القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

من عجائب حزب التحرير (فتح روما)

من عجائب حزب التحرير (فتح روما)

هو الحزب العالمي الوحيد والاوحد الذي يملك شهادة منشأ فلسطينية صادرة عام 1952 وممهورة بتوقيع ابن قرية إجزم التابعة لحيفا الشيخ تقي الدين النبهاني. ومع ذلك فان الحزب لا ينظر الى فلسطين باي افضلية، ولا يعطيها أي اولوية على ما عداها من بقاع الارض كليبيا والعراق او تركمانستان او قيرغزستان او الصين واندونسيا وباكستان.

لا يعترف الحزب بالدولة الوطنية ولا بالروح الوطنية ولا بالجوانب الروحية، ويعلي فقط من شأن النصوص والاحكام، ويريد الخلافة مرة واحدة وفي سائر بقاع المسلمين، ولكن ليس الآن، وانما بعد استكمال تغيير افكار المسلمين ومشاعرهم ثم طبيعة علاقاتهم الى افكار ومشاعر وعلاقات تحتكم للعقيدة.

يعني لو تمكنا من اقناع العاهل الأردني بانهاء الملكية وتسليم البلاد لحزب التحرير من اجل إقامة الخلافة فان الحزب لن يوافق، وكذلك سيفعل بالتأكيد في فلسطين لو أقنعنا الرئيس ابو مازن بحل السلطة وتسليمها لحزب التحرير!!! الحزب لا يفضل البدء من هنا بل من روما بعد تحريرها.

لهذا السبب بالذات رفض الحزب اعلان داعش عن قيام الدولة الاسلامية ومبايعة ابو بكر البغدادي خليفة للمسلمين. فالخلافة هي دولة كل المسلمين وخليفة المسلمين واحد لا يتعدد.

خلافا لكل الاحزاب في فلسطين وفي العالم اجمع فان حزب التحرير لا يحتفل بانطلاقته وانما يحيي بشكل سنوي ذكرى سقوط الخلافة الاسلامية، وبالتقويم الهجري وليس الميلادي، في الثامن والعشرين من رجب من كل عام بمسيرات مركزية وبيانات وندوات. كما يحيي الحزب بذات الطريقة مناسبات اخرى مثل فتح القسطنطينية، ويطمح بحسب شعاراته الرسمية الى فتح روما ويعتبر ذلك ذروة سنام جهاده.

لوحق الحزب في عدة بلدان وسمح له بالعمل في بلدان اخرى، وهو حزب ناطق بكل اللغات الحية، وسبق له ان عقد ندوات حتى في موريشيوس التي لا يعرفها احد، ويقسم الحزب الحكام الى صنفين: صنف تابع لامريكا وآخر لبريطانيا، ولن تستطيع مهما بذلت من جهد اقناع منتسبي الحزب بان بريطانيا قد شاخت كثيرا واصبحت ذيلا وتابعا لغيرها.

اذكر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ان أفراد الحزب كانوا بعد اعتقالهم ينشرون إعلانات براءة واستنكار لافكار الحزب ويصفونها ب (الهدامة) مقابل الإفراج عنهم، كنت اشعر بالحزن الشديد لذلك رغم انني لم اكن اعرف شيئا عن حق حرية الرإي والتعبير، وكبرت لاحقا وعرفت ان ذلك ايضا كان يطلب من المعتقلين الشيوعيين ولكنهم كانوا يرفضون.

كبرت اكثر وتعرفت على قصيدة البراءة التي كتبها الشاعر العراقي مظفر النواب على لسان ام توصي ابنها الشيوعي المعتقل بعدم إعطاء البراءة من الحزب، تقول الان لابنها:
ابيض عيونك لبن صدري وسواد عيونك الليل اللي عند مهدك بكيته
يا ابني الكلب يرضع من حليبي ولا ولد يشمرلي خبزة من البراءة.

ما زالت هذه القصيدة تذكرني بحزب التحرير وباستنكارات بعض معتقليه لافكاره على صفحات الصحف في إعلانات مدفوعة الأجر.

الحزب ينشر الآن إعلانات مدفوعة الأجر في الصحف عن الندوات التي يعقدها هنا وهناك والاعتصامات التي ينظمها بشكل مركزي في رام الله.

تورط الحزب في اكثر من مناسبة في الدفاع عن فتاوى نسبت اليه، مثل فتوى تحريم اكل خبز الطابون لان روث الحيوانات يستخدم في اشعال نيرانه، وفتوى اباحة النظر الى المرأة العارية من خلال المرآة او عبر التلفزيون او رداء من النايلون! براءة الحزب من هذه الفتاوى لم تمنع الناس من الاستمرار في مهاجمته بسببها.

اكثر ما لفت انظار العموم الفلسطيني الى هذا الحزب بشكل فضولي هو اعلان العيد واطلاق التكبيرات في المسجد الاقصى اثناء قيام بقية المسلمين باداء صلاة التراويح ثم مجاهرته بالافطار في اليوم الاخير من رمضان، خلافا للاعلان الرسمي.

والآن فان اكثر ما يلفت الأنظار الى هذا الحزب موقفه المعارض بشدة لقرار منع تزويج القاصرات!!.وهو يعتبر ان عدم تزويج الفتيات الصغيرات مؤامرة كونية على الشريعة ونهج الله وعلى المجتمع ودعوة لبث الدعارة والفحش بين المسلمين.

موقف الحزب من المرأة متشدد جدا، قياسا بغيره من الاحزاب الاسلامية، او ربما يكون تشدده اكثر علانية من تشدد غيره، يتضح ذلك في العدد الكبير من الانشطة والندوات التي تعقد للتحريض ضد المنظمات النسوية، وفي موقف الحزب من اتفاقية سيداو لمناهضة العنف ضد المرأة، كما يبرز ايضا في اقتصار انشطته العلنية على الذكور فقط.

لا يؤمن الحزب بالديمقراطية بل يحرمها ويدعو الى انتهاج البيعة بدلا عنها، ويحرم ايضا الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية. ويعتبر ان واحدة من ابرز مآثره كانت رفضه الصارم لقانون الضمان الاجتماعي!. وكان مبرر الرفض ان السلطة ستستثمر اموال الضمان في البنوك الربوية!! لماذا لم يتخذ الحزب موقفا مماثلا من بقية الاستثمارات والانشطة المالية للسلطة؟! لا احد يعلم.

المتتبع لبيانات وادبيات حزب التحرير يجده من اكثر الاحزاب ايمانا واستخداما لنظرية المؤامرة، ولعل هذا يظهر في الاستخدام المتكرر جدا لكلمتي (اتباع، وعملاء) في بياناته. وكذلك في برامج قناته التلفزيونية المسماة (الواقية) والتي تعتبر الدول كبيرها وصغيرها مجرد ولايات للخلافة المنتظرة.

والحقيقة ان الحزب يعارض حتى الدول الاسلامية كايران او ماليزيا او تركيا ويعارض التنظيمات الاسلامية كالإخوان او داعش وكذلك تنظيمات الممانعة والرفض سواء كانت علمانية او شيوعية، باختصار لا يعجبه العجب!!

فمثلا احتج الحزب على زيارة بوتين لفلسطين ولكنه لم يحتج على زيارات سابقة لأمريكان وحالية لفرنسيين وبريطانيين!!.

حزب التحرير متشدد فكريا واجتماعيا ولكنه يكتفي بالدعوة والتنظير الفكري، ولم يكن في يوم من الايام حزبا عنيفا لا ضد الداخل ولا ضد الاعداء، فهو يرفض استخدام الوسائل العسكرية لتحقيق غاياته، ولكنه لا يمانع اذا قام قادة احد الجيوش بالانقلاب على حاكم عميل واستلموا الحكم، شريطة ان يقوموا بعد ذلك بتسليم الحكم للحزب، او الالتزام بتنفيذ خطط الحزب للبدء بالفتوحات الاسلامية.

بقي القول ان معضلة الحزب الكبرى والختامية انه سيرفض تسمية حدود الخلافة حتى بعد قيامها، فالخلافة بنظره ليس لها حدود ثابتة فأرضها تتسع باستمرار، لكن ليس كدولة مستعمرة ناهبة، وإنما كدولة فاتحة. هذا الامر قد يقود الى خلافات كبيرة مع عصبة الامم.

واما المعضلة الاخرى فان رموز الخلافة الراشدة التي ينادي بها الحزب وهم أربعة لم يغادروا موقع الخليفة الا بالوفاة كما حدث مع ابو بكر او بالقتل كما جرى مع عمر وعلي وعثمان عليهم رضوان الله جميعا، والحزب لا يجيب على سؤال: ماذا لو تم تنصيب الخليفة ثم انحرف عن تعاليم الدين الحنيف هل يجوز الانقلاب عليه؟!. الحزب ايضا لا يبدل أميره الا بعد وفاته.

الغريب ان حزبا بهذه العالمية وهذه النظرة الوحدوية لأمة لا يفرقها عرق ولا لغة ولا اصل يلجأ احيانا الى بث افكاره من اضيق الزوايا كدواوين العشائر هنا وهناك، وينشغل اكثر ما ينشغل بالمرأة وتبكير سن تزويجها تاركا الكثير الكثير من القضايا التي يجب ان تؤرقه.

النشاط المكثف والملحوظ لهذا الحزب مؤخرا، واعتماده على وسائل التواصل الاجتماعي وبثه لدعايات ممولة، يثير اكثر من علامة استفهام، قد يكون الامر مجرد محاولة منه لاستغلال الفرصة التي يوفرها عجز السلطة وانكفاء بقية الأحزاب، وقد يكون مؤشرا على وجود خلاف او انشقاق داخل هذا الحزب بين جناح يؤيد العمل الجماهيري وآخر يريده نوعيا.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات