القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

مشكلتي مع اللهجة المصرية #فؤاد_زويريق

مشكلتي مع اللهجة المصرية

من أكثر الأشياء التي كنت أخشاها قبل زيارتي لمصر هي كيف سأواجه لهجتها، ليس لانني لا افهمها، بل بالعكس تماما فلا أظن أن هناك كلمة واحدة في معجمها لا افهم معناها، الخشية من كيفية التعامل معها، من ردة فعلك وأنت تسمعها أول مرة مباشرة ومن المصريين أنفسهم، وكأنك في أول لقاء مع محبوبتك، وأنا في صالة الانتظار كنت أسترق السمع الى أحاديث الركاب، لكن للأسف تعدد اللهجات بسبب اختلاف الجنسيات شَوَّش على سمعي، فلم يُرفع الستار عن هذه اللهجة كليا لتصبح أكثر وضوحا إلا في الطائرة وأنا أتواصل مع بعض المسافرين المصريين والمضيفات ايضا، ورغم ذلك كان التشويش حاضرا بسبب هدير المحركات.

في مطار القاهرة حدث معي نفس الشيء، لم أحصل على فرصتي كاملة للاستمتاع بها، فلم يكن بالتالي لقائي الأول والمباشر معها إلا في السيارة التي أقلتني الى الفندق، كان السائق يتكلم طيلة مدة الرحلة التي قضيناها معا من المطار الى الزمالك، هو لم يسكت وأنا لم أتكلم، كنتُ صامتا غارقا في فك رموز هذه اللهجة العجيبة، ليس لاني لا افهمها كما قلتُ سابقا، بل محاولة مني الوقوف على ماهية سحرها. قدرتها على جعلك تسرتخي بعد عناء السفر غريبة جدا، كان السائق يتكلم وكأنه يحقنك بمسكنات طبيعية، هذا رغم ان كلامه مجرد ثرثرة عابرة لا فائدة منها، اصرارها على جعلك تطلق العنان لعاطفتك اتجاه كل ما هو مصري مثير حدّ الدهشة.

عندما اختلطت بالناس في الشارع أحببتها أكثر وارتحت الى أصحابها، فمجرد كلامهم معك بلهجتهم هذه يجعلك تشعر بالألفة وكأنك تعرفهم منذ زمن. اللهجة المصرية ''لهجة حية'' بملامح واضحة المعالم، لا تضعك في شباكها وتجعلك وحيدا تصارع مفاهيمها وأسسها وخصائصها ومعانيها... وكل تلك المصطلحات العلمية المعقدة. هي لهجة سَلِسلة قوتها في بساطتها، ايقاعاتها متناغمة ومتساوية، هناك لهجات خشنة وهناك اخرى وكأنها طبول حرب تقرع وتدق في أذنيك، اللهجة المصرية عكس ذلك تماما، لهجة ناعمة ومرنة ومسالمة، لا أفقية ولا عمودية، نوتاتها سهلة التلقين والاستيعاب، هي سيمفونية انسانية تتسلل بلطف الى وجدانك فتتمكن منه فتحتويه قبل ان يحتويها.

عندما يتحدث المصري يتراءى لي كرسام مبدع، ريشته لهجته، بها يرسم لوحات تشكيلية رائعة، ألوانها مفردات وكلمات. اللهجة المصرية أصيلة ووفية لوطنها، وأحب شخصياًّ أن ألتقطها كما هي بأصالتها ووفائها دون تلويث بمفردات أخرى أجنبية، خصائص اللهجة المصرية استثنائية وغير قابلة للقسمة أو دعوني أقول لا تقبل ''الضرة''، فهي متمردة وثائرة، لهذا تجدها الى حد الان مستعصية على التهجين والتدجين. فرغم اني لست مصريا إلا أني أشعر بالفخر والاعتزاز كلما سمعت متحدثا من مصر لا يمزج حديثه بخليط من الكلمات المصرية والانجليزية أو اية لغة اخرى.

كل مساء وقبل أن أذهب الى فندقي، كنت أتمشى أو أقف قليلا على كوبري قصر النيل، هناك يصل التلاقح بيني وبين اللهجة المصرية ذروته، الحشود الكبيرة والمختلطة ببعضها البعض تجعلك وسط محيط غني بروح هذه اللهجة، فعلى هذا الكوبري تتشكل بانوراما مصرية خالصة تؤثثها اللهجة المصرية، وليسمح لي الأشقاء والاحباء والأصدقاء في مصر لأعترف وأقول ان اللهجة المصرية تكون أكثر عذوبة وحلاوة إذا تحدثت بها المرأة المصرية، فرحيق أية لهجة أولغة كانت، لا يشكل دواء ولا بلسما للسامع إلا إذا لاَكَه لسان امرأة ، ونفس الشيء حتى بالنسبة للهجتنا المغربية احب سماعها من المرأة أكثر من الرجل فالمرأة تعرف كيف تتلاعب بميزان وايقاع المفردات لتجعلها أكثر "شنّة ورنّة".

على العموم أحب اللهجة المصرية سواء كان المتحدث رجلا أو امرأة، ربما هذا الحب نابع من كوني ترعرعت كما اغلب ابناء جيلي في المغرب وسط الافلام والمسلسلات والاغاني المصرية، فكانت أول لهجة أجنبية نكتشفها ونحن صغار هي اللهجة المصرية.
بقي أن أقول، إذا تأتى لك يوما زيارة مصر ثِق انك ستسحر بلهجتها وهي تتسرب الى أذنيك وستجعلك تحب المصريين أكثر وأكثر.

*كل الحقوق محفوظة لصاحب المقال #فؤاد_زويريق

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات