القائمة الرئيسية

الصفحات


البندورة والنفط: هبوط سعر البترول وسعر البندورة والكوسا

هبوط سعر النفط وسعر البندورة والكوسا بقلم:ياسين عبد الله السعدي
هبوط سعر النفط وسعر البندورة والكوسا بقلم:ياسين عبد الله السعدي
هبوط سعر النفط وسعر البندورة والكوسا
ياسين عبد الله السعدي
كان يوم الاثنين 2042020م يوما مشهودا ليس له مثيل حين انهارت أسعار النفط إلى ما دون الصفر للبرميل الواحد لوفرة الإنتاج التي زادت عن الطلب بسبب الكساد لتعطل الأعمال في العالم كله وبالتالي توقف استهلاك النفط بينما سفن شحن النفط تنتظر المشترين الذين لا يوجدون ولا يغامرون
في مثل هذه الظروف هبطت أسعار الخضار عندنا في حسبة جنين إلى درجة أن أصحاب الخضار صاروا يبحثون عن التخلص من خضارهم كما حاول تجار البترول التخلص من حمولة السفن المحملة بالنفط غير المباع.
في أيام الانتفاضة الأولى وفي ذروة المواجهات سنة 1989م كان ولدي ساطي قد استأجر دفيئة في مدينة جنين من المرحوم عدنان السوقي بجانب محلات ابو ناصر الشطاوي على الشارع العسكري شرق دوار الجلبوني اليوم، ولكن ساطي شارك في المقاومة، كما كان يفعل الشباب واعتقل في سجن مجدو.
كانت الدفيئة مزروعة بالخيار وكان لا بد من رعايتها وخدمتها وتوفير المياه والأسمدة والأدوية وما تحتاجه من خدمة وأهمها قطف الثمر لأن الناتج لا بد أن يتم تسويقه يوما بعد يوم أو كل يومين.
كان لدي سيارة بيجو تندر حديثة نسبيا وكنت أستعين بأبنائي وأبناء وبنات أشقائي لقطف الخيار وترتيبه بالصناديق (البوكسات) ثم نقلها إلى الحسبة عند تاجر خضار معين ويتم البيع والشراء كما هو معروف.
في أحد الأيام نقلت الخيار بالسيارة وتركتها بعيدا وذهبت أستطلع السوق ووقفت في الحسبة أراقب الوضع فأخذ الحاج عمر المخزومي كما أذكر جيدا وكان يعمل عند المرحوم الحاج حسن صبح، أبو أحمد ينادي على مجموعة من صناديق البندورة بلغت أكثر من عشرين صندوقا، وبدأ ينادي على السعر بعشرة شواكل للصندوق الواحد ولما لم يتقدم أحد بدأ بتنزيل السعر تدريجيا حتى وصل إلى شيكل واحد فقط. ولكن لم يتقدم أحد أيضا وعندما قال خمسة وسبعون أغورة تقدم أحدهم وأعلن عن نفسه فأنهى الحاج عمر الدلالة وأحال البيع إليه.
ثم انتقل إلى سيارة فولكس فاجن دبل كابينة مليئة بصناديق الكوسا لجاري في السكن السيد ابو نضال من دير أبو ضعيف وهي (سلة غذاء) جنين على الأقل فأخذ ينادي على الكوسا كما فعل بالبندورة ولكن لم يتقدم أحد إلى أن وصل إلى شيكل واحد ثمن الصندوق ولما نطق كلمة شيكل قال له أحد الأخوين الموجودين رافضا السعر: الله يعطيك العافية، وصعد (جمال) صاحب محل البلفونات في جنين شارع النهضة إلى السيارة وأخذ يناول شقيقه نضال الصناديق ويكومها في الشارع ويقول: خذوا كوسا، الكوسا اليوم (ببلاش) لأن ثمن الصندوق الفارغ 2 شيكل إذا باعه وفيه الكوسا وبذلك يخسر أكثر من شيكل.
أما أنا فرجعت إلى سيارتي أريد العودة من غير عرض البضاعة فتقدم لي أحد التجار من الأهل بالداخل كان يقف بجانب السيارة ينتظرني لأنه رأى الخيار وكنت أرتبه مصنفا الكبير لوحده والصغير لوحده ويبدو انه فحص ذلك في غيابي وأعجب بذلك فبادرني قائلا ألا تريد بيع الخيار؟ قلت له يبدو أن الأسعار متدنية فقال أنا سألت عن الخيار فقالوا لي ان السعر بين 5 شواكل وسبعة شواكل حسب النوع قلت له أنا أبيعه في القرى عندنا بعشرة شواكل بالصندوق ولذلك لا أبيعه في الحسبة فدفع ثمانية شواكل بالصندوق. وافقت وأخذته إلى المزرعة وهناك نقل البضاعة بدون كمسيون وبدون شيكلين ثمن الصندوق وصار يحضر يوما بعد يوم أو كل يومين ويأخذ الناتج كله وعندما لا يحضر كنت أبيعه في القرى الشرقية من جنين اذ اشتريت سماعة وكان ولدي عبد الله ينادي على الخيار ومن يومها تعلم التجارة وصار اليوم من رجال الأعمال، خصوصا انه كان يرافقني عندما كنت أتاجر باللوازم المدرسية وغيرها في البلدات العربية في الداخل خلال العطل المدرسية.
في تلك الفترة كنت أعمل معلماً في مدرسة حطين الجديدة ولم يكن حولها بنايات في ذلك الوقت كما هو الوضع اليوم من كثرة العمارات التي تحيط بها بل وتجاوزتها إلى مسافات بعيدة.
كان بجانب المدرسة من الجهة الشمالية أرض سهلية مزروعة بالكوسا أيضاً وعندما تدنت أسعار الكوسا إلى درجة كبيرة لم يقطف الثمر الرجل المزارع وقد حضر إلى المدرسة وعرض على المعلمين أن يأخذ كل واحد ما يريده من الكوسا لأنه لا ينوي قطفه. لم يذهب أحد غير أحد الأذنة، رحمه الله، وأحضر ما يعادل 3 كيلو تقريبا وعرض لمن يريد فشكرناه. بعدها أذكر انني القيت نظرة من الشباك على المزرعة فرأيت قطيعاً من الغنم يرعى فيها.
في السنة التالية كان الرجل قد زرع السهل بالعدس وعندما جف الزرع في بداية الصيف وقبل العطلة المدرسية جمع الزرع الجاف في كومة كبيرة لكي يقوم بهرس المحصول بواسطة دراسة متنقلة يجرها جرار آلي (تراكتور) وعندما أعمل موتور التراكتور تسبب في قدح شرر أشعل نبات العدس الجاف فالتهبت الكومة كلها. طلب مدير المدرسة سيارة الإطفاء ولكن عندما وصلت كانت الكومة قد تحولت إلى رماد. لم يعد الرجل بعدها لأن الأرض بيعت وتم بناء العمارات فيها وحولها أيضا.
نشر في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 2642020م؛ صفحة 11
yaseenalsadi22@hotmail.com

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات