب لعمله سريعًا دون أن يكلف نفسه عناء الاطمئنان عليها, هذه هى عادته عندما يتشاجرا, يتجنبها حتى يعود من عمله ثم يبدأ بمصالحتها معتذرًا وبوعد يقطعه على نفسه بأنه لن يكرر ما حدث وسيهتم فى المرة المقبلة, وسترى !

أما الآن وبعد أن اكتشفا مرضها الخبيث تغير الوضع قليلاً, أصبح يهتم, يحاول تعويضها عن إهماله لها لسنوات وهو يعلم أنها ستفارقه للأبد, التفتت نحوه تعلو شفتيها ابتسامة شاردة لتجيبه مطمئنة إياه:

- لا شىء, أنا بخير

ضمها قليلاً وهو يتساءل بقلق وإلحاح:

- لقد كنتِ تبكين بقوة ولا تستجيبي لنداءاتى المتواصلة!.

راقبت نظرة الشفقة المشوبة بالقلق فى عينيه وسؤال متفجر يدور بقلبها, أيجب أن أموت يا هشام لتبدي اهتمامًا بي؟, ولكنها منعته بقوة وهى تُطبق فكيها بارتعاش قبل أن ينطلق لسانها به, وماذا يفيد العتاب الآن؟!, لا وقت لديها لتقضيه فى تعذيب نفسها ومن حولها بعتاب أجوف منتظرة أعذارًا واهية قائمة على الشفقة فقط .

وجدت يدها ترتفع تلقائيًا لتربت على يده الساكنة فوق كتفها بتسامح قائلة:

- ربما كنت أحلُم, لا عليك عُد لنومِك, سأنهض لأصلي قليلاً

نهضت متهدلة الكتفين وقبل أن تصل لباب الغرفة سمعته يقول من خلفها:

- لا تتأخرى, سأنتظرك

أومأت برأسها دون أن تجيب وخرجت من الغرفة مغلقة بابها خلفها موقنة بأنه لن يفعل! .

***


استيقظت هالة صباحًا وهى تشعر بإرهاق بالغ يسري بجميع أنحاء جسدها ورغم ذلك نهضت بصعوبة لتستعد لتجهيز طفلتيها لتذهب بهما لدار الروضة كما هو المعتاد يوميًا. بحثت عنه فى أرجاء الشقة فلم تجده, لقد غادر إلى عمله باكرًا جدًا, وفى طريقها إلى الطابق الثانى نزولاً وهى تُمسك بطفلتيها بعناية وجدت حماتها العجوز تخرج من شقتها وتُتمم على غلق الباب جيدًا ثم تسحب وشاحها المنزلق دائمًا ليغطى مقدمة شعرها بعناية ثم تُخرج محفظة جلدية سوداء من جانب جلبابها المنسدل على جسدها باستقامة لتدُس بها المفتاح وتُغلق سحابها بحرص وكأن بداخلها كنزٍ ثمين. ألقت عليها هالة تحية الصباح فالتفتت إليها أم هشام وهى تجيب باعتيادية وتنحني بصعوبة لتقبل الطفلتين بحنو مربتة على شعريهما قبل أن تعتدل بصعوبة أكبر وهالة تسألها عن وجهتها باكرًا هكذا, فقالت أم هشام وهى تضرب الأرض بخفة بعكازها:

- ياسين جارنا أخبرنى منذ أيام عن مركز للعلاج الطبيعى, فيه طبيبة تعالج الخشونة بالحجامة ولكنها لا تعمل إلا صباحًا فقط

- ياسين الممرض؟!

أومأت أم هشام برأسها بإيجاب قبل أن تقول مردفة:

- نعم هو, إنه يمدح فيها بشدة وفى زوجها الدكتور بلال, وأكد لي بأن شفاء ركبتي على يديها بإذن الله

مطت هالة شفتيها بتفكير وهى تعرض خدماتها قائلة:

- ما رأيكِ أن تنتظري حتى أعود لأصطحبكِ إلى هناك؟

تبسمت أم هشام وهى تراقب الإرهاق والمرض الباديين على ملامح هالة المُتعبة ثم قالت:

- لا داعي يابُنيتي, المركز لا يبعد عن هنا كثيرًا, فقط بضعة دقائق

تقبلت هالة رفض حماتها بسعة صدر فهى لم تكن متحمسة من الأساس, نعم هى تود مساعدتها ولكن تلك المشاعر الجديدة التى ربطتها بحماتها لم تعتد عليها بعد, لقد كانتا كقط وفأر منذ شهور قليلة فقط, ولكن فجأة بعد أن علمت حماتها بمرض هالة المُميت تبدلت تمامًا وصارت لها أمًا رؤومًا, أغدقت عليها من حنانها وكأنها تودعها, وبعد أن كانت نظراتها لها فى السابق تحمل عداونية في طياتها, صارت نظرات مشفقة رحيمة. فجأة تذكرت أنها يتيمة وأن لا أهل لها فقررت أن تكون هى أمها وتحيطها بحنان العائلة !. لماذا لا نرحمهم إلا بعد علمنا بموعد ذهابهم؟!, وكأن الموت يحتاج إلى تحديدِ موعد لنتأنق !.

***

تنهدت والدة هشام بارتياح وهي تضيق عينيها بتركيز وتعدل من وضع نظارتها السميكة القابعة فوق عينيها وقد انتهت للتو من قراءة اللافتة الكبيرة لمركز العلاج الطبيعي الذي لا يبعد كثيرًا عن منزلها, هو يعد تقريبًا فى نفس الحي البسيط. دلفت من باب المركز وقد وجدت ما أبلغها به ياسين من قبل متجسدًا أمامها, صالة استقبال كبيرة مزدحمةً بالنساء اللاتي يرغبن في العلاج بالحجامة فى هذا الوقت من الصباح وثلاث غرف خلف ثلاثة أبواب لا تعلم أيهم وجهتها ومكتب عتيق فى مواجهة الباب تمامًا يتناقض حجمه مع الدفتر الوحيد الموضوع فوقه ولقد استنتجت والدة هشام أن هذا المكتب لـ ياسين يدون به أسماء المرضى كما هو الحال، تلفتت يمينة ويسرة باحثة بعينيها عنه حتى وجدته عائدًا من حجرة جانبية صغيرة لم تلحظها من قبل وبيده كوب من الشاى الساخن تتصاعد أبخرته بسباق لا ينتهي، وما إن رآها حتى أقبل عليها بابتسامة مرحبة قائلا بخفوت:

- الحمد لله أنك قد أتيت باكرًا يا أم هشام, لقد حجزت لك أول كشف, الدكتورة عبير وصلت ودخلت حجرتها للتو

أخرجت والدة هشام حافظتها الكبيرة وهي تسأله عن ثمن الكشف ولكنه وضع يده سريعا على حافظتها ليمنعها قائلاً:

- الدكتورة عبير لا تأخذ أجرًا على عملها هذا يا حاجة, فهى تهب ثوابه لحماتها رحمها الله

رفعت والدة هشام حاجبيها بدهشة متعجبة قبل أن يشير إليها ياسين بالدخول وهو يتقدمها بخطوة واحدة، وعندما دلفت داخل حجرة الكشف وأغلق ياسين الباب خلفها بحرص. استقبلتها عبير ناهضة تجاهها من خلف مكتبها الصغير القابع فى زاوية بعيدة عن باب الحجرة بابتسامة مشرقة لتأخذ بيدها لأقرب مقعد أمامها .

عاينت والدة هشام عبير وغطاء وجهها الذي ألقت به خلف رأسها بأناقة وهى تقدر عمرها بأنها لم تتجاوز العقد الثالث بعد من عمرها وتمتمت بفضول:

- أنتِ الدكتورة عبير؟!

ضحكت عبير ضحكة صغيرة خافتة وهي ترى نظرات الفضول المصحوبة بالدهشة التى تُطل بضراوة من عيني المرأة وقالت بتفهم:

- نعم أنا هي, ولكنني لست بطبيبة

وعندما رأت حاجبي والدة هشام ينعقدان وتغضنت زوايا عينيها باتهام, قالت شارحة:

- زوجي الدكتور بلال طبيب وهو فى الأصل صاحب هذا المركز للعلاج الطبيعي ولكن عمله هنا لا يبدأ إلا بعد صلاة المغرب بقليل, وقد منحني دورات عدة في العلاج بالحجامة وأجازني فيها.

تنفست والدة هشام الصعداء وقد اطمأنت بعض الشىء وهي تسترخي قليلاً ثم بدأت في شرح ما يؤلمها وهي تستند بكفيها على ركبتيها وعبير تستمع إليها بإنصات، وهى تشرع في العمل على الفور بأصابع مدربة خبيرة, بينما والدة هشام تطلق العنان لذكرياتها وهي تحكي لها باستفاضة عن شبابها وصحتها التي ولت في تربية ولدها وابنتها التى تقطن بعيدًا عنها مع زوجها، وكيف جاءت زوجة ابنها لتأخذه منها هكذا دون تعب, وأخذت تقص عليها وكأنها تعرفها منذ زمن طويل المشاكل التي دبت بينهما حتى اضطر هشام إلى تأجير الشقة الشاغرة في الطابق الذي يعلوها لفصلهما عن بعضهما البعض .

استشفت عبير من حديث المرأة عدم تقبلها لزوجة ابنها فقالت وهي تتابع عملها بتلقائية:


- أتعلمين يا خالتي, زوجي الدكتور بلال وحيد أمه, وكنت أرهبها في البداية ولا أعرف كيفية التعامل معها, ولكنها احتضنتني كابنة لها وصارت لي أمًا ثانية, هي من علمتني كيف أعمل لخدمة الناس دون انتظار مقابل وساعدتني في تربية أولادي الأربعة بكل حب وصبر, وعملت معي هنا ودربتني كثيرًا حتى أصبحت خبيرة في هذا المجال, وعندما توفاها الله افتقدتها كثيرًا وبكيتها أكثر من وَلَدَها نفسه, وكلما أسجد بين يدي الله فى صلاتي أتذكرها في دعواتي أكثر من والدتي الحقيقية .

تنهدت والدة هشام وهي تمصمص شفتيها وتترحم على الفقيدة ثم قالت وهي تحرك رأسها وكأنها تدافع عن نفسها:

- والله يا ابنتي لقد عاملتها بالحسنى, لولا تأخر حملها لسنة كاملة ورفضها الذهاب للطبيبة لمعرفة سبب تأخر الحمل, فصارت العلاقة بيننا سيئة للغاية, وحتى بعدما حملت بطفلتيها لم نتصافى أبدًا إلا بعد أن علمت بمرضها المميت وبأنها موشكةً على لقاء ربها .

رفعت عبير وجهها مصدومة, سيظل الموت هو الحقيقة الوحيدة فى حياتنا, نؤمن به وننتظره, وبالرغم من ذلك يصدمنا عندما نشتم رائحته حولنا, أطرقت برأسها, تزفر بهدوء وتحرك عنقها يمنة ويسرة بشفقة وهى تتخيل كيف ستفارق أمًا ما أطفالها فى مثل هذا السن المبكر جدًا وهى على علم بذلك, فهى أم وتدرك كيف هو شعور الأم عندما يتعرض الأمر بمستقبل أطفالها, لانت ملامح عبير بتسليم لقدر الله, متمتمة:

- لا حول ولا قوة إلا بالله, عافاها الله من كل سوء, وحفظها لأطفالها

تنهدت والدة هشام وصمتت للحظات ولكن صمتها لم يدم طويًلا وعادت لتستكمل حكيها حتى كادت عبير أن تنتهي من عملها, لم يوقفها إلا رنين هاتف عبير الذي أصر أن تجيبه بإلحاح، راقبتها المرأة بإنصات فضحه تركيز ملامحها الشديد معها وهي تتحدث إلى زوجها بخفوت ووجهها يتلون باللون الوردي المحبب، وما أن لاحظت عبير تنصتها عليها أنهت المكالمة سريعا هامسة له بخفوت:

- سنرى حكاية ضميرك هذا فيما بعد, لدي عمل الآن, مع السلامة .

أنهت المكالمة وهى تحيد بنظرها عن والدة هشام التى رفعت حاجبًا واحدًا بإدراكِ مصطنع وكأنها علمت ما دار بينها وبين المتصل من تورد وجهها, وقبل أن تعاود عبير إنهاء عملها قالت بابتسامة موضحة:

- إنه زوجي

عادت المرأة تتنهد مجددًا وهى تهز رأسها بثقة فى تخمينها السابق ثم

عقبت وهى تعتدل فى جلستها بحكاية أخرى عن إحدى مشاكل ولدها مع زوجته بسبب عدم مهاتفته لها ليطمئن عليها خلال فترة عمله الذى تدوم اليوم كله وضيقها بمكالمته الوحيدة التى يفعلها فقط وهو عائد من عمله ليسألها عن المشتريات الضرورية للمنزل

ضحكت عبير بخفة وهي تنهي عملها وتنهض قائلة:

- أنا وزوجي حالة عاطفية خاصة, من الظلم القياس عليها, ولكن أصدُقكِ القول مكالمته تلك تمنحني دفعة قوية جدًا لاستكمال مهامي اليومية بحماس متدفق

ارتكزت والدة هشام على عكازها ناهضة وهى تُتمتم غير معجبة بما سمعت للتو:

- بنات آخر زمن

احتضنت عبير كتفيها مودعة إياها وهي تذكرها بالتعليمات الواجب اتباعها بعد الحجامة, ثم تحركت والدة هشام نحو باب الحجرة ببطء مطرقة برأسها وكأنها تفكر بأمر هام وما أن أمسكت بمقبض الباب حتى التفتت فجأة تجاه عبير متسائلة:

- ألا تدلينني على عروس مناسبة لظروف ولدي هشام

اتسعت عيني عبير بدهشة مأخوذة وهى تهتف غير مُصدقة:

- ماذا ؟!

الفصل الاول : وصية بين القبور


3-


أدخلت هالة طفلتيها إلى دار الروضة, عند الباب الخارجي تشير إليهما بابتسامة وعندما تسابقتا إلى رؤى ومُعلمة أخرى كانت تقف بجوارها, انحنت رؤى إليهما محتضنة جسديهما الصغير بين ذراعيها وعندها استمعت إلى نداء هالة لها وهى مازالت واقفة عند باب أولياء الأمور الخارجي:

- رؤى !!

التفتت رؤى والمُعلمة الأخرى نحو الصوت, وخطفت رؤى نظرة مرتبكة إلى هالة التى كنت تشير إليها بابتسامة صامتة متسائلة عن تجاهلها فأشاحت بوجهها وكأنها لم ترها، هاربةً مما تُتَوق إليه!. بينما أخذت المُعلمة الأخرى الأطفال إلى الداخل, تبعتهم رؤى مُغلقة الباب الداخلى للدار خلفها وكأن شيئًا لم يكن !.

تلاشت ابتسامة هالة وزاغت نظراتها مفكرة، هل قررت رؤى الرفض لذا لا تريد أي تواصل معي ولو حتى بنظرة؟!, نفضت الفكرة عن رأسها سريعًا وهي تضع خيارات أخرى، ربما انشغال رؤى في بداية يومها بالأطفال هو السبب في تجاهلها لها !!

وعندما ذهبت لاصطحاب الأطفال في نهاية اليوم فعلت رؤى نفس مافعلته في بدايته, فتجنبت الحديث معها منصرفة بخطوات مضطربة بعيدة عنها. عاينتها هالة من الخلف وهي تلحظ مشيتها المتوترة ونحولها الشديد وملابسها الغير مهندمة حائرة بداخلها عن تلك الحالة المذرية الواضحة على رؤى، ترى هل تعاني من اكتئاب ما, وما السبب؟, هل هو عرضها الذي عرضته عليها بين المقابر؟ أمعضلة هو إلى هذا الحد؟

ولكنها لم تيأس, ظلت منتظرة بالحديقة الصغيرة الداخلية التابعة لروضة الأطفال حتى رأت رؤى تخرج من الدار مُعلقة حقيبتها فوق كتِفها, مُتشبثة بحزامها الجلدي كأنها توازن منكبيها, نهضت هالة على الفور وهى تنادى على طفلتيها لتأتيا إليها وهما تتصايحان لهوًا مما جذب عيني رؤى إليهما فتوقفت خطواتها دفعة واحدة وقد أيقنت بأن هالة مازالت تنتظرها بإصرار. تلك المرأة لا تستلم أبدًا, حتى الوهن والضعف الباديين عليها لم يجعلاها تتراجع عما تريد. هل معرفة موعد الموت كافٍ ليتمتع الإنسان بقوة لم يكن يملكها من قبل وكأنه لم يعد يهاب شيئًا بعده!, بل يصبح الخوف فى ذاته كلمة باهتة لا حياة فيها, تختفى كل المعانى أمامه ولا يبقى سوى انتظار مواجهته وجهًا لوجه .

تنحنحت رؤى وهى تهرب بوجهها من هالة التى تقترب منها بابتسامة ضعيفة وخطوات واهنة, لم تستطع صد تلك الأسئلة فى عينيها, ولم تكن تملك الإجابات, لا تعلم لماذا تضطرب ولا ممن تهرب, ربما لأنه لاح لها أمل جديد فى تغير حياتها نسبيًا إذا وافقت والدتها على الانتقال لشقة أخرى خالية من ذكريات مُعذبة كما أخبرها الطبيب. تشعر أن اقتلاع جذور شجرة ضخمة قديمة هو أهون بكثير من حمل والدتها على ترك منزلهم !

- حسنًا, لو كان عرضى الذى عرضته عليكِ من قبل هو سبب تحاشيكِ لقائي فاعتبريه كأن لم يكن

رفعت رؤى عينيها وقد صدمتها عبارة هالة القوية وقبل أن تجيبها تغيرت نبرة هالة وأطل الحنان من نظراتها الطويلة وهى تقول مستدركة بمرح:

- لكنني لن أتنازل أبدًا عن صداقتنا التى لم تبدأ بعد

سارت رؤى بجوار هالة والفضول يكاد تنطق به خطواتها المتوترة, وفجأة قررت البوح بما يعتمل بصدرها بتلقائية ودون تخطيط فتوقفت واستدارت نحو هالة متسائلة بفضول:

- هالة, التعب والوهن يظهران عليكِ بوضوح ورغم ذلك صممتِ على المشيَ معي حتى منزلى فلماذا؟!

رفعت هالة كتفيها وهى تستكمل سيرها فتجبر رؤى على اللحاق بها وهى تقول بلامبالاة:

- لاشىء, أود أن أتعرف على مكان سكنك فقط ونتحدث قليلاً أثناء سيرنا, أما التعب والوهن فهما يلازمانى دائما لعدة أيام بعد جلسة العلاج الكيميائى فهى مرهقة جدًا .

زمت رؤى شفتيها بتعاطف ثم تابعت بفضول أكبر على غير عادتها:

- هل حقاً ليس لكِ أخوة أو أقرباء كما قلتِ من قبل

ظهر شبح ابتسامة على شفتي هالة وأطرقت برأسها قليلاً قائلة بشرود:

- الأقرباء والأخوة يا رؤى هم من تجدينهم دومًا متى احتجتِ إليهم, أما من لا يدرون شيئًا عن عذابك, عن معاملة زوجك لكِ, عن حاجتك إلي عائلة, إلى وجودهم حولك ليشدوا من أزرك إذا مالت بكِ الدنيا, عن شكوى تودين أن ترميها بحجر أحدهم ليحتويكِ بعدها بتفهم فتعودين بعدها لحياتك وكأن المعاناة لم تكن, من لا يفعلون ذلك يا رؤى حتى لو علموا بموتك فلن يفعلوه مع أطفالك, هم ليسوا بأقرباء, هم فقط رحم, لا نقطع صلتنا به, فقط ابتغاء مرضاة الله .

شعُرت رؤى بكل كلمة ألقتها هالة للتو على مسامعها, لا لم تشعر فقط, بل تعايشت معها بكل جوارحها حتى الغصة التى تخنق كلمات رفيقتها تذوقتها واستشعرت وخزتها بحلقها, وتسائلت بداخلها, تُرى هل تواجد أقرباء من حولنا له أهمية كبيرة لهذه الدرجة؟, هل لو كنت أمتلك أحدهم كنت سأستعين به على علاج والدتي وربما تتغير حياتي؟.

***


استندت هالة إلى ذراع زوجها وهو يأخذها إلى أحد المقاعد الخشبية المتهالكة بجانب ذاك الجدار الشبه متهدم بداخل تلك المشفى الحكومي فى انتظار دورها لجلسة علاج كيميائية أخرى كما حدد لها الطبيب, حاولت هالة كتم أنفاسها قدر المستطاع فالمقعد بجواره كومة من نفايات المشفى التى تُلقى فى ساحتها الخارجية بإهمال دون مراعاة لهدف المشفى المنطقي وهو علاج المرضى لا جلب الأمراض إليهم. أخذ هشام يتفحص تذكرة العلاج مجددًا بينما ركزت هالة بصرها وسمعها من تلك المجموعة التى تقف بجوارهم وقد تباينت أعمارهم ما بين عجوز وشاب فى مقتبل العمر وآخر مازال بمنتصفه. جذبها حديثهم وكل منهم يحكي وجعه وآلامه, وكأن مشاركة الآلآم تخفف بالفعل من شدة وطأتها, عكس السعادة التى تزداد وتكبر عندما نتشاركها مع الآخرين. كان الرجل العجوز يشد على كف زوجته بداخل كفه وكأنه يدعمها ويؤكد لها أملاً احتل نظراته دومًا وهو يتحدث إلى المرأة الأربعينية التى تقف مواجهة له قائلاً لها وهو يشير لزوجته:

- لا تبتأسي وتعلمي الصبر من زوجتي, هل رأيتِ يومًا امرأة مصابة بذاك المرض وفى قمة الصبر والثبات مثلها, أشعر أن المرض سييأس منها ويرحل دون رجعة, كيف له بمواجهة تلك المحاربة!

ابتسمت زوجته العجوز وهى تنظر له بامتنان وتتنفس بمجهود بالغ, ربما هى تعلم أنه يسعى إلى ابتسامتها أكثر من بحثه عن علاج مرهق فى ذاك السن الطاعن.

راقبت هالة البسمة التى علت وجه الشاب الأسمر الطويل الذى يقف بجوارهم والأمل الذى رسم خطوطه فى مقلتيه وهو ينظر إلى الرجل وزوجته بتفاؤل وكأن لسان حاله يقول:

- لو كانت تلك المُسنة قادرة على هزيمة المرض فمن باب أولى أن أفعل أنا

عادت هالة بعينيها إلى زوجها المنشغل بالنظر إلى بهو المشفى الظاهر أمامه وانخفضت نظراتها إلى يديه المعقودتين فوق صدره ثم تحركت ببصرها إلى يديها الفارغتين فوق قدميها وهى تتسائل عن ماهية الدفء الذى يسري الآن بكف المرأة العجوز. ترى ماهو شعور الدفء ذاك, ماهذا السر الذى ستظل دومًا تجهل معناه, لماذا يظن هشام بأن الاهتمام فقط فى مصاحبتها لجلستها العلاجية, وهو صامت, متباعد, شاردًا فى الفراغ, متجهم الوجه, خاوي النظرات وكأنه ينتزع منها صبرها ليضع عوضًا عنه يأسه وخوفه من المستقبل. ألتفت هشام إليها فجأة وشاهد نظراتها متمركزة فوق يديه بشرود, اقترب منها قليلاً, راقبت هالة يده وهى تتجه نحوها, هل فهم أخيرًا ماذا أحتاج, هل سيدعمني الآن؟, سيمسك بيدي, لا .. سيضم كتفي بساعده إلى صدره. إلا أنها أغمضت عينيها بيأس عندما استند بيده إلى ظهر المقعد المتهالك من خلفها وهو يميل نحوها قائلاً بغيظ:

- تلك الممرضة هناك مستفزة للغاية, سألها أحدهم عن شىء ما فصاحت بعصبية دون مراعاة كهولته ولا مرضه الواضح عليه والشمس الحارقة التى نقف جميعًا أسفلها منذ ساعات وكأننا نعمل خدم لديهم هنا, إهمال !! 



هل اعجبك الموضوع :

تعليقات