القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

في مواجهة مشروع الضم، على طريق طرد الاحتلال

في مواجهة مشروع الضم، على طريق طرد الاحتلال

(1/2)

فهد سليمان

نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية

لتحرير فلسطين

• أحدثت إدارة ترامب انقلاباً في الدور الأميركي الإقليمي، وانتقلت من موقع الوسيط (غير المحايد وغير النزيه) إلى موقع الشريك لإسرائيل في تبني رؤيتها للحل

• يقوم الانقلاب على معادلة جديدة، تجعل من الدور الإيراني الناهض في الإقليمي خطراً على المنطقة العربية بديلاً للخطر الإسرائيلي

• تستدعي المعادلة الأميركية المسماة «صفقة القرن» حل وتصفية القضية الفلسطينية لإفساح المجال أمام تحالف إقليمي، ينقل العلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول العربية إلى مستوى «الشراكات» السياسية

• كشف الشق السياسي لصفقة القرن أن «الضم» هو المحور والعنوان الرئيسي للحل التصفوي للقضية الفلسطينية

• خطت إدارة ترامب خطوات في تطبيق «الصفقة» في قضايا القدس والاستيطان وحق العودة ومكانة اللاجئ وتفويض وكالة الغوث

• استندت «الصفقة» على اعتماد الوقائع المفروضة ميدانياً من قبل الاحتلال أساساً للح بديلاً لقرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة

•مع ولادة حكومة الثنائي نتنياهو – غانتس دخلت القضية الفلسطينية مرحلة الضم في خطوات تمهيدية طالت عدداً من جوانب العلاقة بين الإدارة المدنية للاحتلال والفلسطينيين

• من شأن الضم أن يخلق وقائع ميدانية جديدة في الواقع القانوني والسياسي لوجود الاحتلال والاستيطان وواقع السلطة الفلسطينية ومستقبل وجودها، وكذلك في العلاقة مع دول الجوار ومستقبل قطاع غزة

• اتخذت المؤسسة الوطنية (الوطني والمركزي) قرارات بالغة الأهمية في مواجهة خطة الضم وصفقة ترامب، تشكل أساساً متيناً لموقف وطني ناهض

)على امتداد ما يزيد بقليل عن ربع قرن من الزمن، بدءاً من مفاوضات مدريد – واشنطن (30/10/1991)، وحتى تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة (20/1/2017)، تناوب على ملف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية 4 رؤساء أميركيين: جورج بوش الأب، بيل كلينتون، جورج بوش الإبن، باراك أوباما... وجميعهم فشلوا في الوصول بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى تسوية سياسية.

• رغم انحياز الموقف الأميركي البيِّن إلى الجانب الإسرائيلي، وافتقاده الدائم إلى النزاهة والشفافية والحياد معاً، فإن الإدارات الأميركية المتعاقبة حرصت على الحفاظ على الحد الأدنى من الأسس والمعايير التي أبقت للدور الأميركي موقعه كوسيط مقبول، على عواهنه، من الجانب الفلسطيني الرسمي، ومنها: اعتماد حدود 4 حزيران «مع تبادل متفق عليه للأرض» كأساس لرسم الحدود؛ موقف سلبي من الاستيطان تراوح بين الليونة، كالقول إنه يشكل عقبة أمام الوصول إلى حل، (ما عنى عملياً: القبول به كأمر واقع، مع إبداء عدم الرضا عنه، أو الاحتجاج العابر عليه)؛ وبين التشدد، كالموقف الذي اتخذته إدارة أوباما في مجلس الأمن في تمرير مشروع القرار 2334 (كانون الأول/ ديسمبر 2016) دون إشهار الڤيتو لإسقاطه، وهو القرار الذي يدين الاستيطان، ويعتبره انتهاكاً للشرعية الدولية، ويؤكد على القدس جزءً من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67.

ومن هذه الأسس أيضاً: التمسك بالقرار 242 كأساس ومرجعية للعملية السياسية + حل قضية اللاجئين ضمن خيارات عدة، منها، إلى جانب التوطين (المرفوض بطبيعة الحال)، استيعاب الدولة الفلسطينية لأعداد منهم، مع عودة رمزية، ليس إلا، لأعداد محدودة إلى مناطق الـ 48 + حدود مباشرة لدولة فلسطين مع الأردن، وإن بوجود قوات متعددة الجنسيات على حدود الغور (مقترحات كلينتون)، أو بمرابطة قوات أميركية (مقترحات جون كيري) + القدس موحدة جغرافياً، على قاعدة تقسيم القدس الشرقية سيادياً + الخ..

• لم يقتصر الدور الأميركي على ما ذكر، بل تجاوزه نحو التقدم بثلاث مبادرات، عطلتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، دون استثناء: أ) معايير (parameters) كلينتون في كانون الأول (ديسمبر) 2000، إثر فشل مفاوضات كمب ديڤيد (تموز/ يوليو 2000)؛ ب) عملية أنابوليس (27/11/2007 – مطلع شهر 12/2008) برعاية كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية في الولاية الثانية لجورج بوش الإبن؛ مبادرة جون كيري (2013-2014)، أثناء توليه مسؤولية وزارة الخارجية في ولاية أوباما الثانية.

• كل هذه المواقف والمبادرات (دون أن ننسى «خطة خارطة الطريق» – 2003، التي طواها النسيان، والتي عطلتها حكومة شارون بطرح الشروط الـ 14 التي تقود إلى نسفها)، لم تُثمر ضغطاً فعلياً على الجانب الإسرائيلي، الذي تغطى بالعملية السياسية، في حالتي توقف المفاوضات أو استئنافها، لمواصلة فرض الأمر الواقع بالإستيطان. وفي الوقت نفسه وفّرت العملية السياسية للجانب الأميركي، في معادلات الأطراف العربية المعنية بالمفاوضات، ومعها الجانب الفلسطيني، ميزة موقع «راعي عملية السلام»، بالمكاسب السياسية التي ترتبت عليه.

• بقيت العملية التفاوضية، والجهود السياسية عموماً، تراوح في مكانها، بالنسبة للجانب الفلسطيني، المتراجع تأثيراً في معادلة الصراع؛ بينما هي توفر فرصة تلو الأخرى للجانب الإسرائيلي لبناء وقائع ميدانية، زادت في زرع المزيد من الألغام في حقل العملية السياسية، ما أسهم بمفاقمة تعقيداتها، وانعكس كبحاً لدينامية «الوسيط» الأميركي، وضيّق عليه هوامش الحركة، وصولاً إلى عدم نجاح جهود وزير الخارجية جون كيري في رسم مسار جديد للمفاوضات، يتخطى التعنت الإسرائيلي في رفضه كل المبادرات لوقف الاستيطان، فتحوَّل عدم النجاح إلى فشل مُشهر].

(1)

إدارة ترامب... الإنعطافة الحادة

الدخول في مرحلة الضم

1- مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، في كانون الثاني(يناير) 2017، شهدت السياسة الأميركية في إقليم الشرق الأوسط الكبير (الممتد من سواحل شرق المتوسط وحتى أفغانستان) انعطافه حادة، عكست نفسها بشكل مباشر وشديد الوضوح، على القضية الفلسطينية بأسس وآليات حلَها (بمعنيي الحل والتصفية في آن معاً)؛ فقد رأت الولايات المتحدة أثناء إعادة رسمها لمعادلاتها السياسية في مدى الإقليم، أن الخطر الذي يتهدد مصالحها ومصالح إسرائيل يأتي من إيران، القوة الصاعدة، المتعاظمة نفوذاً في الإقليم، فألبسته لبوس «الإرهاب»، أخذاً بتصنيفات ما بعد 11/9/2001، وعملت من أجل إقامة اصطفاف عربي على هذا النسق، ما تطلب – بدوره – التأسيس لتحالفات (وبالحد الأدنى تقاطعات) تضم تحت مظلتها إسرائيل وبعض الدول العربية.

• في السياق نفسه، رأت الإدارة الأميركية أن القضية الفلسطينية تشكل العقدة الكبرى في طريق بناء التحالفات الإقليمية آنفة الذكر، وأن حل هذه العقدة يشكل شرطاً لازماً لإنجاح مشروعها. من هنا، سارعت الولايات المتحدة، في مؤتمر الرياض، في أيار (مايو) 2017، وبحضور الرئيس الأميركي وممثلي 55 دولة عربية ومسلمة إلى الإعلان، وتبني ما بات يُعرف ويُعرَّف بـ «صفقة القرن» بمساريها: الإقليمي، الرامي إلى إقامة حلف على امتداد المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني ودحره إن أمكن، ومن أطرافه إسرائيل إلى جانب بعض الدول العربية؛ والفلسطيني، من خلال التقدم على طريق حل القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي، واستتباعاً العربي – الإسرائيلي، لإزاحة العقبات أمام التطبيع العربي – الإسرائيلي، وقيام الحلف الإقليمي، مع التنويه إلى أن التطبيع، أو بناء شراكات(!)، هما التسمية الملطَّفة لعلاقات ذات طابع استراتيجي أمني واقتصادي، بين إسرائيل وبين دول عربية بعينها؛ لا بل يذهب البعض (كما حمد بن جاسم، رئيس الحكومة الأسبق في قطر) إلى أن الخطوة التالية بعد الإعلان عن «صفقة القرن»، ستكون «إتفاقية عدم اعتداء بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي»، التي ترتفع عن سوية التطبيع، دون أن ترقى إلى مستوى «معاهدة سلام».

2- قامت الاستراتيجية الأميركية لتطبيق «صفقة القرن» في مسارها الفلسطيني على قاعدة نسف قرارات الشرعية الدولية كأساس للتسوية السياسية، والقبول بالواقع كما هو على الأرض، كحقائق ينبغي التسليم بها لإطلاق العملية السياسية، لا بل إنجازها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وقد جرى تقديم هذه «الصفقة» التي تحوَّلت إلى «رؤية» يتم الإفراج عن عناصرها على دفعات، كل واحدة تقدم لما يليها، عبر 3 محطات رئيسية:

·        الأولى، في 6/12/2017، بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها (14/5/2018)، ودمج القنصلية الأميركية في القدس الشرقية في السفارة، وتحويل وظائفها إلى ملاكاتها، توحيداً للتمثيل الأميركي في المدينة، باعتبارها موحدة وتحت السيادة الإسرائيلية، واعتماد السفارة القناة الوحيدة للعلاقة مع السلطة الفلسطينية، بعد أن كانت القنصلية تضطلع بهذا الدور.

·        الثانية، في 25 و26/6/2018، بانعقاد الورشة الإقتصادية في المنامة، عاصمة البحرين، تحت شعار «السلام من أجل الإزدهار»، باعتبارها الشق الإقتصادي من «صفقة القرن»، والحل الإقليمي للصراع في المنطقة، في استعادة لمشاريع أميركية سابقة وتطويرها، عبر اعتماد الحلول والرُشى الإقتصادية، مدخلاً ضاغطاً لمعالجة قضايا بعض الدول في الإقليم، وخاصة تلك الغارقة في الديون الخارجية.

أما فيما خص الجانب الفلسطيني، فإن المشروع المقدم يلتقي مع مشروع نتنياهو لما أسماه (منذ العام 2009) «الحل الإقتصادي» للقضية الفلسطينية، بدعوى أن هذا الحل يعوِّض عن التمسك بالحقوق الوطنية، فيضحى تعميم الرخاء بين الشعوب(!) هو البديل للصراع حول الأرض، والمياه، والسيادة، والحقوق الوطنية، وتقرير المصير.. في المنطقة.

وكان لورشة البحرين تداعياتها السياسية، باعتبارها شكلت مدخلاً لمرحلة جديدة من التطبيع المعلن، حين حضرت الورشة بعض الوفود العربية إلى جانب الوفود الإسرائيلية التي اتخذت لنفسها صفات مختلفة.

·        الثالثة، في 28/1/2020، بالإعلان الرسمي عن الشق السياسي لـ «رؤية ترامب» (صفقة القرن)، في مؤتمر صحفي عقده الرئيس الأميركي في البيت الأبيض بمشاركة نتنياهو، ومحورها تصفية القضية الوطنية الفلسطينية بكافة جوانبها الوطنية التحررية، في إطار حق تقرير المصير لشعب يناضل من أجل حقوقه، من خلال إقامة معازل حكم إداري ذاتي محدود الصلاحيات في جوف دولة إسرائيل الكبرى. ويشكل «الضم» العنوان الرئيسي لهذا الحل التصفوي، الذي يساوي ضم ثلث الضفة الغربية إلى الكيان الإسرائيلي.

3- تخلل هذه المحطات الرئيسية، وتبعها سلسلة من المواقف والخطوات العدائية تجاه الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، تمثلت بما يلي: أ) إغلاق مفوضية م.ت.ف في واشنطن؛ ب) قطع المساعدات الإقتصادية عن السلطة الفلسطينية؛ ج) إضفاء الصفة الشرعية على الاستيطان من خلال ما بات يُعرف بـ «عقيدة بومبيو»؛ د) الإعلان عن سلسلة مواقف تقود إلى تصفية قضية اللاجئين.

• في موضوع الاستيطان، أسبغت الإدارة الأميركية عليه شرعية قانونية باعتباره «لا يتناقض مع القانون الدولي» على الضد من الرأي القانوني الصادر عن الخارجية الأميركية عام 1978، الذي يصف بشكل قاطع بوضوحه أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 «تتعارض مع القانون الدولي». وفي هذا السياق أتى تصريح مايك بومبيو، وزير الخارجية: «في ضوء الوضع الخاص الذي تنطوي عليه الحقائق، التاريخ والظروف الناشئة في إقامة مستوطنات مدنية في الضفة الغربية، نحن لن نرى بعد اليوم في المستوطنات الإسرائيلية – بحد ذاتها – per se - موضوعاً لا ينسجم مع القانون الدولي» (18/11/2019).

أما ديڤيد فريدمان، السفير الأميركي في إسرائيل، فهو يمضي أبعد من هذا عندما يعتبر أن الفلسطينيين في الضفة مجرد «مقيمين»، إضافة إلى أن فلسطين هي أرض إسرائيل (في كلمته أمام مركز بيغن للدراسات، في 8/1/2020). وهذا، كما جرت الإشارة، ما بات يعرف بـ «عقيدة بومبيو».

• أما في قضية اللاجئين، فقد اقدمت الإدارة الأميركية على الخطوات التالية: أ) الدعوة لإعادة تعريف اللاجيء الفلسطيني ليقتصر على مواليد فلسطين ما قبل 1984، وبالتالي نزع المكانة السياسية – القانونية عن سائر اللاجئين؛ ب) وقف المساهمة الأميركية في تمويل موازنة وكالة الغوث، والضغط على المانحين ليحذوا حذوها بهدف الوصول إلى تجفيف مواردها، ونقل وظائفها وخدماتها إلى الدول المضيفة؛ ج) الضغط على الأمم المتحدة بعدم التجديد لتفويض الوكالة، عملاً بالقرار 302، ما يؤدي إلى حلها رسمياً.

4- الإعلان عن «رؤية ترامب» في 28/1/2020، نقل موضوع الضم في الحياة السياسة الاسرائيلية من الهامش إلى المتن، وشهدت تلك السياسة القائمة على الإستعمار الاستيطاني، أي الإستيلاء على الأرض كأولوية مطلقة، نقلة، اتسمت بمزيد من السُعار في نزعتها التوسعية.

لم تتوقف الإدارة الأميركية عند حدود مباركتها للضم، الذي وسَّعت دائرته ليشمل أراضي الجولان السوري المحتل عام 67، بل انتقلت إلى كونها شريكاً في رسم الخرائط من خلال اللجنة المشتركة الأميركية – الإسرائيلية التي عُهد إليها، بدءاً من 15/2/2020، رسم خطوط الضم في أنحاء الضفة، والفواصل بين مناطق إسرائيل الكبرى، وبين «الكيان الفلسطيني» المحتجز خلف قضبانها.

ورداً على المواقف الدولية التي أجمعت على رفض الضم من روسيا إلى الصين، مروراً بالاتحاد الأوروبي والطيف الأوسع دولياً، تحدى وزير خارجية الولايات المتحدة إرادة المجتمع الدولي (13/5/2020) بالإدعاء: «أن من حق إسرائيل أن تقرر فرض سيادتها على المستوطنات».

• وهكذا تكون القضية قد دخلت مرحلة الضم، ليس في حدود الإعلانات السياسية لأركان الإدارة الأميركية ولبنيامين نتنياهو فحسب، بل أصبح مشروع الضم هو خطة عمل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بين الثنائي نتنياهو – غانتس، تم التأكيد عليه في أول اجتماع لها في 17/5/2020، وعلى أساسه نالت ثقة الكنيست بـ 73 صوتاً، وقد أعلن نتنياهو شهر تموز(يوليو) 2020، موعداً للبدء في تنفيذ المشروع، دون أن يعني ذلك أن سلسلة إجراءات إدارية وميدانية لم تسبق هذا الموعد، وبدأت تمهد له، ومنها على سبيل المثال، ربط المستوطنات في الضفة الفلسطينية ببعض وزارات حكومة الاحتلال مباشرة، كشكل من أشكال بسط السيادة الإسرائيلية على المستوطنات؛ كما شرعت الإدارة المدنية للاحتلال في فتح خطوط العلاقة اليومية مع بعض بلديات الضفة، كاستيفاء رسم الكهرباء والماء مباشرة منها، وليس عبر منسق الإدارة المدنية في حكومة السلطة. ومن هذه الدلالات، أيضاً، تحريم رفع العلم الفلسطيني في مناطق الأغوار، والشروع في هدم عدد من الأبنية والمنازل وتهجير سكانها في سياق تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المرشحة للضم.

5- تتهيأ إسرائيل لضم مناطق في الضفة الغربية بأسلوب تدرجي، يبدأ بالكتل الاستيطانية الرئيسية (أريئيل، غوش عتسيون، معالي أدوميم، ...)، ضمن تقدير أن ردود الفعل الخارجية على هذا الضم ستكون قابلة للامتصاص، كون الكتل المذكورة تنتمي إلى فئة الأراضي التي ستؤول إلى إسرائيل في إطار عملية «تبادل الأراضي»، المسلم بها – حتى من الجانب الفلسطيني المفاوض - كأحد مرتكزات الحل التفاوضي، حتى لو اعترض الجانب الفلسطيني على هذا، متذرعاً بمنطق: «مالم نتفق على كل شيء، لا نكون قد اتفقنا على شيء»، الذي يبقى تأثيره متواضعاً في عالم تقرر فيه نسبة القوى، وتحسم بمخرجات السياسة.

• في كل الأحوال، فإن الدخول إلى مرحلة الضم التي تختلف نوعياً عن كل ما سبقها، سيخلق وقائع جديدة، فهو:

أ) يغيِّر في الواقع القانوني والسياسي والعملي للمستوطنين ولمناطق الضم، التي كانت تحت الحكم العسكري، وليس للتشريع الإسرائيلي مفعول مباشر فيها (بما فيه المستوطنات)، فيضحى القانون الاسرائيلي يسري عليها كما يسري في دولة إسرائيل، الأمر الذي – من بين أمور أخرى – يُسَهِّل إجراءات مصادرة الأراضي الفلسطينية لصالح توسيع خارطة الإستيطان.

ب) يغيِّر في واقع السلطة الفلسطينية، لجهة تقليص مساحة ولايتها وصلاحياتها الإدارية، وتشجيع المواطنين الفلسطينيين، تحت قوة الأمر الواقع، لتجاوز مؤسسات السلطة ووزاراتها، والتعامل مباشرة مع الإدارات الإسرائيلية في ظل وضعهم «القانوني» الملتبس، كمقيمين على «أرض» إسرائيل. وهذا يعني – في المدى المنظور على الأرجح – المزيد من التقليص في صلاحياتها، ودورها، ووثوق علاقتها بمواطنيها.

ج) يغيِّر في العلاقة مع بلدان الجوار، وبشكل خاص مع الأردن، خاصة بعد أن تتحول الحدود بموجب القانون الإسرائيلي إلى حدود أردنية – إسرائيلية، وليس إلى حدود أردنية - فلسطينية؛ وكذا الأمر بالنسبة لعلاقة غزة مع مصر.

د) سينعكس سلباً على استقرار عدد من بلدان الجوار المباشر، كما وعلى أوضاع اللاجئين في الدول المضيفة على ضوء رد فعل هذه الدول على الوقائع المستجدة، التي تؤشر إلى تعزيز فرص تطبيق مخطط التوطين (وفي امتداده التهجير).

(2)

الرد الفلسطيني في حسابات المؤسسة الوطنية

 ) قبل الإنتقال إلى معاينة الرد الفلسطيني على قرار الضم، نجد فائدة من استعادة وقائع قريبة العهد، بغرض تسليط الضوء على ما يجب تجنبه في المواجهة الحالية لمخطط الضم شديد الخطورة، باعتباره أعلى مراحل الاستعمار الاستيطاني، القائم على الاستيلاء على الأرض أولاً وأخيراً، و«التخفف» من أعباء الأصلاء من أبنائها؛ ومن هذه الزاوية بالذات لا يختلف الاستعمار الاستيطاني بطبعته الصهيونية، عن طبعات أخرى شهدها التاريخ في الأميركيتين، واستراليا، ونيوزيلندا، وجنوب إفريقيا، وروديسيا، والموازمبيق، والجزائر، ... في تعاطيه مع أبناء البلد الأصليين، حيث ميزان القوى المحلي، والإقليمي، والدولي، هو الذي كان يحسم بمآل الصراع: تطهير عرقي كما في حال الأميركيتين؛ أم نزوح المستوطنين الغزاة كما في حال الجزائر، روديسيا، الموازمبيق؛ أم عيش مشترك بين مختلف المجموعات العرقية، تندمج بمكوناتها تحت مظلة «الوطنية الدستورية» في صيغة شعب واحد على قاعدة المواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، كما هو حال جنوب إفريقيا؛ أم أي صيغة أخرى، فبطن التاريخ ولاّد كما نعلم، ولكننا نؤكد أن معطيات الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي مهما تَعَرَّجت مساراتها يميناً أو يساراً، أو تموَّجت صراعاتها هبوطاً أو نزولاً، فهي تؤشر في محصلة خطها الرئيسي إلى تقدم الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وانتصارها في نهاية المطاف مهما بلغت الصعوبات التي يواجهها راهنا(.

• بعد توقف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بشكل كامل في نيسان (إبريل) 2014، احتل موضوع العلاقة مع سلطة الاحتلال والاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل موقعاً متقدماً على جدول أعمال الهيئات القيادية لمنظمة التحرير. وفي هذا السياق أتت القرارات ذات الصلة التي صدرت تباعاً عن دورات المجلس المركزي: الـ 27-5/3/2015؛ الـ 28-15/1/2018؛ الـ 29- 17/8/2018؛ الـ 30- 29/10/2018. (راجع النص الكامل لهذه القرارات في الفصل بعنوان: «في تحديد العلاقة مع سلطة الإحتلال – قرارات المجلسين المركزي والوطني»، ص 239-245 من كتاب «ملفات فلسطينية (1/2): اللاجئون.. المجلس المركزي»، الذي يحمل الرقم 36 في سلسلة «الطريق إلى الإستقلال»، الصادر عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات (ملف)، ط1: كانون الثاني(يناير) 2020).

• وفي السياق نفسه، نشير إلى القرارات بالغة الأهمية التي صدرت عن الدورة 23 للمجلس الوطني الفلسطيني (30/4/2018)، ومنها ما ورد تحت عنوان «ثانياُ- العلاقة مع سلطة الاحتلال (إسرائيل)» - الفقرة 2، القائمة على 8 بنود، لا يقل أي بند منها أهمية عن الآخر، نكتفي بإيراد نص 4 بنود منها، لمدلولها الساطع: «(...) إن المجلس الوطني:

«أ) يعلن أن الفترة الانتقالية التي نصت عليها الاتفاقات الموقعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن، بما انطوت عليه من التزامات، لم تعد قائمة.

«د) يكلف اللجنة التنفيذية بتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران(يونيو) 67، وإلغاء قرار ضم القدس الشرقية ووقف الاستيطان.

«ه) يؤكد على وجوب تنفيذ قرار المجلس المركزي في دورتيه الأخيرتين (الـ 27، والـ 28) بوقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله والتحرر من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها بروتوكول باريس، بما في ذلك المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الاحتلال، بما يدعم استقلال الاقتصاد الوطني ونموه، ويؤكد المجلس ضرورة التزام اللجنة التنفيذية ومؤسسات دولة فلسطين بالمباشرة في تنفيذ ذلك.

«ج) تبني حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الإستثمارات منها ودعوة دول العالم إلى فرض العقوبات على إسرائيل (B.D.S) لردع انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي، ولجم عدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني».

• وقد شكلت في حينها، لتطبيق هذه القرارات، وبالتتابع، 9 لجان، بقيت حصيلة عملها معلقة وحبيسة الأدراج، لأسباب تلاقت فيها عوامل عدة، منها الذاتي: الافتقاد إلى الإرادة السياسية، الانقسام، عدم وجود مركز قيادي واحد لعموم الحركة الفلسطينية قادر على تحمل مسئولية إدارة معركة فائقة التعقيد؛ ومنها الموضوعي، الناجم عن طبيعة بنية السلطة الفلسطينية، الخاضعة في القضايا الرئيسية الضرورية لحياة أي مجتمع وأي كيان سياسي لقرار الاحتلال؛ ومنها أخيراً، الظرف السياسي السائد عربياً وفي الإقليم، والذي يتوزع بين متساوق مع السياسة الأميركية، أو العاجز عن مواجهتها، أو المستغرق بشئونه الداخلية، الخ...

 

 




في مواجهة مشروع الضم، على طريق طرد الإحتلال

(2/3)

 

فهد سليمان

نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية

لتحرير فلسطين

(3)

الرد الفلسطيني في حسابات السلطة

1- سريعاً، جاء الرد الفلسطيني الرسمي على قرار الضم الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية الجديدة في اجتماعها الأول (17/5/2020)، ففي 19/5 أصدرت القيادة الفلسطينية بياناً، عكس البند التالي أهم ما فيه: «إلتزاماً بقرارات المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإن القيادة الفلسطينية تقرر اليوم مايلي: أولاً – إن م.ت.ف. ودولة فلسطين قد أصبحت اليوم في حلٍ من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الإلتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والاتفاقات، بما فيها الأمنية».

  قرار 19/5، لا نملك أمامه سوى أن نعود بالذاكرة إلى قرار القيادة الفلسطينية قبل حوالي العام (في 25/7/2019 بالتحديد)، وفيه: «قررنا وقف العمل بالإتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتشكيل لجنة لتنفيذ ذلك، عملاً بقرار المجلس المركزي». والمعروف أن هذا القرار لم ينفذ، أسوة بقرارات المؤسسة الوطنية الأعلى، ممثلة بالمجلسين الوطني (الدورة 23)، والمركزي (في 4 دورات متعاقبة: 27 + 28 + 29 + 30)؛ وعليه، يُصبح من الطبيعي أن يُطرح على أوسع نطاق، سؤال بشقين: هل سينفذ قرار 19/5، وكيف؟

2-■ في سياق الإجابة على هذا السؤال، نؤكد أن قرار 19/5 (مع أنه دون قرارات المؤسسة الوطنية بمجلسيها، وافتقاده إلى التحديد والملموسية، التي بات يتطلبهما الوضع المستجد)، يشكل خطوة مهمة على المستوى السياسي الوطني العام، لأنه – في حال الشروع بتطبيقه – يضع الحالة الفلسطينية على سكة الخلاص من أوسلو ومتفرعاته، لكن العبرة تكمن – كما كانت على الدوام – في التنفيذ، وفي المدى الذي سيأخذه هذا التنفيذ.

 الإنتقال إلى التنفيذ يضع عموم الحالة الوطنية أمام عديد التساؤلات، قد يكون أهمها، مدى قدرة السلطة الفلسطينية، المقيَّدة بالإتفاقات والتعهدات والتفاهمات والإلتزامات، فضلاً عن وقائع الميدان، على تنفيذ قرار 19/5 بكل منطوياته، إن في مواجهة ردود الفعل الإسرائيلية بشأن وقف التنسيق الأمني، أو في القدرة على التقدم في موضوع الإنفكاك عن بروتوكول باريس، في وقت مازالت التجارب السابقة ماثلة للعيان، حين اضطرت السلطة للتراجع عن خطوات كانت قد اتخذتها في هذا السياق؛ كما حصل مع تجربة أموال المقاصة، حين رفضت السلطة تسلمها منقوصة، ثم اضطرت – تحت ضغط الظرف المالي – للتراجع عن قرارها؛ أو كما حصل مع تجربة استيراد العجول، حين وجدت السلطة نفسها مرغمة على اعتماد الموافقة الإسرائيلية، ممراً إجبارياً لكل عمليات الاستيراد والتصدير على مختلف أنواعها.

3-■ هذه التساؤلات، وغيرها مشروعة، ليس – وحسب – على خلفية القرارات المتخذة ولم تطبق، بل وأيضاً لسببين:

·        أولهما، أن قرار 19/5 قد صدر بعد سنتين ونصف السنة(!) من الإعلان الرسمي عن الفصل الأول لـ «صفقة القرن» (6/12/2017)، أي بعد أن كانت الصفقة قد قطعت شوطاً مهماً في استكمال عناصرها، مهَّدت المسرح السياسي الإسرائيلي والأميركي للصعود إلى ذروة الصفقة في اعتماد خطط وآليات الضم، وتحديد ساعة الصفر للشروع في التطبيق.

لقد أهدرت السلطة الفلسطينية في سلوكها سياسة المراوحة في المكان، والرهانات الفاشلة، والسياسات الإنتظارية عموماً، العديد من الفرص، للرد على «صفقة القرن» وخطواتها التطبيقية؛ كذلك أهدرت السلطة حالة النهوض المجتمعي في الضفة الغربية، وفي القلب منها القدس، وأعمال المقاومة التي جرى التعبير عنها بأساليب وأشكال نضالية مختلفة، وحالة الصمود لقطاع غزة وتضحياته في مسيرات العودة وكسر الحصار، ولم تبنِ على هذا الصمود ما كان يتوجب أن تبنيه، ما يعني – بالنتيجة – أن الحالة السياسية المجتمعية في المناطق المحتلة عام 67، سبقت السلطة في ميدان المجابهة، رغم أنها كانت تفتقر إلى الغطاء السياسي الوطني الذي تقاعست السلطة، كما فشلت الفصائل في توفيره لها.

·        وثانيهما، أن قرار 19/5 مازال يفتقر إلى الحدود الواضحة لأبعاده التطبيقية، خاصة وأن النقاشات التي شهدتها الأطر الوطنية أبقته في حدوده الدنيا، في ظل حذر شديد، ألّا يؤدي إلى الصدام مع الإحتلال، أو أن يشكل عنصراً لتفجير الحالة الشعبية، ما يفقد السلطة القدرة على السيطرة على حدود المجابهة الميدانية مع سلطات الإحتلال. ولعل بعض البيانات الصادرة عن مراجع ودوائر سياسية معروفة، عبَّرت عن ذلك عندما أبدت قلقها وتخوفها مما وصفته بالذهاب إلى الفوضى في مواجهة الإحتلال؛ كما لم تخفِ بيانات رسمية صدرت عن اللجنة التنفيذية أو عن وزارة خارجية السلطة، حدود موقفها، حين أضفت صفة «السلمية»، التي نعتبرها نافلة، على «المقاومة الشعبية»، لأن مصدر العنف الوحيد الظاهر على سطح الفعاليات الشعبية المناهضة للإحتلال، هو الإحتلال نفسه (بجيشه، وأمنه، ومستوطنيه)، ولا أحد سواه.

4- تقف حركة حماس صفاً واحداً مع سائر القوى الفلسطينية في مناهضة مشروع الضم. هذا ما عبّرت عنه مواقفها، وتصريحات قيادتها التي تعهدت (ومعها الجهاد الاسلامي) باستئناف عمليات المقاومة، الأمر الذي يأخذه العدو على محمل الجد، ويتحسب له، عكس ما هو قائم بالنسبة لمحترفي إطلاق تصريحات «الردود المزلزلة».

غير أن هذا الموقف ليس كافياً، ولن يكون كذلك، حتى بعد اقتران القول بالعمل، لأن موقع حماس المتميِّز في التشكيلة الوطنية، يتطلب أن تكون صاحبة مبادرة سياسية، سيّما في المحطات الوطنية الفاصلة، الأمر الذي لم يحصل في السابق، ولا هو مرئي في الراهن.

ثمة اعتبارات عدة تفسر هذه الحالة الانتظارية التي تتشارك فيها حماس مع السلطة، وإن من موقع القطب الآخر، إعتبارات قد يكون من بينها توقع، أو انتظار حصول، تغيّرات ذات شأن في الوضع الفلسطيني الداخلي، تؤدي إلى تعزيز دور حماس في القرار الوطني؛ لكن المؤكد أن من بين أهم هذه الاعتبارات، هو غيابها عن الإطار الوطني الجامع، الذي وحده يوفر شروط الإفراج عن دورها في دائرة الفعل الوطني المشترك.

5-■ بعد أن نال قرار 19/5 موافقة جميع القوى، التي اعتبرته صالحاً لتوحيد الجهد الوطني في مواجهة مخطط الضم، يتقدم إلى الواجهة السؤال حول مدى قدرة الحالة الفلسطينية، في «واقعها الراهن»، على تحمل أعباء ما يترتب على هذا القرار من أعباء. وعلى هذا نجيب بنعم كبيرة، إنما بنعم معلقة على شرط تخليص «واقعنا الفلسطيني» من جوانب خلل بنيوية، وجوانب ضعف رئيسية، وهذا أمر – على صعوبته – ممكن التحقيق، شرط أن تندرج المهام المشتقة من قرار 19/5 في سياق استراتيجية وطنية، لا تقتصر على إجراءات وردود فعل ترتكز على نشاطات مبعثرة ومتقطعة، تواكبها تصريحات تنتقص من مصداقية بعض القرارات المتخذة، كما الحال – على سبيل المثال – بالنسبة لقرار يشكل حجر الزاوية في برنامج المواجهة، ألا وهو وقف التنسيق الأمني، الذي انتقصت من قيمته، لا بل شككت بجديته تصريحات على غرار: «لن نسمح بأي عمل عسكري، وسنمنعه، ونعتقل مرتكبيه»(!!)■

(4)

3 قضايا مطروحة للإجماع الوطني

[■ مواجهة «صفقة القرن» في مسارها الفلسطيني، ومن ضمنها ما يِمَسْ بالضم، تأتي في سياق مواصلة النضال ضد مشروع الاستعمار الإستيطاني الذي يستهدف الإستيلاء على الأرض، ومن خلال ذلك اقتلاع الشعب، وتصفية الكيان، وصولاً إلى الإعدام السياسي (politicide). من هنا الشعار التعبوي الذي لخَّص أهداف المشروع الصهيوني منذ بدايته: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض».

■ تأسست دولة إسرائيل على مراحل، وعلى أنقاض فلسطين، شعباً وكياناً: في البدء كان «وعد بلفور»-1917 على يد بريطانيا؛ تلاه «صك الانتداب» على يد عصبة الأمم: إعلاناً-1922، فمصادقة-1922، وتنفيذاً-1923؛ ثم «قرار التقسيم»-1947 على يد الأمم المتحدة، فإعلان دولة إسرائيل-1948، الذي اعقبه احتلال ما تبقى من أرض فلسطين-1967؛ وحالياً، يجري الإعداد للتأسيس الثاني لدولة إسرائيل، «إسرائيل الكبرى».

■ مازالت المواجهة التي افتتحت قبل مئة عام، تتوالى فصولاً بين الاستعمار الصهيوني من جهة، وبين الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية من جه أخرى، مواجهة انحكمت باستمرار لـ 3 معادلات: بقاء≠  اقتلاع؛ هوية وحقوق وطنية  إعدام سياسي؛ م.ت.ف≠  إمحاء كياني. عدونا يريدها حرباً وجودية – إلغائية – صفرية؛ وشعبنا مازال يراها بأفق حقه في تقرير مصيره بحرية على كامل ترابه الوطني في إطار دولة موحدة، تقوم على المساواة بين مواطنيها.

 ■ على سؤال: لماذا استعادة هذه الأمور المعروفة، التي هي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية الحيَّة؟ نجيب: لأنها راهنة، والأهم هي ضرورية، لما يُستخلص منها من سياسات، وفرضيات عمل، وتوجهات، ما يعني أن الخطأ في الإشتقاق يقود إلى خطأ في التقدير السياسي، ينعكس – بدوره – سلباً على استراتيجية العمل، الخ... ما اقتضى – فيما يتبع – تناول بعض القضايا يُجملها عنوان: الضم - «قانونياً» كان، أم بالأمر الواقع - يُدخل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في مرحلة نوعية جديدة، مجال حسمها الأهم هو الميدان:]

1-■ يؤذن مخطط الضم ببدء مرحلة جديدة، مرحلة عليا من مراحل الإستعمار الإستيطاني، سواء أُعلنت خرائطه، أم بقيت في الأدراج؛ سواء نتجت عن مفاوضات، أو حُسمت بإسقاطات؛ وبغض النظر عن تأجيل، أو مَرْحَلِة، أو تقليص مساحة التطبيق، التي نعتبرها، وغيرها، واردة. الضم ليس محطة في السياق الإستيطاني، التهويدي المعهود، بل افتتاح لسياق جديد، لمرحلة أكثر توحشاً للإستعمار الإستيطاني، من أي وقت مضى، مستذكرين أن عديد الخطوات التي تصب في عملية الضم قد اتخذت، وطبقت، وباتت في عهدة يوميات ما يسمى بـ «الضم الزاحف».

 إن الضم ليس خطوة سياسية – ميدانية قائمة بذاتها، يُمكن العدول عنها بقرار، ولا تنطبق عليها قاعدة: كما أتت، ترحل؛ هي جزء مكوِّن من «صفقة القرن» بمساريها الإقليمي والفلسطيني، تحكمها فلسفة سياسية (مع احتمال تشربها رؤيا إيمانية)، ورؤية استراتيجية، ومصالح عليا أمنية واقتصادية لترتيب وإعادة تنظيم أوضاع الإقليم للعقود القادمة. إن إسقاط «مشروع الضم» وإلحاق الهزيمة به، أمر ممكن لا ريب، إنما يأتي في سياق بدء تراجع المرحلة التي ينتمي إليها، وصولاً إلى اندحارها المحتم.

2- إن المرحلة التي يجتازها النضال الوطني الفلسطيني، هي مرحلة تحرر وطني، وليست – كما شاع الرأي في ساحة العمل الوطني لدى أوساط نافذة، ومن جاراها في ذلك، ولو إلى حين – مرحلة انتقالية، أو وسيطة، يفصلها عن إدراك الدولة المستقلة، استكمال المسار التفاوضي، بالتوازي مع بناء المؤسسات بمقاييس الدولة الناجحة، ومدعومة بما يسمى «تدويل القضية» (أي: توسيع دائرة الإعتراف بالدولة المستقلة على حدودها وبعاصمتها + إكتساب عضوية المؤسسات الدولية + اعتراف مؤسسات الشرعية الدولية بالدولة المستقلة وسائر الحقوق الوطنية + الإفادة من أدوات العدالة الدولية لمعاقبة دولة الإحتلال، إسرائيل على انتهاكاتها المستدامة + ...).

 إن إستعادة الإجماع الوطني على تعريف طبيعة المرحلة، وسمتها الأساس، بما يترتب عليه من أولويات ومهام، هو أحد المداخل الأهم لأي مشروع، - شرط إسناده بحوامل وطنية- للمجابهة، وإفشال «صفقة القرن»، ومقاومة مشروع الضم، ومواصلة المسيرة الوطنية، ما يعني – ومعذرة للإلحاح – أن القضية الوطنية الفلسطينية، مازالت تعيش مرحلة التحرر الوطني (بـ الـ التعريف)، في ظل احتلال واستعمار استيطاني، يرفض الإعتراف بحقيقة الشعب الفلسطيني، وبحقوقه الوطنية المشروعة، كما تكلفها قرارات الشرعية الدولية، وفي ظل مشروع أميركي للحل، يقود إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وإلى إعلاء الرواية الصهيونية للصراع، ما يلغي من الوجود فلسطين وشعبها، مقابل الإدعاء أنها أرض إسرائيل، ووطن الشعب اليهودي، ووطن يهود العالم، كما نص على ذلك «قانون القومية» العنصري (المعروف أيضاً باسم «يهودية الدولة»).

3- افتتحت «صفقة القرن» مرحلة جديدة في المجابهة في فلسطين، وعلى مدى الإقليم، بين مشروعين، لكل منهما استراتيجيته: مشروع تجديد الهيمنة الأميركية بالإعتماد على إسرائيل ومن يصطف معهما (تقاطعاً، تحالفاً، أو استتباعاً)، من جهة؛ مقابل مشروع التحرر الوطني، وإعادة بناء الدولة الوطنية، من جهة أخرى.

مواجهة هذا المشروع بحلقته الرئيسية المتمثلة بـ«صفقة القرن»، تلقي على عاتق الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية عموماً، مهام جساماً في سياق مرحلة التحرر الوطني، تستدعي أولوية العودة الكثيفة إلى الميدان، إلى المقاومة بجميع السبل والأشكال المتاحة، فالعملية السياسية، وإن توقفت، بعد أن توقف الجهد الأميركي في نيسان (إبريل 2014)، فإنها – في حقيقة الأمر - كانت متوقفة، سياسياً وعملياً، منذ تموز (يوليو) 2000، ولن تقيلها جثة «الرباعية الدولية» بكل تأكيد، من الحفرة العميقة التي سقطت فيها.

 أما الرهان على ثني إسرائيل عن قرارها في المضي بالإجراءات القانونية والعملية التي تستوجبها مرحلة الضم، من خلال الضغوط الدولية (باعتبار السعي لاستحضار الضغط العربي كالنفخ في قربة مقطوعة)، إن أفلحت، فلن تتعدى حدود القشور، ولن تؤثر على صلب الموضوع. مرحلة الضم، ومواصلة التقدم في شعابها، باتت جزءً أساسياً في الحياة السياسية داخل إسرائيل، واستقرت في قلب التوازنات الداخلية في المجتمع اليهودي، والعنوان الأول على جدول أعمال مجالس المستوطنات، وأحزاب اليمين على مشاربها، لا بل حتى بعض تشكيلات الوسط، وحتى الآن لم ترتسم معالم معارضة جدية له (باستثناء، قوى «القائمة المشتركة») بل – في أفضل الحالات – تُبدى ملاحظات على بعض جوانبه (مداه، توقيته، مرحلته، التناسب بين الجانب القانوني وبين الجانب التطبيقي العملي فيه، إلخ ...).

 إن العودة الكثيفة إلى الميدان، هي التي تعيد إلى عملية التدويل الألق الذي تتحول بدونه عملياً، إلى حقل للعلاقات العامة محدود الفائدة. وإلى التدويل نضيف – على رأس القائمة - حملة الـ BDS، التي لم تولِها المرجعيات الرسمية ما تستحقه من اهتمام، فهي السلاح الذي، بسبب عدم تفعيله كما يجب، لم تشعر إسرائيل بعد بمدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه بها، وإن بدأت منذ فترة بالتحوط له، من خلال تشكيل هيئات معنية بمتابعة ملف الـ BDS، لقطع الطريق عليه، باعتباره قضية قائمة بذاتها، مع توفير الموازنات اللازمة، إلى جانب تكثيف إتصالاتها خارجياً، لاستحثاث إصدار قوانين تُجِّرم النشاطات الآيلة لخدمة مشروع الـ BDS، محققة نتائج ملموسة في هذا المضمار، بسبب من بلادة سفاراتنا، ومحدودية دور جالياتنا، إلى جانب تساوق أوساط سياسية متنفذة في الغرب عموماً مع السياسة الإسرائيلية

حزيران (يونيو) 2020

 

 




في مواجهة مشروع الضم، على طريق طرد الاحتلال (2/3)

 

 

فهد سليمان

نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية

لتحرير فلسطين

(3)

الرد الفلسطيني في حسابات السلطة

1- سريعاً، جاء الرد الفلسطيني الرسمي على قرار الضم الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية الجديدة في اجتماعها الأول (17/5/2020)، ففي 19/5 أصدرت القيادة الفلسطينية بياناً، عكس البند التالي أهم ما فيه: «إلتزاماً بقرارات المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإن القيادة الفلسطينية تقرر اليوم مايلي: أولاً – إن م.ت.ف. ودولة فلسطين قد أصبحت اليوم في حلٍ من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الإلتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والاتفاقات، بما فيها الأمنية».

  قرار 19/5، لا نملك أمامه سوى أن نعود بالذاكرة إلى قرار القيادة الفلسطينية قبل حوالي العام (في 25/7/2019 بالتحديد)، وفيه: «قررنا وقف العمل بالإتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتشكيل لجنة لتنفيذ ذلك، عملاً بقرار المجلس المركزي». والمعروف أن هذا القرار لم ينفذ، أسوة بقرارات المؤسسة الوطنية الأعلى، ممثلة بالمجلسين الوطني (الدورة 23)، والمركزي (في 4 دورات متعاقبة: 27 + 28 + 29 + 30)؛ وعليه، يُصبح من الطبيعي أن يُطرح على أوسع نطاق، سؤال بشقين: هل سينفذ قرار 19/5، وكيف؟

2-■ في سياق الإجابة على هذا السؤال، نؤكد أن قرار 19/5 (مع أنه دون قرارات المؤسسة الوطنية بمجلسيها، وافتقاده إلى التحديد والملموسية، التي بات يتطلبهما الوضع المستجد)، يشكل خطوة مهمة على المستوى السياسي الوطني العام، لأنه – في حال الشروع بتطبيقه – يضع الحالة الفلسطينية على سكة الخلاص من أوسلو ومتفرعاته، لكن العبرة تكمن – كما كانت على الدوام – في التنفيذ، وفي المدى الذي سيأخذه هذا التنفيذ.

 الإنتقال إلى التنفيذ يضع عموم الحالة الوطنية أمام عديد التساؤلات، قد يكون أهمها، مدى قدرة السلطة الفلسطينية، المقيَّدة بالإتفاقات والتعهدات والتفاهمات والإلتزامات، فضلاً عن وقائع الميدان، على تنفيذ قرار 19/5 بكل منطوياته، إن في مواجهة ردود الفعل الإسرائيلية بشأن وقف التنسيق الأمني، أو في القدرة على التقدم في موضوع الإنفكاك عن بروتوكول باريس، في وقت مازالت التجارب السابقة ماثلة للعيان، حين اضطرت السلطة للتراجع عن خطوات كانت قد اتخذتها في هذا السياق؛ كما حصل مع تجربة أموال المقاصة، حين رفضت السلطة تسلمها منقوصة، ثم اضطرت – تحت ضغط الظرف المالي – للتراجع عن قرارها؛ أو كما حصل مع تجربة استيراد العجول، حين وجدت السلطة نفسها مرغمة على اعتماد الموافقة الإسرائيلية، ممراً إجبارياً لكل عمليات الاستيراد والتصدير على مختلف أنواعها.

3-■ هذه التساؤلات، وغيرها مشروعة، ليس – وحسب – على خلفية القرارات المتخذة ولم تطبق، بل وأيضاً لسببين:

·        أولهما، أن قرار 19/5 قد صدر بعد سنتين ونصف السنة(!) من الإعلان الرسمي عن الفصل الأول لـ «صفقة القرن» (6/12/2017)، أي بعد أن كانت الصفقة قد قطعت شوطاً مهماً في استكمال عناصرها، مهَّدت المسرح السياسي الإسرائيلي والأميركي للصعود إلى ذروة الصفقة في اعتماد خطط وآليات الضم، وتحديد ساعة الصفر للشروع في التطبيق.

لقد أهدرت السلطة الفلسطينية في سلوكها سياسة المراوحة في المكان، والرهانات الفاشلة، والسياسات الإنتظارية عموماً، العديد من الفرص، للرد على «صفقة القرن» وخطواتها التطبيقية؛ كذلك أهدرت السلطة حالة النهوض المجتمعي في الضفة الغربية، وفي القلب منها القدس، وأعمال المقاومة التي جرى التعبير عنها بأساليب وأشكال نضالية مختلفة، وحالة الصمود لقطاع غزة وتضحياته في مسيرات العودة وكسر الحصار، ولم تبنِ على هذا الصمود ما كان يتوجب أن تبنيه، ما يعني – بالنتيجة – أن الحالة السياسية المجتمعية في المناطق المحتلة عام 67، سبقت السلطة في ميدان المجابهة، رغم أنها كانت تفتقر إلى الغطاء السياسي الوطني الذي تقاعست السلطة، كما فشلت الفصائل في توفيره لها.

·        وثانيهما، أن قرار 19/5 مازال يفتقر إلى الحدود الواضحة لأبعاده التطبيقية، خاصة وأن النقاشات التي شهدتها الأطر الوطنية أبقته في حدوده الدنيا، في ظل حذر شديد، ألّا يؤدي إلى الصدام مع الإحتلال، أو أن يشكل عنصراً لتفجير الحالة الشعبية، ما يفقد السلطة القدرة على السيطرة على حدود المجابهة الميدانية مع سلطات الإحتلال. ولعل بعض البيانات الصادرة عن مراجع ودوائر سياسية معروفة، عبَّرت عن ذلك عندما أبدت قلقها وتخوفها مما وصفته بالذهاب إلى الفوضى في مواجهة الإحتلال؛ كما لم تخفِ بيانات رسمية صدرت عن اللجنة التنفيذية أو عن وزارة خارجية السلطة، حدود موقفها، حين أضفت صفة «السلمية»، التي نعتبرها نافلة، على «المقاومة الشعبية»، لأن مصدر العنف الوحيد الظاهر على سطح الفعاليات الشعبية المناهضة للإحتلال، هو الإحتلال نفسه (بجيشه، وأمنه، ومستوطنيه)، ولا أحد سواه.

4- تقف حركة حماس صفاً واحداً مع سائر القوى الفلسطينية في مناهضة مشروع الضم. هذا ما عبّرت عنه مواقفها، وتصريحات قيادتها التي تعهدت (ومعها الجهاد الاسلامي) باستئناف عمليات المقاومة، الأمر الذي يأخذه العدو على محمل الجد، ويتحسب له، عكس ما هو قائم بالنسبة لمحترفي إطلاق تصريحات «الردود المزلزلة».

غير أن هذا الموقف ليس كافياً، ولن يكون كذلك، حتى بعد اقتران القول بالعمل، لأن موقع حماس المتميِّز في التشكيلة الوطنية، يتطلب أن تكون صاحبة مبادرة سياسية، سيّما في المحطات الوطنية الفاصلة، الأمر الذي لم يحصل في السابق، ولا هو مرئي في الراهن.

ثمة اعتبارات عدة تفسر هذه الحالة الانتظارية التي تتشارك فيها حماس مع السلطة، وإن من موقع القطب الآخر، إعتبارات قد يكون من بينها توقع، أو انتظار حصول، تغيّرات ذات شأن في الوضع الفلسطيني الداخلي، تؤدي إلى تعزيز دور حماس في القرار الوطني؛ لكن المؤكد أن من بين أهم هذه الاعتبارات، هو غيابها عن الإطار الوطني الجامع، الذي وحده يوفر شروط الإفراج عن دورها في دائرة الفعل الوطني المشترك.

5-■ بعد أن نال قرار 19/5 موافقة جميع القوى، التي اعتبرته صالحاً لتوحيد الجهد الوطني في مواجهة مخطط الضم، يتقدم إلى الواجهة السؤال حول مدى قدرة الحالة الفلسطينية، في «واقعها الراهن»، على تحمل أعباء ما يترتب على هذا القرار من أعباء. وعلى هذا نجيب بنعم كبيرة، إنما بنعم معلقة على شرط تخليص «واقعنا الفلسطيني» من جوانب خلل بنيوية، وجوانب ضعف رئيسية، وهذا أمر – على صعوبته – ممكن التحقيق، شرط أن تندرج المهام المشتقة من قرار 19/5 في سياق استراتيجية وطنية، لا تقتصر على إجراءات وردود فعل ترتكز على نشاطات مبعثرة ومتقطعة، تواكبها تصريحات تنتقص من مصداقية بعض القرارات المتخذة، كما الحال – على سبيل المثال – بالنسبة لقرار يشكل حجر الزاوية في برنامج المواجهة، ألا وهو وقف التنسيق الأمني، الذي انتقصت من قيمته، لا بل شككت بجديته تصريحات على غرار: «لن نسمح بأي عمل عسكري، وسنمنعه، ونعتقل مرتكبيه»(!!)■

(4)

3 قضايا مطروحة للإجماع الوطني

[■ مواجهة «صفقة القرن» في مسارها الفلسطيني، ومن ضمنها ما يِمَسْ بالضم، تأتي في سياق مواصلة النضال ضد مشروع الاستعمار الإستيطاني الذي يستهدف الإستيلاء على الأرض، ومن خلال ذلك اقتلاع الشعب، وتصفية الكيان، وصولاً إلى الإعدام السياسي (politicide). من هنا الشعار التعبوي الذي لخَّص أهداف المشروع الصهيوني منذ بدايته: «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض».

■ تأسست دولة إسرائيل على مراحل، وعلى أنقاض فلسطين، شعباً وكياناً: في البدء كان «وعد بلفور»-1917 على يد بريطانيا؛ تلاه «صك الانتداب» على يد عصبة الأمم: إعلاناً-1922، فمصادقة-1922، وتنفيذاً-1923؛ ثم «قرار التقسيم»-1947 على يد الأمم المتحدة، فإعلان دولة إسرائيل-1948، الذي اعقبه احتلال ما تبقى من أرض فلسطين-1967؛ وحالياً، يجري الإعداد للتأسيس الثاني لدولة إسرائيل، «إسرائيل الكبرى».

■ مازالت المواجهة التي افتتحت قبل مئة عام، تتوالى فصولاً بين الاستعمار الصهيوني من جهة، وبين الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية من جه أخرى، مواجهة انحكمت باستمرار لـ 3 معادلات: بقاء≠  اقتلاع؛ هوية وحقوق وطنية  إعدام سياسي؛ م.ت.ف≠  إمحاء كياني. عدونا يريدها حرباً وجودية – إلغائية – صفرية؛ وشعبنا مازال يراها بأفق حقه في تقرير مصيره بحرية على كامل ترابه الوطني في إطار دولة موحدة، تقوم على المساواة بين مواطنيها.

 ■ على سؤال: لماذا استعادة هذه الأمور المعروفة، التي هي جزء لا يتجزأ من الذاكرة الفلسطينية الحيَّة؟ نجيب: لأنها راهنة، والأهم هي ضرورية، لما يُستخلص منها من سياسات، وفرضيات عمل، وتوجهات، ما يعني أن الخطأ في الإشتقاق يقود إلى خطأ في التقدير السياسي، ينعكس – بدوره – سلباً على استراتيجية العمل، الخ... ما اقتضى – فيما يتبع – تناول بعض القضايا يُجملها عنوان: الضم - «قانونياً» كان، أم بالأمر الواقع - يُدخل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في مرحلة نوعية جديدة، مجال حسمها الأهم هو الميدان:]

1-■ يؤذن مخطط الضم ببدء مرحلة جديدة، مرحلة عليا من مراحل الإستعمار الإستيطاني، سواء أُعلنت خرائطه، أم بقيت في الأدراج؛ سواء نتجت عن مفاوضات، أو حُسمت بإسقاطات؛ وبغض النظر عن تأجيل، أو مَرْحَلِة، أو تقليص مساحة التطبيق، التي نعتبرها، وغيرها، واردة. الضم ليس محطة في السياق الإستيطاني، التهويدي المعهود، بل افتتاح لسياق جديد، لمرحلة أكثر توحشاً للإستعمار الإستيطاني، من أي وقت مضى، مستذكرين أن عديد الخطوات التي تصب في عملية الضم قد اتخذت، وطبقت، وباتت في عهدة يوميات ما يسمى بـ «الضم الزاحف».

 إن الضم ليس خطوة سياسية – ميدانية قائمة بذاتها، يُمكن العدول عنها بقرار، ولا تنطبق عليها قاعدة: كما أتت، ترحل؛ هي جزء مكوِّن من «صفقة القرن» بمساريها الإقليمي والفلسطيني، تحكمها فلسفة سياسية (مع احتمال تشربها رؤيا إيمانية)، ورؤية استراتيجية، ومصالح عليا أمنية واقتصادية لترتيب وإعادة تنظيم أوضاع الإقليم للعقود القادمة. إن إسقاط «مشروع الضم» وإلحاق الهزيمة به، أمر ممكن لا ريب، إنما يأتي في سياق بدء تراجع المرحلة التي ينتمي إليها، وصولاً إلى اندحارها المحتم.

2- إن المرحلة التي يجتازها النضال الوطني الفلسطيني، هي مرحلة تحرر وطني، وليست – كما شاع الرأي في ساحة العمل الوطني لدى أوساط نافذة، ومن جاراها في ذلك، ولو إلى حين – مرحلة انتقالية، أو وسيطة، يفصلها عن إدراك الدولة المستقلة، استكمال المسار التفاوضي، بالتوازي مع بناء المؤسسات بمقاييس الدولة الناجحة، ومدعومة بما يسمى «تدويل القضية» (أي: توسيع دائرة الإعتراف بالدولة المستقلة على حدودها وبعاصمتها + إكتساب عضوية المؤسسات الدولية + اعتراف مؤسسات الشرعية الدولية بالدولة المستقلة وسائر الحقوق الوطنية + الإفادة من أدوات العدالة الدولية لمعاقبة دولة الإحتلال، إسرائيل على انتهاكاتها المستدامة + ...).

 إن إستعادة الإجماع الوطني على تعريف طبيعة المرحلة، وسمتها الأساس، بما يترتب عليه من أولويات ومهام، هو أحد المداخل الأهم لأي مشروع، - شرط إسناده بحوامل وطنية- للمجابهة، وإفشال «صفقة القرن»، ومقاومة مشروع الضم، ومواصلة المسيرة الوطنية، ما يعني – ومعذرة للإلحاح – أن القضية الوطنية الفلسطينية، مازالت تعيش مرحلة التحرر الوطني (بـ الـ التعريف)، في ظل احتلال واستعمار استيطاني، يرفض الإعتراف بحقيقة الشعب الفلسطيني، وبحقوقه الوطنية المشروعة، كما تكلفها قرارات الشرعية الدولية، وفي ظل مشروع أميركي للحل، يقود إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، وإلى إعلاء الرواية الصهيونية للصراع، ما يلغي من الوجود فلسطين وشعبها، مقابل الإدعاء أنها أرض إسرائيل، ووطن الشعب اليهودي، ووطن يهود العالم، كما نص على ذلك «قانون القومية» العنصري (المعروف أيضاً باسم «يهودية الدولة»).

3- افتتحت «صفقة القرن» مرحلة جديدة في المجابهة في فلسطين، وعلى مدى الإقليم، بين مشروعين، لكل منهما استراتيجيته: مشروع تجديد الهيمنة الأميركية بالإعتماد على إسرائيل ومن يصطف معهما (تقاطعاً، تحالفاً، أو استتباعاً)، من جهة؛ مقابل مشروع التحرر الوطني، وإعادة بناء الدولة الوطنية، من جهة أخرى.

مواجهة هذا المشروع بحلقته الرئيسية المتمثلة بـ«صفقة القرن»، تلقي على عاتق الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية عموماً، مهام جساماً في سياق مرحلة التحرر الوطني، تستدعي أولوية العودة الكثيفة إلى الميدان، إلى المقاومة بجميع السبل والأشكال المتاحة، فالعملية السياسية، وإن توقفت، بعد أن توقف الجهد الأميركي في نيسان (إبريل 2014)، فإنها – في حقيقة الأمر - كانت متوقفة، سياسياً وعملياً، منذ تموز (يوليو) 2000، ولن تقيلها جثة «الرباعية الدولية» بكل تأكيد، من الحفرة العميقة التي سقطت فيها.

 أما الرهان على ثني إسرائيل عن قرارها في المضي بالإجراءات القانونية والعملية التي تستوجبها مرحلة الضم، من خلال الضغوط الدولية (باعتبار السعي لاستحضار الضغط العربي كالنفخ في قربة مقطوعة)، إن أفلحت، فلن تتعدى حدود القشور، ولن تؤثر على صلب الموضوع. مرحلة الضم، ومواصلة التقدم في شعابها، باتت جزءً أساسياً في الحياة السياسية داخل إسرائيل، واستقرت في قلب التوازنات الداخلية في المجتمع اليهودي، والعنوان الأول على جدول أعمال مجالس المستوطنات، وأحزاب اليمين على مشاربها، لا بل حتى بعض تشكيلات الوسط، وحتى الآن لم ترتسم معالم معارضة جدية له (باستثناء، قوى «القائمة المشتركة») بل – في أفضل الحالات – تُبدى ملاحظات على بعض جوانبه (مداه، توقيته، مرحلته، التناسب بين الجانب القانوني وبين الجانب التطبيقي العملي فيه، إلخ ...).

 إن العودة الكثيفة إلى الميدان، هي التي تعيد إلى عملية التدويل الألق الذي تتحول بدونه عملياً، إلى حقل للعلاقات العامة محدود الفائدة. وإلى التدويل نضيف – على رأس القائمة - حملة الـ BDS، التي لم تولِها المرجعيات الرسمية ما تستحقه من اهتمام، فهي السلاح الذي، بسبب عدم تفعيله كما يجب، لم تشعر إسرائيل بعد بمدى الضرر الذي يمكن أن يلحقه بها، وإن بدأت منذ فترة بالتحوط له، من خلال تشكيل هيئات معنية بمتابعة ملف الـ BDS، لقطع الطريق عليه، باعتباره قضية قائمة بذاتها، مع توفير الموازنات اللازمة، إلى جانب تكثيف إتصالاتها خارجياً، لاستحداث إصدار قوانين تُجِّرم النشاطات الآيلة لخدمة مشروع الـ BDS، محققة نتائج ملموسة في هذا المضمار، بسبب من بلادة سفاراتنا، ومحدودية دور جالياتنا، إلى جانب تساوق أوساط سياسية متنفذة في الغرب عموماً مع السياسة الإسرائيلية

حزيران (يونيو) 2020

 

 



-- 
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

المكتب الصحفي/ قطاع غزة

 جوال|| عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ومسؤول المكتب الصحفي في قطاع غزة الرفيق وسام زغبر: 0599695452  

تليفاكس المكتب الصحفي:  0097082884693

dflpgz@gmail.com

  أو زيارة الموقع الالكتروني

http://www.alhourriah.ps
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات