القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية العنقاء كاملة : الجزء السادس: رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي.

رواية العنقاء كاملة : الجزء السادس:  رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي. للكاتب عبد الكريم السبعاوي في 1942  المولود في حارة التفاح بمدينة غزة لأسرة فقيرة لكنها حفية بالعلم والثقافة


----------------

التأم مجلس السمار على باب دكان الزهار .. دار الحديث سجال" .. كما يدور كل ليلة
.. قصصهم مع الضباع والفاعي وصراعهم مع السيول والطوافين .. وحواديت الجن وأشباح
القتلى .. وما تمتلئ به المخيلة المسحوقة تحت وطأة هموم الحياة الصعبة .
حلف الزهار طلقا" بالثلثة من زوجتيه .. أن عروسة بئر أعبية خرجت له من شور
الصبر الذي يمتد على طول الزقاق إلى الساقية .
كانت ترتدي ثوبا" أبيضا" .. وطرحة بيضاء .. عليها من الحلي الذهبية ما يزن رطلين ..
كلما تحركت خشخش الذهب في عنقها ومعصميها ورنت خلخيلها .
ويتابع الزهار ؟ :
- حلف الزهار طلقا" بالثلثة من زوجتيه .. أن عروسة بئر أعبية خرجت له من شور الصبر الذي يمتد على طول الزقاق إلى الساقية .
كانت ترتدي ثوبا" أبيضا" .. وطرحة بيضاء .. عليها من الحلي الذهبية ما يزن رطلين .. كلما تحركت خشخش الذهب في عنقها ومعصميها ورنت خلخيلها .
ويتابع الزهار ؟ :
- قالت اتبعني .. سأكون خيراً لك من كل النساء .. أنا بنت ملك الجان .
أعرضت عنها ومضيت دون أن التفت .. صارت تنادي بعالي الصوت :
- يا زهــار .
فتردد السياجات .. وأكتاف الصبر .. وكعوب الجميز .. صدى ندائها :
- يا زهــار .. يا زهــار .
وضعت إصبعي في أذني ولم التفت .. حتى ل أقع تحت سحرها .. فتسحبني إلى الساقية ..
وتغرقني في البئر .. كما فعلت مع ابن المطربيعي .
كان الشباك الخلفي لغرفة خضرة يطل على ساحة الدكان .. وكانت تجلس تحته
فتسمع من غرفتها كل ما يدور في الحارة ..
أما أهل الحارة فقد أقصوها عن ذاكرتهم ما استطاعوا .. حتى ل تثقل ضمائرهم بما كان ..
يوم تجمعوا على باب دكان الزهار .. يستمعون لصوت استغاثاتها .. والعسكر يغتصبونها الواحد بعد الآخر .. دون أن يجرؤ أحد منهم على اقتحام الدار وتخليصها .
أثقلتهم الفجيعة أياما" وأسابيع وشهورا" .. قبل أن يرموا بذاكرتها إلى النسيان .. كانت تمر
شهور دون أن يطرق بابها أحد .. لم يتقدم أي شاب لخطبتها .. ولم تجرؤ أي فتاة على مصادقتها أو الإختلاط بها .
كانت الظهور تئن تحت أحمالها الفادحة .. لم يكن هناك متسع لحمل جديد .. ثم أن عار خضرة لتنوء بحمله الجبال .. ومن يرضى أن يرزق من خضرة بولد أو بنت .. والعار في الحارة يورثه الأباء للأبناء كما يورثونهم العقار والتراث .
أول من تجافاها وأعرض عنها سالم بعد أن ظل يطاردها ليله ونهاره .. صدق فيه قول أمها :
- سالم نذل وضع عينا "عليك وعينا" على ساق الرماد .
أما آخر من تجافاها فقد كانت سكينة .. زوجة حسان السلمين .. حلف الفار طلاقا" على زوجته أن لا تدخل دار خضره أو تكلمها .. وهكذا تساوى أهل الحارة في الجحود .. بعدما تساووا في الذل .. لا مكان للتمايز في الدرك الأسفل .
تعودت خضرة على جفائهم وابتعادهم عنها .. جازتهم جفاء بجفاء .. تدبرت أمرها بعيدا " عنهم أولاد البلبيسي الذين أخذوا الساقية من أبيها مزارعة .. ظلوا على عهدهم معها ..
يحملون إليها نصيبها من غلة الأرض .. ويقضون لها حاجاتها من السوق .
أما هي فكانت تنسل كل ليلة تحت جنح الظلم .. حتى تصل إلى ساقية الرماد .. لتسهر مع النواطير من أولاد البلبيسي حتى الصباح .. ثم تعود إلى بيتها قبل أن ينبلج الفجر .

تحولت خضرة إلى طائر ليلي .. تنام في النهار وتصحو في الليل .. وقلما كان عالمها يتقاطع مع عالم أهل الحارة .. حتى أن اكثرهم لا يعرفون أن كانت ما تزال على قيد الحياة .. أو أنها لحقت بوالديها ظل هذا دأبها حتى قررت إنهاء بياتها الشتوي الطويل .. فاجأت أهل الحارة ذات يوم بظهورها سافرة أمام المسجد .

كانوا خارجين من جامع الأيبكي بعد صلة الظهر .. نظروا إليها .. نكسوا رؤوسهم .. مضوا كل إلى سبيله .. كأنهم ما رأوا أحدا" .. أما هي فأخذت تضحك بملء صوتها وهي تراهم يهربون من طريقها .

وحده حبوش الأعمى لم يفر .. كان يهز رأسه المطربش المعمم .. يمنة ويسرة على إيقاع خطواته الثقيلة البطيئة .. فرحت لأنه بقي أمامها من تحادثه :

- كيف حالك يا عمي .

تمهل حبوش في مشيته .. مصعرا " نحوها أذنه المدربة على التقاط الصوات وتمييزها .. الذاكرة لم تسعفه .. كبرت وتغير صوتها .. أعوام\ طويلة مضت منذ كان حبوش يرافق جلساتها الطويلة على قبر والديها.. منهمكا" في قيادة خطواتهما عبر مسالك الأخرة الضيقة..

بما يلقنه لهما .. وبما يقرأه عن روحهما من القرآن .. لقد ساعدهما في مواجهة ناكر ونكير اللذان أخذا يحاسبناهما في القبر على كل شاردة وورادة في حياتهما .. ولم يتسن لحبوش إدخال والديها إلى الجنة .. وضمان الغفران لهما .. إلا بعد أن تأكد أن الصبية لم يعد لديها ما تتبلغ به .. ناهيك عما تدفعه عن أرواح موتاها .

طالت وقفة حبوش وطالت حيرته .. وعاد يهز رأسه .. كما لو كان يمشي ثم سأل :

- من أنت ؟

- أنا خضرة يا عماه .

- لم تكمل فقد ولى حبوش هاربا" كأن شيطانا" عرض له .. أو كمن لسعته النار .. يتعثر بأحجار الطريق .. وقد تسارعت هزات رأسه كحردون في عز صلته .

( 2 )
انطلق الموكب صباح الخميس .. درويش حسين باشا متصرف غزة التركي على
حصانه السود .. عن يمينه القاضي معروف على برذونه الخضر .. على يساره التفكجي
باشا رئيس القراقول .. خلفه مشايخ الحارات على حميرهم.. ثم عدد من العيوانيه الراجلين
خلف الموكب .. وقد تسلح الجميع بالغدرات والخناجر .
خرجوا من بقايا السور القديم .. انحدروا في الطريق إلى السواقي المحيطة بالبلدة .. حيث
يزرع الفلحون الخضار على أنواعها .. اللفت والملفوف والقرنبيط والخس في الشتاء .
أما في الصيف فيزرعون الفلفل والباذنجان والبامية والملوخية .. لفت نظر المتصرف أن
معظم السواقي حول المدينة مزروعة بالفلفل منذ العام الماضي فسأل :
- فلفل .. فلفل .. فلفل .. ما هذا يا مشايخ ؟
قال شيخ التفاح :
- إنه مونة أهل البلد .. فلول الفلفل الذي يتخذونه غموسا لهم مع الزيت والزيتون لما وجد
الناس اداما سوى الملح .. الناس فقراء يا باشا وهذه مونة رخيصة ل تكلفهم شيئا" .. إنهم
يأكلون الفلفل أخضرا أو مخلل" مع وجبات الطعام الخرى كمقبل .. أو يغمسونه بالخبز
مطحونا" أو يضيفونه للدقة مسحوقا" .
أثار الحديث حماس القاضي فقال :
- للفلفل فوائد ل تحصى يا باشا .. فهو فاتح للشهية .. مدر للعاب .. محرض للمعدة على
العمل .. منشط للقلب .. منبه للعصاب .. مقو للباهة .
أراد أن يسترسل ولكن الباشا قاطعه :
- أراك متحمسا" كثيرا للفلفل يا قاضي أفندي .. لقد سبق وقلت لي أن كل شئ مذكور في
القرآن .. فهل ورد ذكر الفلفل أيضا" .
أسقط في يد القاضي .. ما كان يتوقع سؤال" كهذا .. لكن القريحة أسعفته في اللحظة المناسبة :
- نعم يا باشا ألم تقرأ قوله تعالى ( ول تقل لهما أف ) وشهق كمن أحرقته لذعة الفلفل .. أف
هذه جاءت من الفلفل الحراق .
ضحك الباشا وضحك الجميع :
- يا لك من داهية قاضي معروف .
مضى الموكب حثيثا" .. مخلفا" وراءه السواقي إلى كروم العنب واللوزيات والتفاح ..
المساحات البور التي تركتها المحاريث بين السواقي وعلى جانبي الطريق .. كانت مغطاة
بالقريص والعلدة والخبيزة .. شقائق النعمان الحمراء أخذت ترصع المسافات كالقناديل وتتمايل
على سوقها النحيلة .. أما الحنون الصفر فكان يتسلل على استيحاء بين الفينة والفينة ..
فارشا" زهوره الرقيقة كلما أفسحت له النباتات الشرسة مكانا" يتواجد فيه .
ما أن خلفوا الكروم حتى امتدت أمامهم سهول القمح والشعير في اتساع الفق .. نزل شيخ
التفاح عن حماره .. وأخذ يقيس قامة السنابل .
- صارت شبرا وما زلنا في أول آذار .. ما أن يصل نيسان حتى يصبح الشعير طول قامة
الرجل .. هذه سنة خير وبركة إن شاء ال .
سطعت الشمس وسط سماء آذار لملبدة بالغيوم .. قال شيخ المشاهرة وهو يشير إلى
قوس قزح على حافة الفق :
- إن قوست باكر خود عصاك وسافر .. لن تمطر على رؤوسنا هذا اليوم .
قال شيخ الدرج وقد غمره الدفء فخلع عباءته عن كتفيه وطواها بعناية ثم اسقطها في خرج
الحمار :
- إن نوfر الشقيق نام في الطريق .
ضحك شيخ التفاح :
- لعل هذه شمسة العجوز .. فل تعجل بخلع ثيابك حتى ل يصيبك ما أصابها .
شرد الباشا بذهنه عما يدور حوله .. تذكر الرسالة التي وصلته من المير محمد آغا أبو نبوت
نائب الوالي في لواء غزة ويافا وفيها : أن أحمد باشا الجزار ينوي الحج إلى بيت ال بمكة
المكرمة في هذا العام .. السلطان ضم له ولية الشام وعينه أميرا" للحاج .. شرف عظيم
لجناب الوالي الفخم يستلزم بعض الهدايا من الحكام والرعية .
قال في سره : ( لعنة ال على الوالي ونائبه .. ل هذا يشبع ول ذلك يقنع .. بلصات ..
بلصات .. بلصات ) ثم تذكر يونس فقال ( إذا أعطاني يونس مال" فسوف أهديه للوالي أما
مالي أنا فلن يرى منه شيئا" ) .
وصل الموكب قبل صلة العصر .. اصطف العبيد بأسلحتهم حول يونس الذي تقدمهم
لستقبال ضيوفه :
- يا هل .. حياكم ال .. حياكم ال ,, هل ورحبت .
عانق يونس الضيوف .. علقت الذبائح من عراقيبها .. اشتعلت النار تحت القدور
الضخمة .. دارت فناجين القهوة المعطرة بحب الهان .. وصحاف التمر واللبن .
تحدث الضيوف عن المطر والموسم المتوقع .. كم عدد الموارس التي زرعت قمحا" أو شعيرا"
أو عدسا" أو فول" في كل حارة .. حتى الموارس القليلة التي زرعت سمسما" كانوا يعرفون
عددها ومواقعها .
قال شيخ المشاهرة :
- ل تخافوا .. إن أخصبت وراها آذار وإن أمحلت وراها آذار .
مال القاضي معروف على يونس وقال له :
- خذ يا يونس .. صنعت لك حجابا" يحميك من كل سوء .. تكلفت خمسمائة قرش لهل ال
الذين ساعدوني في عمله .
قال يونس وهو يرد الحجاب للقاضي :
- احتفظ بحجابك يا قاضي .. أو فلتجد لك زبونا" آخر .. أرملة مسكينة أو فلحا" جاهل" أو
فقيرا" تسلبه قوت يومه .. أما أنا فلي ال وهو خير حافظ ..
مدت صحاف الطعام .. أكل الضيوف حتى شبعوا .. كان القاضي أكثرهم شراهة ونهما" ..
أتى على كمية هائلة من اللحم والثريد .. اتبعها بصفحة من اللبن .. مسح كرشه وتجشأ .
قال الباشا:
- ارحم كرشك قاضي افندي .
علق شيخ التفاح ساخرا" :
- دعه يأكل .. أكل الرجال على قدر منافعها .
صاح الباشا :
- لو كان هذا الكلم مظبوط .. كان قاضي باشا مات من الجوع .. قاضي باش يضر ول
ينفع .
ضحك المشايخ .. احمر وجه القاضي .. كظم غيظه .. دارت فناجين القهوة ودار معها
الحديث .. أشبع يونس فضولهم قدر استطاعته .. لم يكن لديه ما يخبئه عليهم أو يخشى منه
معرفته .. أسرهم بتواضعه الجم ودماثة خلقه .. حدثهم عن أبيه شيخ مشايخ السبعة وعن أخيه
الذي صار شيخا" بعد وفاة والدهما .. عن المواقع الطاحنة بين قبيلته عنزة وقبيلة شمر .. عن
حروب العرب وأيامهم .. عن الفرسان والشعراء والعشاق في باديته المنسية ..أفاض في
الحديث عند ذكر شيخه فلح الرواشده الذي تلقى العلم بدوره على يدي المصلح الكبير الشيخ
محمد بن عبد الوهاب في الدرعية على مذهب سيدنا المام أحمد بن حنبل .
كان الباشا قد غرق في النوم هو ورئيس القراقول .. أما القاضي فإن وقعة العشاء المخيفة
التي ابتعلها أثقلت عليه.. فأخذ يراوح بين النوم واليقظة .. ولكن صوته لعلع فجأة :
- محمد بن عبد الوهاب .. أما زال ذلك الكافر حيا" .. سمعت أنه مات .
قال يونس :
- كيف حكمت بكفره أيها القاضي ؟
- لقد هدم قبور الولياء والصحابة .. ونقض طاعة السلطان وهو ولي المر الواجب الطاعة
بعد ال ورسوله .. وأباح لتباعه حمل السيف على من خالفهم في العقيدة مع أن ال تعالى
يقول ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) .
أجاب يونس بصوت جاهد على أن يكون هادئا" :
- الكافر هو الذي يروج البدع .. ويبيع الحجبة والتعاويذ التي ما أنزل ال بها من سلطان ..
ويشرك مع ال إلها آخر حين يطلب المعجزات والكرامات من أضرحة الولياء الذي تعفنوا
وأكلت جثثهم الرض .. الكافر هو الذي يسكت على ظلم أولياء المر للرعية واستباحتهم
للحرمات .
ضحك المشايخ فاصفر وجه القاضي وتطلع إلى الباشا فوجده غارقا" في النوم يغط مثل بقرة
تخور .. لو كان الباشا مستيقظا" لما جرأ يونس على قول ما قاله .
أراد القاضي أن يثأر لهزيمته أمام هؤلء المشايخ الجهلة العوام .. الذين ل يؤبه لهم .. فأخذ
يستعرض أمامهم ليبهر يونس هذا البدوي الجلف .
- وماذا يكون محمد بن عبد الوهاب هذا .. ومن أعطاه الحق ليتطاول على الولياء
والصالحين .. ويحدث في السلم ما ليس فيه .. لقد أنجبت غزة أفاضل العلماء أصحاب
المقامات والكرامات فلم ير أحد منهم رأي شيخكم هذا .
ألم تسمع عن علماء غزة .. لعلك لم تسمع بغير الشافعي .. غزة أنجبت سواه الكثيرين ..
منهم بحر العلوم بدر الدين أبو البركات .. والنجم الغزي صاحب الحلة البهية في الجرومية
والشيخ شعبان الدمرداش الشهير بأبي القرون الذي خضعت له الهوام والفاعي .. والشيخ
حسن بن عبد الكريم الملقب بابن النخالة الذي نطق له الحمار .
تبسم يونس وهو يقول :
- عجبت لغزة .. تنبغ حميرها ويتبلد قضاتها .
قهقه الجميع ساخرين فاستشاط القاضي .. لقد خسر الجولة مرة ثانية .. بسط القاضي فراشه
على الرض وأحكم الغطاء على نفسه وقد أزمع النوم .
- تصبحون على خير .
- ردوا عليه بصوت واحد .
- وأنت من أهله قاضي أفندي .
في اليوم التالي واصلوا جولتهم في الوادي ..حل الظلم فتحلقوا حول بكارج القهوة:
قال شيخ التفاح :
- رأيناك تؤثر جوهر على سائر عبيدك وتخصه بمحبتك؟
أجاب يونس :
- إنه أخي في الرضاعة .. مرضت أمي بعد مولدي ولم تستطع إرضاعي .. كانت أم جوهر
قد وضعته قبلي بشهرين .. وهي جارية حبشية اشتراها أبي حين حج البيت من سوق مكة .
زعم تجار الرقيق لبي أنها زوجة ملك الحبشة .. ولما كان أبي ل يعرف من أسماء ملوك
الحبشة غير النجاشي فقد سماها نجاشي .. أرضعتني مع جوهر ونشأت معه منذ طفولتنا
كأخوين .
لقد منحه ال بسطة في الجسم والعقل فشب كما يشب المارد .. ورغم بشاعة وجهة .. كانت
له روح تفيض بالجمال .. حفظ الشعر ورواه عن شعراء القبيلة وتعلم أن يحز على الربابة ..
ويغني بصوته العذب .
نادى بأعلى صوته :
- جوهر .. جوهر .
هل أسمعتنا شيئا" على الربابة .
كان الباشا والقاضي قد أخلدا إلى النوم مبكرين .. وكذلك فعل التفكجي رئيس القرقول .
استل جوهر ربابته وأخذ يحز عليها حتى تقطعت نياط القلوب .. ثم أنشد :
حبو سطا بي سطوة بين الضلع
وسوى بقلبي مثل ضرب المقاريع
ما أريد غيرو ولو سعى بيه القطاع
وعلي حرمت من سواه المراضيع
وامجرد في غرة الوجه لماع
حامي به ورد الخدود اللواميع
يا ناظرا" بيض الترايب لها راع
نهدين كالحقين غض المطاليع
يشبه قضيب البان لن هب ذعذاع
متمايل ما بين رفع وتوضيع
يا عاذلي عنك أنا صم السماع
عاصي عليك وسامع الشوق ومطيع
أنا الشجاع أن جاني الضد فزاع
وأنا الذيل أن شفت منو المفازيع
طق جوهر غزال ربابته ونحاها جانبا" بينما انهالت عليه كلمات الثناء والتقريظ .. فرد
الجميع فراشهم واستلقوا ثم ما لبثوا أن ذهبوا في النوم .
في الصباح تناولوا إفطارا" سريعا" وأخذوا يتهيأون للمغادرة .. انتحى يونس بالباشا جانبا" وقال
له :
- حدثني الفلحون كيف نزع شيخ المشايخ ملكية الرض منهم وأرادها لنفسه لول أنني
وصلت الدبوية في اللحظة المناسبة .. ثم أخرج من جيبه صرة من النقود أعطاها للباشا :
- هذه لك على أن تبلغ شيخ المشايخ أنني سأنزع رأسه لو حاول نزع شبر من هذه الرض
ثانية .. وأشار إلى الوادي .
تمتم الباشا وهو يخفي صرة النقود في جيبه :
- طبعا" .. طبعا" .. ليس كل الطير يؤكل لحمه يا شيخ يونس .
( 3 )
فتحت خضرة باب غرفتها متأخرة هذه المرة .. أيقنت أنها قد أضاعت السهرة مع
النواطير من أولد البلبسة .. داهمتها رائحة الياسمين المبللة بأنداء الليل .. تنشقت بملء
صدرها .. كانت أشعة القمر تنسكب في الفناء .. نظرت إليه .. رأته مستديرا" ومتوهجا"
كرغيف خارج من الفرن .. مدت ذراعيها لتمسك به .. وقد غمرتها النشوة .. غالبها الضحك
.. جلجلت ضحكتها في الفناء والحارة والكون كله .
من علمها الضحك .. عاشور ما غيرو .. ابن الشيخ سيد كبير البلبسة .. فتى يقاربها في
السن كسائر أولد وبنات البلبيسي .. ولكنه أكثر الجميع وسامة .. فارع الطول عريض
الكتفين .. وعيناه الواسعتان تفيضان رضى ومحبة .. حينما كانت تصاحب والدها في زياراته
للساقية كان عاشور يجمع لها أزهار النرجس والمنثور ول يكف عن متابعتها بعينيه الواسعتين
 .
في المرة الثانية دق عليها الباب يحمل لها نصيبها من محصول الساقية وهو نفس ما
كان يتقاضاه والدها قبل وفاته .. ولم ينس أن يدعوها لزيارة الساقية حيث الجميع في شوق
إليها .
حين لبت الدعوة قادها عاشور إلى البركة حيث الولد والبنات يبتردون من حر
الصيف اللهب .. عرض عليها أن يعلمها السباحة .. ترددت .. أشار إلى البنات .. سحبنها
إلى الماء وهن يصخبن ويتضاحكن .. نزلت الماء بثيابها .. انتقلت اليها عدوى المرح ..
صارت ترش عاشور بالماء كما تفعل باقي الفتيات .. انقض عليهن عاشور .. سبحن هاربات
في التجاه الخر .. إل خضرة .. لم تكن تعرف السباحة .. طواها عاشور بذراعيه وهي
تحتج وتدق صدره بقبضتيها .. أخيرا" تركها وذهب .
في المرات التالية كانت أكثر جرأة .. رضيت أن تتعلم السباحة .. تسابق فتيان
البلبسة لداء الخدمة .. تعلمت منهم السباحة .. وتعلمت معها تلك اللمسات الرقيقة التي تبدر
عن الكف المضطرية تحت الماء .
من هو الذي بدأ اللعبة .. مجاهد .. متولي .. وهدان .. لكن عاشور كان أكثرهم
جرأة ويده أكثر اليدي ثباتا" وطمأنينة .
الليلة يسهر عاشور على حافة البركة.. يحرس مشاكيب الخيار والفقوس .. لقد أقسم لها أنها
تستطيع في ليالي القمر سماع صوت الخيار وهو يكبر في تلفيف المقتاه .. يطقطق كأصابع
عروس تدلك بالزيت في يد البلنة .. لم تصدق .. تلك واحدة من شطحاته المسلية .. لشدما
تشتاق إلى أحاديثه العذبة .. إنها تريده الن .. انطلقت إلى الزقاق .. كانت الحارة هاجعة
تستحم بضوء القمر .. حوم طائر ليلي بعيد عنها ثم غاب في تلفيف الجميزة .. تناهى إلى
أذنها صوت الجنادب والزيزان تغني في الحقول القريبة .. اختلط الغناء بنقيق ضفادع بركة
قمر .. تخيلتها وهي تتقافز تحت الماء.. سعيدة بفعل الحب .
علت دقات قلبها حتى حجبت كل ما عداها من أصوات .. حاولت أن تبلع ريقها .. لكنه كان
جافا" كالحطبة .
أخيرا" ركضت .. ركضت دون توقف حتى وصلت الساقية وهي تلهث .. التقطت
أنفاسها ونظرت إلى القمر .. بدأ يغيب وسط هالة من الضباب ..
أخذ الندى في السقوط .. خيم صمت مطبق حتى أنها سمعت صوت الخيار وهو ينمو ..
صعدت إلى البركة لتفاجئ عاشور .. كان نائما" على الحافة الخرى .. جلست ومدت ساقيها
في الماء .. اضطرب القمر في قاع البركة .. تراقصت شللت الضوء في قلبها .. خلعت
ملبسها وكومتها على الحافة .. سبحت باتجاه عاشور .. خرجت من الماء شهية وطازجة
مثل سمكة اللقس .. رفع بذراعه الغطاء وأشار إليها .. دخلت تحت الغطاء وهي تقطر بالماء
والرغبة ..
غاب القمر تماما" .. حين بزغ النهار اكتشفت أنه لم يكن عاشور .. قالت في نفسها وهي
ترتدي ثوبها على عجل وتهرول إلى البيت قبل أن يصحو الناس .
- وما الفرق .


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات