القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

بغداديات عماد الاصفر 68 ماذا يفعل ياسر عرفات هنا على غلاف العدد الاول من مجلة الف باء العراقية فوق راس الفنانة التشكيلية سميرة الصراف؟

بغداديات 68 

ماذا يفعل ياسر عرفات هنا على غلاف العدد الاول من مجلة الف باء العراقية فوق راس الفنانة التشكيلية سميرة الصراف؟ وماذا فعل هناك في بغداد خلال زيارة الـ 48 ساعة؟ هل جاء عن طريق البر؟ هل تعرض لحادث سير؟ واين هي المجلة اليوم ؟ واين هي سميرة الآن؟.

لم اعد شابا لتنطبق عليّ مقولة "شاب وتغرب"، ولم اصل الشيخوخة بعد لتنطبق عليّ تتمة المقولة "ختيار ماتت اجياله"، ولكنني من اصحاب السوابق الذين صار لهم ماضي يحنون له، ويضعونه في غربال الذكرى بعد ضبط مدى اتساع فتحاته.

الحنين للزمن الماضي قاسم مشترك بين المتقدمين في السن، ما الذي نفتقده حقيقة من ذلك الزمان؟! 
الكتب اليوم اكثر تنوعا ووفرة، الصور اكثر بهاء وسرعة، الاصدقاء اكثر واقرب، السفر ايسر وارخص، المعلومات اوفر واشمل، المراسلات اسرع من ارتداد الطرف ودون طوابع. 

يبدو لي احيانا ان الحنين في جوهره حنين للدهشة، لقد اصبحنا نفتقد هذه الدهشة، كل شيء متاح وممكن وقابل للحدوث، وبمنتهى السرعة، سرعة لا تسمح لك بالتقاط الانفاس، او فرك اليدين تشوقا لانتظار شيء ما، ما عاد احد يقول لقد رفًّ جفني واتوقع ان اشاهد احدا ما، او حكًّتني يدي ويبدو انني سأستلم نقودا، او طنّت اذني يبدو ان احدا ما ينشغل بي هذه الساعة. 

لن تنتظر اسبوعا لتحميض الفيلم وتمحيص الصور ووضعها في البوم، لن تذهب الى مكتب البريد، لن تنتظر رسالة او بطاقة معايدة، لن تذهب الى المكتبة لتسأل صاحبها عن موعد وصول العدد الجديد من مجلة العربي، لن تفاجئك مجلة العربي بدولة لم تسمع بها من قبل، وتقدمها اليك مصورة مع معلومات شيقة وبلغة بديعة. ما زلت اذكر عددا مميزا عن طشقند. 

للمجلات في ذلك الزمن سحرها الخاص، العربي بشمولها ورصانتها، كانت تأتي من الكويت بسعر مناسب فتدخل كل منزل، ويقرأها الجميع، المجلات المنوعة الفنية المصرية واللبنانية: الشبكة والموعد والاسبوع والمصور والصياد والكواكب وحواء والحوادث، مجلات انيقة غلافها يصبح بوسترا. ومجلتي ريما وسمر، كانتا تمتازان بنشر قصص مصورة (كوميكس) لنجوم السينما الايطاليين مثل فرانكو كاسباري وماريا انطونيلا او فرانكو داني وكلوديا ريفللي. 

المجلات السياسية لاحقا: شؤون فلسطينية، فلسطين الثورة، اليوم السابع، الهدف، الحرية، الافق، الكرمل، صوت البلاد، الطليعة.  ومجلة اللوتس التي كنت اظنها فلسطينية، لاكتشف فيما بعد ان رئاسة تحريرها فلسطينية ولكنها تصدر عن اتحاد كتاب اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.

للعراقيين ومن عاش في العراق ذكرياتهم الخاصة مع مجلة الف باء، والتي يقولون ان اسمها لم يكن يقصد الابجدية الالفبائية، وانما اختصار عبارة (ارادة بلادي).

 العدد الاول من هذه المجلة، صدر يوم 21 / 5 / 1968 واستمرت في الصدور الى يوم احتلال العراق عام 2003، ظل العدد الاخير في المطبعة دون توزيع، سيفتقد العراقيون هذه المجلة المنوعة، فيعاودون اصدارها بعد انقطاع دام 11 عاما.  في العدد الاخير فتحوا ملفا سريا حول تهجير يهود العراق وعلاقة الزعيم عبد الكريم باسرائيل. 

مؤكد انه لم يعد للمجلات خبزة في عصر الجيل الخامس من الانترنت، ومؤكد ايضا ان اثر المجلات اكبر بكثير من اثر النشر الاذاعي والتلفزيوني والفضائي والوفرة الهائلة التي توفرها مواقع الانترنت. الوفرة تسير عكسيا مع القيمة، والجهد يتناسب طرديا مع الاثر. 

من مجلة الف باء العراقية قرأت عن افضل صانع اعواد في العالم العربي، انه محمد فاضل العراقي، والذي حمل اعواده مشاهير العازفين والمطربين مثل فريد الاطرش ووديع الصافي والاخوين جميل ومنير بشير ونصير شمة وغيرهم كثير، يقال ان وزن العود الذي كان يصنعه من خشب شجر الورد كان لا يتجاوز الكيلو غرام الواحد. 

من هذه المجلة تعرفت الى السيدة جوزفين حداد والتي كانت اول سيدة عراقية تحصل على رخصة كابتن طيار عام 1948. 

صورة الغلاف للعدد الاول من هذه المجلة، تحتفي بالرسامة العراقية سميرة الصراف، سميرة اليوم عادت لاسمها الاصلي سيمين والذي يعني بالفارسية بريق الفضة، وتواصل العمل على مشروع لرسم المشاهير عبر التاريخ، بعد ان حازت لقب رسامة الملوك والرؤساء. 

اما ماذا يفعل ابو عمار في بغداد خلال 48 ساعة من شهر ايار لعام 1968 ، أي بعد شهرين فقط على الانتصار في معركة الكرامة، وقبل شهرين او اقل من اقصاء الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف عن الحكم وتولي حزب البعث مقاليد الحكم، فسؤال شغلني وبحثت عن جوابه طويلا، فتهت كثيرا ودخلت دروبا لا تتوفر فيها الاضاءة الكافية. 

يعود تاريخ اول زيارة قام بها ياسر عرفات الى بغداد الى العام 1961 ، يومها كان يحاول دمج تنظيم جبهة تحرير فلسطين التي شكلها الشيخ صالح عبد الله سرية في العراق الى تنظيم فتح، تلت ذلك زيارات ولقاءات اخرى مع الشيخ، لإقناعه بهذا الانضمام، وهو ما تحقق اخيرا ولكن بعد صدمة الشيخ من وقوع النكسة عام 1967. 

كان الشيخ اللاجئ من قرية اجزم قد انتسب لتنظيم الاخوان المسلمين في العراق، ثم انخلع عنهم وشكل هذا التنظيم، فركز على استقطاب الكوادر العسكرية، متأثرا بأدبيات حزب التحرير الذي أسسه ابن قريته تقي الدين النبهاني، ثم فتح باب العضوية في تنظيمه للمدنيين متأثرا بمسلكية التنظيمات الفلسطينية التي بدأت بالتوالد من حوله، ولاحقا حمل افكارا مختلطة من كل هذه التوجهات، وحرض على احداث الفرهود (عمليات السلب الجماعي لأملاك اليهود في العراق) لتمويل تنظيمه، وبات داعيا للانقلاب على الحكومات العربية، ومحرضا على اغتيال قادتها، ادى ذلك الى اعتقاله لعام في العراق، والى ورود اسمه في مخطط انقلابي استهدف الاردن، والى محاكمته لاحقا في مصر بتهمة التخطيط لاغتيال السادات عام 1974. 

جاء في كتاب "قواعد الشيوخ مقاومة الاخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1968 – 1970" للمؤلف غسان محمد دوعر ، ما نصه:    
"بعد هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967 دعا صالح سرية كافة مسؤولي الجبهة في الدول العربية لمؤتمر عام انعقد في دمشق بداية عام 1968، كان اهم قرار لذلك المؤتمر اعادة تنشيط الحوار  مع حركة فتح للنهوض بالعمل الفدائي من جديد، وبعدها اتصل صالح سرية بياسر عرفات، وتم دمج الجبهة بحركة فتح، وصار سرية عضوا في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني والتي عقدت منتصف شهر تموز عام 1968". 

وجاء في محاضر التحقيق مع الشيخ صالح في مصر بتهمة التخطيط لاسقاط نظام السادات واغتياله اواسط السبعينيات من القرن الماضي، والتي اوردها كتاب "موسوعة العنف في الحركات الاسلامية خمسون عاما من الدم"، للكاتب مختار نوح  وهو محامي متخصص في قضايا الجماعات الاسلامية، ما نصه من اعترافات الشيخ صالح: 
"خرجت من المعتقل عام 1964 وفي العام 1965 جاء ياسر عرفات وطلب مرة اخرى انضمام جبهتنا لفتح فوافقت، شريطة ان ابقى بعيدا عن الميدان، وطلب مني ان ايسر له لقاءات مع المسؤولين العراقيين، وكان عبد السلام عارف قد قام بثورته وتولى الحكم، فنظمت له لقاء مع وزير الاعلام عبد الكريم فرحان والذي نصحه بعدم لقاء عبد السلام عارف لأنه لا يُكِنُ ودا لمنظمة فتح بالذات، ويعتقد انها تعمل لصالح حلف السنتو (حلف بغداد)". 

بحسب هذه الاعترافات التي نشرتها الدوائر الامنية المصرية، كان صالح قد رفض بشدة محاولة جماعة الاخوان المسلمين قتل الرئيس العراقي احمد حسن البكر ، خلال خضوعه للعلاج في المستشفى حيث يعمل احد اعضاء الجماعة ممرضا في طاقم علاج الرئيس البكر، ولكن الجماعة حاولت ذلك وفشلت، فصار هو مطلوبا للأمن العراقي ولصدام حسين الذي كان نائبا للرئيس. 

بقية الاعترافات تشتمل على علاقة الشيخ بالإخوان المسلمين وبتشكيل مجموعة "شباب محمد" او "الفنية العسكرية" التي حاولت تنفيذ عملية اغتيال السادات، وهي الاعترافات والاتهامات التي ادت الى اعدامه عام 1976. 

هل التقى ياسر عرفات في زيارته تلك لبغداد بالشيخ صالح، لوضع اللمسات النهائية على انضمام فصيله لحركة فتح؟ هل سعى من خلاله لتنظيم لقاءات جديدة مع القادة العراقيين؟ هل سلمه الدعوة للمشاركة كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني الذي سيلتئم في القاهرة بعد اسابيع؟. 

عن وصف العلاقة الفلسطينية العراقية في تلك الفترة، يتحدث صلاح خلف ابو اياد في كتابه "فلسطيني بلا هوية": قامت وفود فتح بعقد لقاءات مع القيادات العربية لطلب تأييدها للعمل الفدائي، ويضيف: "كان العراقيون يتخبطون حتى ان رئيس الدولة العراقية عبد الرحمن عارف انهى محادثاته مع ممثلينا وهو يعلن: لسنا مع مشروعكم ولسنا ضده، وبصراحة فإننا لا ندري ماذا نقول فيه". 

ايامها كانت هناك قوات عراقية ترابط في منطقة المفرق لكنها تلقت اوامر من الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف، بعدم المشاركة في معركة الكرامة، وانسحبت هذه القوات مع وقوع احداث ايلول المؤسفة، بأمر من الرئيس العراقي اللاحق احمد حسن البكر.  

في حوار اجراه الاستاذ صخر ابو فخر مع محمد ابو ميزر، الذي خلع رداء البعث وانتمى لفتح بداية الستينيات، وضمن كتاب "الجذور والتراب: حوار عن القدس والمنفى والعودة الصعبة"، يقول ابو ميزر: "لا اعرف تفصيلات قصة الجيش العراقي في الاردن وانسحابه المستغرب اثناء حوادث ايلول 1970، لكنني اعلم ان قوات عراقية كانت موجودة منذ ايام الرئيس عبد الرحمن عارف في مدينة المفرق، يقودها اللواء محمود عريم، وكان نائبه العقيد حسن النقيب، وكان هناك اتفاق يقضي في حال وقوع أي عدوان اسرائيلي على الاغوار بأن تصل القوات العراقية فورا الى المكان لتشارك في المواجهة الى جانب قوات فتح، وفي ليلة 20/3/1968 ، أي عشية معركة الكرامة جاءنا خبر من حسن النقيب بان الاوامر صدرت من بغداد بعدم المشاركة في المعارك". 

ذات المعلومات يؤكدها عباس زكي عضو مركزية فتح، واما وزير الدفاع العراقي ايامها حردان التكريتي، وقبل اقالته واغتياله في الكويت، فقد كتب في مذكراته: "موقفنا من المقاومة الفلسطينية لم يكن مشرفا".  

يقول عباس زكي في مقال: "بعد الانتصار  الفلسطيني الاردني استقبل الرئيس عبد الناصر وفد فتح وقال "فتح أنبل ظاهرة وجدت لتبقى ... ورد عليه عرفات " لتبقى وتنتصر يا سيادة الرئيس" وزود عبد الناصر الثورة الفلسطينية بصواريخ الكاتيوشا وقذائف الآر.بي.جي، واصطحب عبد الناصر ياسر عرفات إلى الاتحاد السوفيتي الذي منحه الكثير من الاسلحة .. وفتحت مصر معسكر إمبابة لتدريب الفدائيين، كما فتحت العراق معسكر الرشيد". 

هل قام ياسر عرفات في تلك الزيارة بتفقد معسكر الرشيد حيث يتدرب مجموعات من الفلسطينيين على تنفيذ عمليات فدائية؟ هل تفقد ورش التصنيع العسكري التي اقامها فنيون فلسطينيون هناك وبدأت تتوسع وتنتج ذخائر وبنادق؟ 

قرأت ما كتبته الباحثة الفلسطينية سلافة حجاوي عن ايامها الطويلة في بغداد، وعن تخرجها بامتياز من جامعة بغداد عام 1956، وكيف قاموا بعد ذلك بشطب اسمها عن لائحة الشرف الجامعي لأنها غير عراقية، رغم انها تزوجت من الشاعر العراقي كاظم جواد وكان الشاعر بدر شاكر السياب الشاهد على زواجها، وانجبت منه طفلين وحصلت على جنسية العراق، وقرأت عن نشاطها السياسي والنقابي هناك في تأسيس فروع لاتحاد المرأة ثم لاتحاد الكتاب مع الكاتبين الفلسطينيين جبرا ابراهيم جبرا وناصيف عواد، وكيف انها استضافت ياسر عرفات لافتتاح فرع اتحاد المرأة.  ثم زارته بعد ذلك مع النساء المنتخبات في المستشفى حيث خضع للعلاج من كسور. 

هل تكون تلك الزيارة التي ترصدها مجلة الف باء هي التي شهدت افتتاحه لفرع اتحاد المرأة الفلسطينية في العراق، وشهدت ايضا مشاركة عرفات في تشييع جنازة شهيد عراقي احضر جثمانه معه من الاردن، وشهدت ايضا تعرض سيارة كان يستقلها لحادث اصطدام مع شاحنة عسكرية فرت بعد الحادث.

قرأت اكثر  في ذكريات سلافة عن نفورها المبكر من صبري خليل البنا "ابو نضال"، والذي انشق لاحقا عن فتح واسس المجلس الثوري، وسيطر على ورش تصنيع السلاح ومكتب المنظمة، ونفذ عدة عمليات اغتيال بحق كوادر الثورة الفلسطينية بأوامر مباشرة من الامن العراقي، قبل ان يتنقل من حضن صدام حسين الى حضن الاسد ثم القذافي، ليعود الى العراق فيقتل فيها عام 2002، تقول الرواية الرسمية العراقية انه انتحر.  

الثورة الفلسطينية في دمشق ولاحقا في بيروت كانت ملجأ وحضنا للمعارضين العراقيين الذين فروا من العراق. وابرزهم حسن النقيب الذي صار مستشارا لعرفات، وفرت لهم الحضن كمناضلين عرب من اجل القضية الفلسطينية، لا كمعارضين للنظام. 

لم تكن علاقة البعث العراقي بمنظمة التحرير وفتح وياسر عرفات على ما يرام ابدا، لا في تلك الايام ولا الايام التي تلتها، رغم كل ما يكتب عن طيب هذه العلاقة. 

ابو نضال واحد من تجليات هذا التنافر، تشكيل فصيل فلسطيني بعثي هو جبهة التحرير العربية، ليكون نقيضا لتنظيم الجبهة الشعبية القيادة العامة الذي يتبع الامن البعثي السوري، وسيتطور الامر لاحقا لتشكيل جبهة الصمود والتصدي لبرنامج النقاط العشرة، وتكليف المنشق ابو نضال باغتيال رموز تؤمن بهذا البرنامج.

اما ما يكتب عن طيب العلاقة فيستند ايضا الى وقائع مادية ومعنوية، منها استبسال الجيش العراقي في المعارك قبل النكبة، واستقبال اللاجئين ومنع الاونروا من الانفاق عليهم (رغم ان هذا الكرم اضر لاحقا باللاجئين الفلسطينيين الى العراق، كونه قد حرمهم من تسجيل اسمائهم كلاجئين في ملفات الامم المتحدة)، ويستند ايضا الى اشتراط صدام حسين انسحاب اسرائيل مقابل انسحابه من الكويت، وهو اشتراط ساذج ولا اخلاقي، وقصفه لتل ابيب بعدة صواريخ، خلال حرب الخليج. وهو قصف يحمل كل منا في داخله عدة مواقف منه، موقف نفسي يتعلق بالمشاعر وآخر مادي يتعلق بالنتائج النهائية، وربما موقف ثالث يتعلق بالنوايا، ورابع بالمصالح الشخصية التي تضررت كثيرا للجالية الفلسطينية الكبيرة جدا في الكويت. 

الحقيقة ان العلاقة ظلت مضطربة منذ البدء، وبعيدة عن الثقة، وحسن التفهم، في اجاباته على اسئلة الاستاذ صخر ابو فخر يروي ابو ميزر الحكاية التالية: 
بعد زيارة عرفات الناجحة لموسكو بدأ التخطيط لزيارة الصين وكوريا الشمالية، وتم الاتفاق على سفر الوفد عبر مجموعات ومن عدة طرق، على ان يتم اللقاء في مدينة داكا عاصمة اقليم باكستان الشرقية، ذهب ابو اياد ومعه امين الهندي من خلال سوريا، وذهب كمال عدوان من خلال الامارات، وذهبت مع ابو عمار الى بغداد برا، وهناك كان يجب ان نلتقي بروتوكوليا مع الرئيس احمد حسن البكر.

في ذلك اللقاء اراد البكر مداعبة ابي عمار وممازحته، فقال: "وينك يا مهزوم؟" وهي عبارة يقولها العراقي تحببا بمعنى: تتهرب من مقابلتي، ويقابلها عند بقية العربان عبارة "وين ما بنشوفك؟" . ارخى ابو عمار شفتيه غاضبا واعتبر ان العبارة اهانة قاسية، ولم تفلح كل التفسيرات في تلطيف الاجواء. 

يضيف ابو ميزر سافرنا بطائرة عراقية الى كراتشي وقابلنا هناك حسن النقيب الذي كان يعمل ملحقا عسكريا في سفارة العراق لدى باكستان، وتجمع الوفد في داكا ومن هناك امن الصينيون لنا طائرة باكستانية خاصة وزودونا بالكتاب الاحمر لكي نلوح به فور وصولنا، كان معنا في الكرسي الاخير من الطائرة شخص مجهول ذهب ابو اياد للتعرف عليه، فتبين انه عبد السلام جلود وكان ذاهبا الى الصين كمندوب للثورة الليبية والتي لم يكن قد مضى على نجاحها سوى عدة اشهر، ويريد شراء قنبلة نووية يعود بها الى ليبيا.  

يبدو ان عائقا نفسيا ارتسم بين الرجلين عرفات والبكر، ولعل ما نقله الكاتب والصحفي ابراهيم علاء الدين عن ابو اياد  يلخص ذلك، يقول ابو اياد: انه بعد اجراء اتصالات مع صدام حسين وكان وقتها نائبا لرئيس الجمهورية تم عقد لقاء بين عرفات والبكر. 
 
ويضيف ابو اياد دخلنا باب المكتب وبرفقتنا صدام حسين فلم نر احدا بالمكتب... البكر قصير جدا فعندما يجلس على كرسيه في المكتب لا يظهر راسه من الخلف وهكذا كان عندما دخلنا يجلس على الكرسي ووجهه الى النافذة خلفه فلا يظهر منه شيء. 

نظر ابو عمار الى صدام ثم لي وقال مستغربا: "ايه الحكاية" عندها "تنحنح" صدام وقال السلام عليكم سيادة الرئيس، فأدار البكر كرسيه والسيجارة مشتعلة في فمه وقال: وعليكم السلام استريحوا استريحوا.

بدأ ابو عمار يحدثه عن الاوضاع في لبنان وان الكتائب حلفاء اسرائيل يحضرون لحرب على الفلسطينيين في لبنان، وانه يطمع بتأييده ومساندة العراق للكفاح الفلسطيني... 

هنا اطفأ البكر سيجارته بعد ان اشعل سيجارة اخرى وقال اسمع يا ابو عمار: 
"لا تقولي تريدون مساعدات ويمكن جاي تطالب بقوات عراقية تحارب عنكم، انا ما راح انطيك شيء، الا لما ترتبوا موضوع الوحدة بين الفلسطينيين،... بتقدر تقول لي شلون تبون تنتصرون وانتم عندكم خمسين تنظيم!!، يا اخي انت رئيس لفتح وللعاصفة على الاقل وحدهم مع بعض، بتقدر تقولي ليش انت رئيس منظمتين؟".

هنا قاطعه صدام وقال له ان فتح والعاصفة تنظيم واحد لكن العاصفة تنظيم عسكري وفتح تنظيم سياسي. قال البكر: ايـه ايه، افتهمت.

الحقيقة ان ابو اياد لم يكن مرغوبا من القيادة العراقية اطلاقا، وان رجلها القوي المأجور ابو نضال ظل يضع ابو اياد على قائمة المستهدفين بالاغتيال. 

ظل ابو اياد ضد دخول صدام حسين الى الكويت، وظل ابو عمار يصطحبه معه لمقابلة صدام حسين لإسماعه هذا الرأي وتحذيره من مغبته، في الختام قال ابو اياد لصدام: دخولكم الى الكويت خطأ كبير، ولكننا معكم اذا هاجمتكم امريكا، تم اغتيال ابو اياد عشية الحرب عام 1991 على يد عنصر من جماعة ابو نضال. 

عشت كامل ايام هذه الحرب في بغداد وللمفارقة فلقد عشتها في منزل الباحثة سلافة حجاوي والتي كانت قد انتقلت للعمل في مكتب الرئيس ياسر عرفات بتونس، يقع المنزل البغدادي الانيق بحديقته الجميلة في شارع فلسطين، يقولون ان صدام حسين امر بإطلاق اسم فلسطين على هذا الشارع نكاية بالولايات المتحدة التي تقع سفارتها فيه، لقد اراد ان يظهر اسم فلسطين على كافة اوراق ومراسلات السفارة حين تكتب عنوانها. 

في ذلك المنزل استمعت لأخبار الحرب عبر محطة مونت كارلو، وعلى لسان مراسليها: حسن الكاشف من بغداد، باسم ابو سمية من فلسطين، والسعودي عبد الله الشهري مراسل حفر الباطن، في ذلك المنزل قرأت الكثير من الروايات التي احتفظت بها سلافة وزوجها الشاعر العراقي كاظم جواد، كنت اقرأ على ضوء شمعة ترجمة جبرا ابراهيم جبرا لرواية وليام فوكنر الصخب والعنف، عندما هز انفجاران قويان المنطقة باسرها، لقد تعرضت محطة الكهرباء القريبة والواقعة خلف الجامعة المستنصرية لهجوم صاروخي كبير، خرجت امشي مفضلا الموت في الشارع على الموت تحت الانقاض، كانت شاحنات عراقية تنقل صواريخ ارض ارض من داخل احد المشاتل في المنطقة، وصلت الى ساحة بيروت، كانت المدينة تموت موتا بطيئا، وكان الناس يموتون سريعا موتا بشعا، يشهد عليه الموت الجماعي لمن كانوا في ملجا العامرية، ويشهد عليه موت الفنانة ليلى العطار مع افراد من اسرتها في قصف صاروخي امريكي استهدف مقر المخابرات المجاور لمنزلها في حي المنصور قرب شارع الاميرات حيث اقام وتمشى ورسم وترجم وكتب جبرا افضل اعماله، ويشهد عليه موت الهاربين في قوافل الى الحدود الاردنية، وموت الجنود المنسحبين دون سلاح من الجبهة، وتدمير البنى التحتية دون أي مبرر، لو سار من شهدوا تلك الاحداث على سجيتهم لصاروا نشطاء سلام، ولكن الناس يخالفون سجاياهم.  

بإيعاز من السفارة الفلسطينية استخدمنا ذلك المنزل لإيواء العديد من الطالبات الفلسطينيات القادمات من الاردن والكويت (التي اصبح اسمها محافظة النداء العراقية)، كان السفر صعبا وخطرا، زار المنزل والتقى بالطالبات صخر ابو نزار عضو مركزية فتح ومعه السفير ايامها عزام الاحمد، كان ابو نزار متفائلا، ردد على اسماعنا عبارته الشهيرة "لازم تزبط" لم يكن احد منا متفائلا على الاطلاق. وثبت انها لم تزبط حتى الآن على الاقل.    

بعد ايام توجه من بقي من الاصدقاء والصديقات حملة جواز السفر الاردني في باص واحد الى الاردن، ودعتهم وبكيت بكاءً مرا لم ابكه في حياتي ابدا، كانت الهزيمة بكل وطأتها وثقلها تخيم على المكان والزمان وتصبغ المرحلة بسوادها القاتم. 

وبعد يومين رافقت من تبقى من الطالبات في الباص المتوجه الى الكويت مخترقا هذه الجبهة المشتعلة بالصواريخ وقذائف البوارج الحربية، كان اهلهن في انتظارهن على احر من الجمر، وكان هناك ايضا معتمد اقليم فتح ابو زياد قبلاوي والذي تم اغتياله في اليوم التالي بأوامر عراقية.  

عوقب الفلسطينيون لان منظمة التحرير وقفت ضد حفر الباطن، وفسر موقفها على انه وقوف الى جانب صدام حسين وتأييد لاحتلال الكويت، لو كان هناك موقف في الوسط لسارع الفلسطينيون الى اتخاذه، ولكن لم يكن هناك موقف وسطي، ولم يكن بمقدور منظمة التحرير النأي بنفسها عن معركة تتعرض خلالها تل ابيب لصواريخ عربية. 

وعوقب الفلسطينيون من جانب صدام حسين بما هو اكثر من الاغتيالات، لقد مول وبمنتهى السخاء مجموعة من الكتاب والصحفيين من شتى الجنسيات وافتتح لهم مجلات وصحف في اوروبا لمهاجمة منظمة التحرير واغتيال سمعتها، وكان يغدق على هؤلاء الكتاب المأجورين كوبونات نفط يجري تصديره سرا في السوق السوداء تجاوزا للحصار. 
  
قبل شنقه هتف صدام حسين بكل رجولة: "عاشت فلسطين حرة عربية" لم يكن موقفه الاخير استعراضيا، فالتصوير تم خلسة، ولم يكن لمجرد مناكفة شانقيه، فقد قُضي الامر، كانت لحظة صدق مع مبادئ آمن بها، ولكنها لم تجد ترجمة ذكية طوال عقود من الحكم، والانشغال بتمتين السيطرة والبحث عن زعامة اقليمية، وهو انشغال ادخل العراق في صنف الديكتاتوريات داخليا، وفي صنف الدول المعتدية خارجيا.  

هل يجب ان نقول ان الامور معقودة بخواتيمها ونمضي بعيدا عن التحليل والتفصيل؟! هل يجب ان نقول ان المنتصر يكتب التاريخ ونرتضي بالغبن؟! ام نحاول فهم وتفكيك هذا الالتباس في العلاقة الفلسطينية العراقية؟. 
 
خير من يفكك هذه العلاقة ويشرحها هو الاستاذ نبيل عمرو في كتابه "ياسر عرفات وجنون الجغرافيا" في الفقرة الاولى من الفصل الذي حمل عنوان "صدام حسين عدو الامس والحليف الاخير" يقول نبيل عمرو: 
"علاقة عرفات بالرئيس العراقي صدام حسين تتلخص بكلمتين لا ثالث لهما: الاسد وايران. واذا كانت علاقة صدام بنظيره الحزبي اللدود، قد تحسنت لبضعة اسابيع او شهور، فإنها انهارت وبلغت حدة العداوة فيها اعلى الدرجات، حين اكتشف صدام محاولة انقلاب نظمها الاسد للإطاحة به،... منذ ذلك الوقت، ظهر حرص صدام على اقامة علاقة مستقرة مع عرفات، فلا يزال قائد الثورة الفلسطينية، يصلح حليفا كما يصلح احيانا غطاء لسياسات صدام الحازمة والواقعة على حد المجازفة. ذلك ان عرفات كان يلزم لسحب البساط المقدسي من تحت اقدام الملالي في طهران، ويلزم في توفير اهم مقومات البعد القومي في سياسة صدام المتنافس بحدة مع قائد عربي داهية هو حافظ الاسد، "ان عرفات راية فلسطينية مقدسية يجب ان تخفق في بغداد وليس في طهران".   

هل من مناسبة لكتابة هذه الحلقة التي قد تزعج البعض سياسيا، وتثير مشاعر آخرين؟ لا على الاطلاق، لا يوجد أي سبب، سوى انزعاجي من الاحكام الصادرة وفق مبدأ الثنائيات المطلقة: طيب وشرير، وطني وعميل، ورغبتي بان تكون الاحكام نسبية واكثر منطقية وغير منزوعة من السياق، فالجميع جبان احيانا وشجاع احيانا، غبي احيانا وذكي احيانا.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات