القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

بغداديات 60 الاستاذ عماد الاصفر

بغداديات 60

مات اللاعب العراقي احمد راضي امس بالكورونا الحقيرة، كان اسمه قد ورد في حلقة لم تنشر بعد من سلسلة بغداديات، مجرد ورود في سياق قصة عن المطرب سعدون جابر والشاعر كريم العراقي، غير ان وفاته واتصال الصديق محمد علوي، وطلبه مني ان اكتب عن هذا اللاعب الشهير، دفعاني بعيدا الى جزء غير مضاء من الذاكرة.

لم اتعلم على اية آلة موسيقية، سعيت لتعويض النقص مع اولادي، لم تكن ثقافتي الموسيقية تتجاوز حدود ما هو شرقي، قرأت سيرة حياة بيتهوفن مبكرا جدا، من كتاب استعارته شقيقتي الكبرى من مكتبة مدرستها، ما زلت اذكر ذلك الكتاب بغلافه المصقول المتين، كان من اصدار دار العلم للملايين ببيروت، ايامها كانت القاهرة تؤلف وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ.

لم يصدق شقيقي الاكبر انني قرأت الكتاب كاملا، فتح احدى الصفحات، وسألني: ما معنى انامله؟ لم اتذكر ساعة السؤال ان الكلمة قد مرت علي اثناء قراءة هذا الكتاب او غيره، ولكنني اجبت ودون سابق معرفة : اصابعه الصغيرة، جاء الجواب من الوحي والتوقع المبني على السياق. لم انج فقط من السؤال، لقد نلت الاستحسان، والمزيد من الكتب.

كنت افضل القراءة على اللعب مع الاقران في الحارة، كانوا يضعون الاحجار لرسم حدود المرمى ويتقسمون فريقين، تنتهي كرة القدم في الحارات عادة بمعركة، او كسر شباك، او خروج جار غاضب لتفريق الاولاد، اذكر انني لعبت معهم مرات قليلة، كحارس مرمى، ليس ابعد من ذلك.

اذكر انني قرأت كامل اصدارات هذه الدار عن المشاهير: مدام كوري، هنيبعل، ليوناردو دافنشي، عباس بن فرناس، هيلين كيلير، وغيرهم، قبل ان انتقل لقراءة الالغاز (تختخ ونوسة ومحب وعاطف ولوزة، والشاويش فرقع) وبعدها الشياطين الـ 13.

ان تقرأ عن بيتهوفن دون ان تسمعه خلل كبير، سيتكرر هذا الخلل ليرسم معارف جافة دون مهارات، وان تسمع بيتهوفن وغيره دون معارف تضع الموسيقيّ والموسيقى ذاتها في سياق، هو الآخر خلل يتكرر ليصنع ذائقة تفتقد الى التأصيل، ويقودك في الاربعين الى شراء طبل الكشافة لأولادك، لمجرد انك كنت تشتهي في طفولتك ان تكون كشافا، ترتدي البنطال الرمادي والقميص الازرق السماوي (السمائي او الماوي حسب التعبير العراقي) وتعقد منديلا حول رقبتك وتضع طاقية خاكية على راسك، فيما تثني اصبعين وترفع ثلاثة بتحية الكشافة.

ربما يكون اول التقاء لذائقتي الموسيقية مع الاوبرا او السيمفونيات تم عبر برنامج الرياضة في اسبوع والذي كان يقدمه شيخ المعلقين الرياضيين مؤيد البدري على شاشة تلفزيون العراق، كانت مقدمة هذا البرنامج قطعة موسيقية رائعة، لا تمل الاستماع لها، ولن تجد ما هو انسب منها كمقدمة لبرنامج رياضي، ستصير هذه المقطوعة شيفرة لكل برنامج رياضي ولكل ذكرى رياضية ولكل هدف او انتصار كروي، وها هي تعود تتموج وتتقافز في راسي لمجرد سماع خبر وفاة اللاعب احمد راضي.

لقد كانت موسيقى "حلاق اشبيلية" للايطالي جواكينو روسيني.

ها هو الخلل التأصيلي يتكرر، والاوبرا الاشهر عالميا، والتي تتحدث عن حلاق سليط اللسان ينجح في فركشة زواج المصلحة، ويعيد المحبوبة الى حبيبها، تتحول الى شيفرة تدل على برنامج رياضي يقبع في الذاكرة بمقدمه مؤيد البدري صاحب الوجه الاكثر سماحة، والتعليق الاشد انتصارا وحماسا، كان في تعليقه الرياضي يعاتب اللاعبين بشكل ابوي دون ان يجرحهم: يا عيني، يا ابني، هاي ليش هيج؟! يلّا ما يخالف خيرها بغيرها.

والذكرى تمتد لتطال نجوم كرة القدم في هذا البلد، ومدربهم السرياني صاحب الوجه الذي يفيض طيبة، بلغته المكسرة التي لا تفرق ابدا بين المذكر والمؤنث، "عمو بابا" الاسم وحده فقط يفيض طرافة وطيبة.

كان اسمه عمانوئيل بابا داود، لكن العراقيين لا يتركون اسما على حاله، نحتوا الاسم فاصبح أجمل واطيب واصدق تعبيرا عن سمات هذا الرجل، او (هذه الرجل كما كان يقول).
في مقابلة معه، وجوابا على الاستعانة بمدربين اجانب قال عمو بابا حرفيا ما نصه:

"..... آني اختلف عن هوايا ناس... انا عراقي صافي، من صميم قلب، احب عراق، احب الاطفال العراق، انا يلزمني بكاء لما اشوف اطفال عراق،...." هاجرت عائلته ولكنه بقي في العراق متحملا كل المطالب التعجيزية والتدخلات غير المهنية التي كان يمارسها عدي صدام حسين في الرياضة العراقية.

توفي عمو بابا في عام 2009 ، تلكأت حكومة العراق الغارقة في الفوضى والفساد والطائفية في علاجه من مرض السكري، بدأ الاطباء ببتر اصابع قدميه التي ركضت كثيرا خلف الكرة، ودفن اخيرا حسب وصيته في ملعب الشعب، هذا الملعب الذي شهد امجاده كلاعب وكمدرب.

وتقاعد مؤيد البدري (ابو زيدون)، بعد 30 عاما واسبوعا من تقديم برنامجه الرياضة في اسبوع دون أي انقطاع، تقاعد مع انقضاء العصر الذهبي لكرة القدم العراقية، الفوز بأربع بطولات من خمس مشاركات بكاس العرب، الفوز بكاس آسيا مرة واحدة، والفوز بكأس الخليج 3 مرات.

من بين النجوم الذين حققوا هذه الانجازات: فلاح حسن ، حسين سعيد ، عدنان درجال، ناظم شاكر (وأخته) سمير شاكر (حسب تعبير الرائع عمو بابا)، كريم صدام، باسل كوركيس، وغيرهم وكان الالمع حضورا على الدوام احمد راضي (ابو هيا)، كان الاكثر وسامة وجمالا، ترون ذلك بوضوح في وجه ابنته الدكتورة هيا.

كانت صور احمد راضي مدفونة في كتب وصدور وتحت مخدات فتيات العراق، وكان الاشد تهذيبا في الملعب وخارجه، والافضل في آسيا عام 1988، وواحدا من بين عشرة لاعبين هم الافضل في آسيا خلال القرن الماضي، وكأن هتافات التشجيع لفريقه الزوراء صيغت لأجله:

يلعب بخلق راقي / زورائي وعراقي
ابيض يرفع الرأس / عالي وفوق باقي

وكان كذلك الألبق حديثا، لذلك لم استغرب اطلاقا ان يكون المبادر لتسجيل ونشر فيديوهات تدعو الى الوقاية من مرض الكورونا، وتحث العالم على امداد العراق بأجهزة التنفس التي يحتاجها المرضى في هذا البلد المنكوب، ولم استغرب انخراطه في السياسة وفوزه بعضوية مجلس النواب ولكن ضمن كتلة التوافق العراقية.

اعاود الآن سماع "حلاق اشبيلية" فلا ارى عازفين ولا الآت، اشاهد احمد راضي يستقبل الكرة بصدرة يكتم انفاسها بقدمه، يتقدم بها بكل اناقة، يسير مسرعا واثقا، يراوغ لاعبا لاعبين، يتقدم الى منتصف الملعب، يمرر الكرة بكل ثقة، ويتقدم متهيئا لاستقبالها مرة اخرى، يستقبلها فعلا، ويراوغ ويراوغ بكل اناقة، مؤيد البدري يقول برجاء: روح احمد، روح احمد، الجمهور يقف على رؤوس اصابع اقدامه متحسبا متحفزا يقظا، يضع احمد الكرة في الزاوية البعيدة، ويضع جسده في احضان الفريق، مترفعا عن اظهار الفرح بالهدف حتى لو كان هدفا حاسما، مؤيد البدري يهتف: جووووووول، جول بديع، الله عليك يا احمد راضي، الهدف الاول لمنتخبنا الوطني العراقي في مرمى بلجيكا يسجله احمد راضي، الهدف الاول للعراق في كاس العالم يسجله احمد راضي.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات