القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

سوريا التي في خاطري 1 عماد الاصفر

سوريا التي في خاطري 1 

أحب هذا النص الطويل، كتبته اول مرة من تداعي الذاكرة في ليلة واحدة، هي ليلة الثلاثاء 27 آب عام 2013، يومها كانت التهديدات بضرب سوريا قد اخذت منحى جديا جدا، يُذكر بما تعرضت له وآلت اليه بغداد، كتبت قطعة اولى بحدود السادسة مساء، وكانت عن اول مرة سمعت فيها اسم سوريا وانا طفل، يعيش في مدينة الزرقاء الاردنية.
 
احتشدت الذكريات ومنعت النوم، فكتبت نصا ثانيا وثالثا، كنت اكتب وانشر على الفيسبوك، انهيت الحلقة الاخيرة بعد منتصف الليل. وفيها تساءلت عن مصير صديقين اعرفهما هناك، وتقطعت اخبارهما، ولشدة المفاجأة فلقد كانا يتابعان ما اكتب بصمت، فطمأناني عليهما، لكن الطمأنينة على سوريا ظلت بعيدة.  
 
اقوم الآن بإعادة نشر هذا النص، بعد تدقيق تواريخ احداثه، واضافة ما ينفعه، ما استطعت الى ذلك سبيلا، فانا لم ازر دمشق الا في مناسبات قليلة ولفترات بسيطة، واقمت في نقيضها السياسي والحزبي بغداد، غير ان لسوريا بصمتها البارزة سلبا وايجابا على جلد السياسة الفلسطينية، وبصمتها المرئية احيانا، والوهمية احيانا اخرى على حيوات الفلسطينيين ممن لم يزوروها ايضا. . 

دمشق وبغداد بلدان تشابها فينا وتشابها في المآل رغم الاختلاف. اراعي الصدق ما امكنني في ايراد انطباعاتي عن سوريا، في كل مرحلة كما شعرت بها في وقتها، متدرجا في العمر الذي اصبح ورائي الآن وخالطا احيانا دون عمد بين ما كان وما صار عليه وعيي للأحداث. 

الانطباعات اقوى من الوقائع، والذكريات البعيدة اكثر حضورا من الحاضر، اتذكر اشياء بعيدة عن سوريا، ولكنني اعجز الآن عن تذكر ماهية تلك التهديدات التي تعرضت لها سوريا يوم كتابة هذا النص لأول مرة، ولأن اخبار الحاضر ومعلوماته اصبحت من الكثرة والتشعب بحيث يصعب غربلتها وتدقيقها، سنظل ننتظر الزمن، ليحكم على هذا الحاضر من خلال ترسيخ انطباعات دون اخرى في ذاكرتنا الماضية نحو الافول.

اتحايل بهذا النص عبر اضافات لا تهدف لشيء سوى تفريغ جزء من مكنونات الذاكرة والقلب. الكتابة السريعة هي الاصدق في المشاعر والاوضح في النوايا وتبيان المقاصد والمواقف، ولكنها تظل معرضة لخطأ هنا او هناك. اخطاء سيسعدني تلقي الملاحظات عنها من اصحاب الذاكرات السورية وهم كثر.   
 
 يقول ياقوت الحموي عن مدينة دمشق: "ما وصفت الجنة بشيء إلا وفي دمشق مثله"، البيت الدمشقي هو الآخر جنة مصغرة وحميمة، بيوت سوريا كما في لوحة الفنان محمد هشام الخياط تعلمنا ان لا نحكم عليها من الخارج، ففي داخل هذا الهيكل الخارجي المتواضع، ألفة واتساق تعادل كل ثراء، بعض البيوت الاخرى وبعض الناس ايضا ينطبق عليهم قول: "من برة هالله هالله ومن جوة يعلم الله" او يكونون "بلا مخبر ولا منظر" وهذا اسهل لمنع الانخداع بهم. 

سوريا التي في خاطري ليست بعيدة عن بلاد اخرى في خاطري وخاطركم. 
تذكرون دون ادنى شك عددا كبيرا من ابيات قصيدة امير الشعراء احمد شوقي: 

سلام من صبا بردى ارق / ودمع لا يكفكف يا دمشق 

تذكرون معذرة اليراعي والقوافي والجراحات التي لها في القلب عمق، تذكرون ائتلاق الاصيل والوجه ضاحك القسمات طلق، وتذكرون الانباء التي توالت على سمع الولي بما يشق، وتذكرون دم الثوار الذي تعرفه فرنسا وتعرف انه نور وحق، وتذكرون باب الحرية الحمراء الذي بكل يد مضرجة يدق.

اريد تذكيركم بالبيت الواحد والاربعين من بين الابيات الخمس والخمسين لهذه القصيدة، لأننا درجنا على استخدام عجزه دون شطره، ونسينا انه كتب لسوريا رغم انطباقه على غيرها. 

نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا / وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات