القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية العنقاء كاملة : الجزء التاسع : رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي.

رواية العنقاء كاملة : الجزء التاسع :  رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي. للكاتب عبد الكريم السبعاوي في 1942  المولود في حارة التفاح بمدينة غزة لأسرة فقيرة لكنها حفية بالعلم والثقافة
----------------
غطت أخبار خضرة على أخبار عروسة اعبية .. لكت سيرتها اللسن منذ
 . وقفت سافرة أمام المسجد تتحدى المصلين وتقهقه ساخرة في وجوههم
ثم تكرر خروجها في وضح النهار دون أن تتحشم في ملبسها أو حديثها أو مشيتها ..
 : عندما كان البعض يلفت نظرها إلى ذلك كانت ترد ساخرة
 . اللي بعرف أبويا يروح يقوللو -
لم تعد الفتاة الصغيرة النحيلة ذات الربعة عشر ربيعا" التي وجدوها بين الحياة
والموت بعد أن اغتصبها العسكر .. فانجرح لها كل قلب .. واحدوب كل ظهر ..
 . وانحنى كل جبين
إنها الن في العشرين من عمرها .. فارت في سنواتها الخيرة كنبات شيطاني
لقحته المطار والشموس .. صارت نساء الحارة تخافها كما تخاف الوباء .. لم يتقدم
لخطبتها أحد .. ولم يحاول أن يضمد جراحها أحد .. وها هي تخرج لهم الن .. مهرة
 . أضر بها اللجام في سنوات الحبس الطويلة
عنيدة .. شرسة .. مستهترة .. تشهر جسدها في وجوههم كاللعنة .. كالعقوبة الدائمة ..
 . التي يستحقون أن يجلدوا بها صباح مساء
لطالما سمعتهم يلوكون سيرتها على باب دكان الزهار ( رأيت خضرة اليوم .. أو رأيت
خضرة الليلة ) هكذا يبدأ الحديث ثم ل تلبث أن تنهال عليها التهم جزافا" .. لكنها لم تلق
 . بال" إلى ذلك .. ولم تزد إل شراسة واستهتارا"
قالوا أنها تعاشر أولد البلبسه في الحقول .. وعلى حفافي بركة قمر وبين
الزروع العالية في ساقية الرماد .. تعجبت نسوة في الحارة كيف ترضى نساء البلبسة
بما يدور بين رجالهن وبين خضرة .. تطوعت رقية زوجة سالم بتفسير ذلك .. فهؤلء
 . البلبسة دماؤهم بارده وليست حامية كدماء أهل غزة
 : وقد سمعت خضرة أحد العاطلين يغمز قناتها حين مرت بدكان الزهار
 . يا ريتني بلبيسي -
فعادت إلى حيث يجلس وبصقت في وجهه أمام أهل الحارة كلهم .. وذاق الكثيرون طعم
صفعاتها رغم أن شواربهم يقف عليها الصقر .. زاد رصيد الحقد عليها .. لم تكن
خضرة تحسب في الجميلت .. لم تكن تطلب ذلك .. لم تحاول يوما" أن تتزين أو تزجج
حواجبها كما تفعل البنات .. لم يمس جسدها عطر سوى الماء الذي كانت تعشق
الستحمام به مرات في اليوم الواحد .. منذ علمها أولد البلبسة السباحة في برك
السواقي العميقة .. وكثيرا" ما خرجت عارية من الماء تحت ضوء القمر .. يباغت
خروجها المفاجئ من يرد البركة متأخرا ..ً فيفر على وجهه تاركا" دابته وجراره وقد
 . ظنها عروس البئر
ذات ليلة كان شهوان عائدا" من أحد الفراح .. شبابته تعطر الهزيع الخير من
الليل .. التقى بها منصرفة من سهرتها مع النواطير من أولد البلبسة على تخوم ساقية
 : الرماد .. استعاذ بال حين ظهرت له فجأة وهتف
من ؟ -
 . أنا عروسة اعبية بنت ملك الجان -
 . عرفها شهوان فتمالك روعه
 . وأنا عريس اعبية ولكن ل أظن أنني ابن ملك ول حتى وزير -
لعلك ابن واحد من صعاليك الجان الذين يتسكعون في طرقات الليل ويصفرون ألحانهم -
 . في آذان الناس لغوائهم
 . ها أنت قد عرفت حسبي ونسبي يا بنت ملك الجان وسوف أبدأ في إغوائك فورا"
أخذ يداعب شبابته .. صدحت اللحان ناعمة عذبة معطرة بأريج الليل .. أعجبها صوت
الشبابة .. طلبت منه أن ترافقه إلى الحارة ما دامت طريقهما واحدة .. سارا على حافة
بركة قمر وعزف لها .. عزف لها كما لم يعزف في حياته .. عزف حتى أحس أنه
استولى عليها تماما" .. كان الوجع المتسرب من أطراف أصابعه إلى مفاصل الليل ..
يتعانق مع الموجة السرية التي يبثها جسد خضرة .. لفتهما غللة من الشجن حتى كاد
الدمع يطفر من العيون .. أقسم شهوان لنفسه أنه لم يصادف إمرأة مثلها في حياته ..
أراد أن يتأكد أنها موجودة .. وأنها حقيقية .. وأنها من لحم ودم .. مد يده يطوق
خصرها الناحل .. جمحت مثل فرس برية .. أهوت على وجهه بصفعة كادت تطير
الشرر من عينيه .. انطلقت كالعاصفة .. أقسم شهوان لنفسه ثانية أن هذه ليست
 . إمرأة .. لعلها قطعة من البرق والرعد .. أو حزمة من قوس قزح
أين اختفت تلك الطفلة العذبة الودود .. التي قضى معها طفولته كلها .. يناجيها
وتناجيه كعصفورين على سياج الساقية .. لقد كانت العائلتان على وفاق ومحبة حتى أن
 . العامري وعده بها أمام والديه قبل أن تقع الكارثة ويذهب كل منهم في طريق
كما تقع حبات الندى على أكمام زهرة عطشت حتى الذبول .. كان حب فاطمة
 . يتنزل على قلب يونس
رجل في هجيرة العمر .. لم يجد وقتا" لكي يحب أو يحب .. منذ ماتت أمه في
أول صباه .. ومنذ أبت عليه الكبرياء وعزة النفس أن يستعيض عن حنانها بحنان إمرأة
أخرى .. ولو كانت النجاشي التي يجري حليبها في عروقه .. والتي كانت تسهر إلى
 .. جوار فراشه حتى شروق الشمس .. لعله يحتاج إليها أو يطلب منها شيئا"
كان قد ودع طفولته منذ ودع وجه أمه .. ترك أقرانه في اللعب حول المضارب
.. ليلتحق بجوهر ورعيان أبيه .. يتعلم ركوب الخيل .. ورعي البل .. قبل أن يفرح
به عامه الثامن .. استبدل حضن أمه بصهوة جواده .. وذراعيها بتلك البرية التي
تترامى بل حدود .. وقد كان له من حسن تربيته وقوة إيمانه عاصما" عصمه .. فما
 . انكشف ذيله على حرام قط
في الخامسة والثلثين من عمره .. ظامئ كما الصحراء .. ومثلما تمد صحراء
جزيرة العرب أطرافها لتبترد في سواحل الشام .. كان يونس يمد كفيه إلى جسد فاطمة
اللدن .. يتقراه بأصابعه لمسة لمسة .. ثم يرتشفه بشفتيه حسوة حسوة .. كطائر مهاجر
 . حط على الماء
أية امرأة صارت تلك الطفلة .. التي لفحتها رياح يونس .. كما تلفح نسائم
الصيف بساتين غزة .. فتتفتح براعمها .. وتميس عناقيدها وقد لوحت ونضجت قبل
 . الوان
يضمها إلى صدره ويضيع .. ها هي الغدران تصفو أمام أعين الظباء الوسيعة حتى
تجلو صورها في الماء .. فتدور برؤوسها الجميلة دهشة .. وقد ازدادت عيونها سعة
 . على سعة
يقبلها فتتنفس حشائش المراعي الطازجة .. يعبق شميم العرار في أرجاء نجد ..
 . ويهدل اليمام البري بين الشيح والقيصوم
.تقبله .. فتنتصب في مضارب القبيلة أعراس ل تنتهي .. ويعلمه أبوه رقصة السيف
أما فاطمة فما كانت تعرف أن الدنيا قد اختزنت لها كل هذه السعادة في راحتي هذا
 . البدوي القادم من شموس الصحراء بأطراف محروقة
لمسة من يده كانت كافية لكي تجعلها تنتفض كعصفور مبلل .. أما ابتسامة عينيه
 . السرتين فقد كانت تغلغل في أعماقها وتجعلها تمتلئ حبورا" وغبطة
يرفعها بذراعيه القويتين على ظهر الشعل .. فينبت لها ذيل وجناحان وتطير
كالقبرات .. ينزلها عن ظهر الحصان .. يضجعها بعد أن يمهد لها فراشا" من العشاب
اللينه ويحنو عليها بجذعه .. فيعبر أوز العراقين سماء غزة الزرقاء .. وتتواصل رفات
 . أجنحته البيضاء الطويلة .. من الفق إلى الفق
يقبلها .. تهتز الراجيح بأطفال من كل الحارات .. تجمعوا يوم العيد في ساحة
سيدنا هاشم .. يتغشاها .. فتدور قواديس الساقية مترعة بالماء الفرات .. وتصب في
 . البركة التي تفور ويطيش فيها الحباب والزبد
كان يونس إذا هم بها يتوضأ كما يتوضأ للصلة .. ثم يبدأ طقوس حبه التي ل
.تنتهي
 . خلص يونس لفاطمة من كل مشاغل الدنيا .. تاركا" أعباء مملكته على جوهر
أحب فاطمة حبا خالط اللحم والعظم .. وجرى مجرى الدم في العروق .. أما هي فقد
 .. بادلته حبا" بحب .. موقنة أن ال ما خلقها إل لكي تسعده
 : استيقظت مرة وهو يصلي الفجر .. سمعته يقرأ
 . ( ألم يجدك يتيما" فآوى .. ووجدك ضال" فهدى .. ووجدك عائل" فأغنى )
اختنق صوته بالبكاء .. أجهش فقامت تمسح دموعه بوجهها .. اختلطت دموعهما مودة
 . ورحمة
حكى لها حوادث البادية وأيامها .. حكت له قصص الحارة وما وعته ذاكرتها الغضة
 . الصغيرة .. كانت ابنته وزوجته ولعبته ول يدري أي الثلثة شغفته حبا"
 . لن تنسى الحارة افراد فاطمة
مر على فاطمة في وادي الزيت أربعة أشهر كأنها يوم وليله .. ها هي الحارة
كلها تأتي على ظهور البل والجياد .. لصطحاب فاطمة في طريق العودة .. أعد
الهودج من جديد .. عادت فاطمة بين التماع السيوف ورنة الزغاريد .. استلمها شيخ
 . التفاح من يده صهره .. دعاه إلى وليمة العشاء في اليوم نفسه
وصل الموكب .. نحرت الذبائح .. وابتدأ الرجال في إعداد الوليمة لصهر حارتهم
 . الذي أعزهم بمصاهرته
لمس يونس تعلق فاطمة بأهلها وتعلقهم بها وطول افتقادهم لها .. اشترى بيتا" إلى
جوار بيت شيخ الحارة .. لكي يطيل المكث بينهم ما استطاع .. طارت فاطمة من
 . الفرحة .. قبلت يديه ورأسه والدموع في عينيها .. أخذ يونس يدها الصغيرة وقبلها
أنا أحبك يا فاطمة أل تعلمين ذلك ؟ -
 . بلى .. بلى -
 : ألم تسمعي قول شهوان في مواله -
قسما" بشيخ الطريقه وكل جلسو
من يعشق الحلوين يحملهم على راسو
***
- 7 -
وصل القاضي معروف إلى عكا .. هرع للسلم على قاضيها عساه يتشمم منه
أخبار الوالي .. ويعرف ما يليق به من آداب السلوك في حضرة الملوك .. أكرم قاضي
 . عكا ضيفه .. بدى مهموما" مشغول البال
يا معروف .. إن عيني ترف منذ يومين .. وإنني أخشى من نتائج هذا الجتماع الذي -
دعا إليه الوالي .. لمر ما جمع الوالي كل القضاة والعلماء في بر الشام .. لم يستثن
 . منهم أحدا" .. حتى الشيخ تاج الدين الخروبي رغم أن بينه وبين والينا ما صنع الحداد
تاج الدين الخروبي لقد عمر طويل" .. هذا الشيخ كان ينوف عن السبعين حين عزله -
 . ضاهر العمر
لم يعزله ضاهر العمر ولكنه اعتزل من تلقاء نفسه .. أراد العnمر أن يتدخل في -
القضاء لصالح رجل آخر من قبيلته ( الزيادنه ) .. تاج الدين حكم على الرجل بما رآه
 . العدل .. ثم اعتزل القضاء احتجاجا" على تدخل الوالي
 . وكيف تدبر تاج الدين أمر معاشه -
جلس للناس في مسجد بطرف المدينة .. يؤمهم في الصلة .. وينصرف إلى التدريس -
فيما بين ذلك .. اجتمع له تلميذ كثيرون .. حين ولي الجزار حاول إعادته للقضاء
فرفض .. ومازال يحاول استمالته والشيخ يبذل له النصيحة .. حتى كانت القشة التي
قصمت ظهر البعير .. حدث ذلك منذ شهرين في أعقاب مذبحة السوق .. أراد القاضي
أن يسترسل ولكن بعض الخصوم أدخلوا عليه للحكومة .. فتواعد مع ضيفه على اللقاء
في بيته بعد صلة العشاء .. حيث دعى كل القضاة والعلماء إلى وليمة تكريم بمناسبة
 . زيارتهم لعكا
انصرف معروف وهو يضرب أخماسا" في أسداس .. ثم قر رأيه أن يصلي
 . العصر في مسجد تاج الدين .. ويتعرف على الرجل عن كثب
بعد الصلة سلم القاضي معروف على تاج الدين .. عرفه بنفسه .. أفسح الشيخ مكانا" له
 . إلى جانبه ثم انصرف إلى تلميذه
لقد أمضينا في الدرس والمذاكرة زمنا" طويل" .. وإني ل أعرف إن كنت سألقاكم بعد -
يومي هذا .. فإن غبت أو غيبني أمر فسوف يلزم مجلسي أقدم تلميذي .. مصطفى
 . الكاشف
وإنني أريدكم دائما" أن تتذكروا ما سبق وأعدته عليكم مرارا" وتكرارا" .. ان حفظكم
للقرآن الكريم والحديث وألفية ابن مالك والجرومية ليس تمام العلم بل ابتدائه .. تذكروا
قول المام الشافعي ( يظل النسان عالما" مادام طالب علم فإن ظن أنه علم فقد
جهل ) .. ومهما بلغ من علم أحدكم فلن يبلغ من علم رسول ال شيئا" .. ذلك الذي نطق
الحق على لسانه ( وما أوتيت من العلم إل قليل" ) تذكروا قول نبيكم الكريم ( اطلبوا
العلم من المهد الى اللحد ) .. وطلب العلم فريضة على كل مسلمة ومسلمه .. واطلبوا
 . العلم ولو في الصين
لقد فهم علماء المسلمين الوائل ذلك جيدا" .. فلم يكتفوا بعلوم الدين أبدا" بل
برعوا إلى جانب علوم الدين في الطب والحياء والكيمياء والهندسة والفلك والرياضيات
 . .. واخترعوا الجبر .. وأضافوا إلى تراث النسانية ما بقي شاهدا" على عظمتهم
ل تكونوا كعلماء اليوم .. الذين ل يعرفون من السلم سوى نواقض
الوضوء .. وأحكام الحيض والنفاس .. والذين ل يجتهدون ول يقطعون متون الكتب
إل ليصدروا للحكام شوارد الفتوى .. وليبرروا لهم العدوان على مصالح الناس ..
 . وسرقة حقوقهم .. وأكل أموالهم بالباطل
واعلموا أن من كتم علما" ألجمه ال يوم القيامة بلجام من نار .. تذكروا دائما"
قول رسول ال ( العلماء ورثة النبياء ) .. ول أريد لهذه التركة الجسيمة أن تقع على
 . أكتاف ضعيفة
واعلموا بأن هذا الدين ما نزل إل لسعاد الناس .. ولما فيه خيرهم
 . وصلحهم .. وأيما شئ يتنافى مع مصلحة الناس فما هو من الدين في شئ
تذكروا قول ال في محكم كتابه (يريد ال بكم اليسر ول يريد بكم العسر) وتذكروا
قول رسول ال ( الدين يسر ل عسر .. يسروا ول تعسروا ) فوال ما اضر بهذا الدين
شئ كما أضر به جمود الفقهاء .. ولقد فهم السلف الصالح من صحابة رسول ال جوهر
الدين فحالوا دون شقاء الناس به .. حتى أن عمر بن الخطاب .. وهو من هو شدة في
الحق .. عطل حدا" من حدود ال في عام الرمادة .,. وهو قطع يد السارق .. عمل"
 : بالحديث الشريف
ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا" فخلوا
 . سبيله .. فإن المام لن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة
وإن عليكم أن تردوا كل مسألة إلى القرآن الكريم فإن لم تجدوا حكمها فللسنة
المطهرة .. فإن لم تجدوا فقيسوا على ما ذهب إليه الخلفاء الراشدون .. فإن لم تجدوا
فلجتهادات الئمة أبو حنيفة ومالك الشافعي وابن حنبل .. فإن لم تجدوا فاجتهدوا
 . أنتم .. عسى ال أن يفتح عليكم
 .. سكت تاج الدين وقلب عينيه في تلميذه
من يدري ربما كان صلح المة على يد واحد منكم .. ففي الحديث عن رسول ال -
صلى ال عليه وسلم .. إن ال يرسل على رأس كل مائة سنة لهذه المة من يجدد لها
 . دينها .. ويكون على يده صلح أمرها أو كما قال
سرت همهمة بين التلميذ .. ثم اغرورقت عيونهم بالدموع حين قال أحدهم
 : لجاره بصوت مسموع
 . كأنها خطبة الوداع -
 . لم يلتفت تاج الدين على ما يدور بين تلميذه .. نهض وتنحى قليل" عن مجلسه
قم يا مصطفى واتخذ مجلسك مكاني .. أريد أن أمل عيني منك ومن تلميذك قبل أن -
 . أمض إلى ما انتوبته
قام مصطفى الكاشف وعانق الشيخ ثم انخرط في نشيج مر وعل البكاء بين
 . التلميذ حتى أن معروف لم يتمالك دموعه
 . رفع تاج الدين ذراعيه وأخذ يدعو والتلميذ يؤمنون وراءه
اللهم أرنا الحق حقـا" وارزقنـا أتباعـه -
اللهم أرنا الباطل باطل" وارزقنا اجتنابـه
اللهم ل تجعل الدنيا كل همنا ومبلغ علمنا
 : نظر الشيخ إلى تلميذه واحدا" واحدا" .. كأنما أراد أن يتزود .. ثم هتف
 . أستودعكم ال الذي ل تضيع عنده الودائع -
قالها تاج الدين ومضى في طريقه مرفوع الرأس .. تاركا" معروف فريسة
للهواجس والوساوس .. يقول في نفسه ( لقد انتوى الشيخ نيته .. وبيت أمره .. وإنني
لخشى أن يبلغ أحد الوالي أنني كنت معه اليوم .. مالي أنا ورجل كهذا .. يريد أن يقيم
 . ( الدين في مالطه
لبى معروف دعوة قاضي عكا للعشاء .. وجد المكان حافل" بالقضاة والعلماء .. حيا
 : معروف الحاضرين واتخذ مجلسه .. رحب به صاحب البيت أجمل ترحيب ثم سأله
 . لماذا لم يحضر تاج الدين معك .. علمنا أنك حضرت درسه اليوم -
اصفر معروف ( ما أسرع ما تنتقل الخبار في عكا .. لعل الوالي نفسه قد علم بما كان
) لم ينقذ معروف من هواجسه إل صوت قاضي عكا الذي ما لبث أن تابع الحديث كأنما
 : يعتذر عن تأخر تاج الدين
لعله لم يشأ إحراجي بالحضور بعد أن أشهر عداءه للوالي و دعا عليه في خطبة -
الجمعة الماضية ( اللهم إن رعاتك فتكوا بشياهك ولم يدعوا فضلة لذي مخلب وناب ..
اللهم فافتك بهم وبدد شملهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر .. اللهم هذا رجل ظالم استحل
 . ( حرماتك فكن عليه وكن على كل ظالم
ثم أفتى الناس بنقض الطاعة وقال : إن من قبل على نفسه الظلم شارك ظالمه في
 : الثم .. وقد وصل كل ذلك للجزار
 : علق قاضي الشام وهو يحشر قطعة كبيرة من الحلوى في فمه
قال صلى ال عليه وسلم .. من حسن إسلم المرء تركه ما ل يعنيه .. أو أنك ترى -
 . في المسألة رأيا" آخر يا شيخ معروف
 : فاضت قريحة معروف .. فأنشد الجواب شعرا"
عائب الناس وإن كان سـليما" يســتعاب -
والذي يمسك عن عيب الورى سوف يهاب
ما دخول المرء في ما ليس يعنيه صواب
 : تمايل قاضي الشام طربا"
 . وال إنك بلبل من بلبل الفصاحة يا شيخ معروف -
 : قال قاضي عكا
ولكن تاج الدين ل يرى رأيكما .. إنه يردد الحديث الشريف الذي يقول ( من رأى -
منكم منكرا" فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه .. فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف
 . اليمان ) .. وطبعا" المؤمن القوي خير و أحب إلى ال من المؤمن الضعيف
 : تناول قاضي الشام قطعة أخرى من الحلوى ألحقها بسابقتها
ما لنا نحن وتاج الدين هذا .. إنكم تفسدون علينا عشاءنا .. ثم سرقته إغفاءة على -
. عادته .. فتهالك على كرسيه يرزح تحت أثقال الشحم واللحم
 : سأل قاضي حلب
ما الذي يأخذه تاج الدين على سيدنا الوالي ؟ -
شرح لهم قاضي عكا
لم يكن تاج الدين ليجاهر بعدائه للوالي لول ما حدث منذ شهرين .. أنصت الجميع .. -
خيم صمت قلق ريثما واصل قاضي عكا .. أمر الوالي عساكره بإحضار من في السوق
من أهل الحرف والصنائع ومن تصادف وجودهم هناك لبيع أو شراء .. أدخلوا عليه
فردا" فردا" .. كان كل من دخل يؤمر بكشف رأسه أمام الوالي .. فإذا كان راسه صغيرا"
 . أمره بالنصراف .. وإذا كان كبيرا" أمره بالبقاء
 : استيقظ قاضي الشام من إغفاءته وسأل بلهفة
ماذا عن الرؤوس الكبيرة ؟ -
تجمع لدى الوالي ثلثون رجل" من أصحاب الرؤوس الكبيرة .. فأمر عسكره باقتيادهم -
 . الى شاطئ البحر وذبحهم عن بكرة أبيهم
 . ضرب الذهول كل من في المجلس
نزع قاضي الشام عمامته وأخذ يقيس رأسه بكلتا راحتيه في عصبية ثم ما لبث
 : أن هتف
الحمد ل .. أنني لم أكن بينهم وإل فقل على رأسي الكبير هذا يا رحمن يا رحيم .. -
 . أعاد العمامة إلى رأسه وهو يتمتم : سلمات يا راسي
 : قال قاضي بيروت
لعله جمعنا ليقيس رؤوسنا يا قاضي عكا ؟ -
كل فما زال الوالي يحسب للعلماء ألف حساب وإل لما صبر على رجل كتاج الدين -
 . بعد كل ما قاله وفعله
ثم أن العلماء والقضاة فقراء على العم الغلب .. ووالينا لم يعد يحب قتل الناس
بالمجان كما كان يفعل وهو مبتدئ .. إنه الن يعمد إلى الغنياء فقط .. كلما علم أن
أحد رعاياه اغتنى .. يستصفي ماله ثم يجلسه على الخازوق .. آخر من فعل به ذلك
باشا التجار في عكا .. طلب منه المال مرة ومرة فدفع الرجل ودفع .. ثم استدان
ودفع .. ثم لم يجد من يقرضه المال ليدفع .. أمس أمر مولنا الوالي بإعدامه على
 . الخازوق
 : قال قاضي حلب
ولماذا لم يأمر بقطع رأسه كما فعل بأصحاب الرؤوس الكبيرة ؟ -
لم يعد والينا يقنع بالقتل السريع .. إنه يتمتع برؤية الناس يموتون في بطء .. وكثيرا" -
 : ما يستمع لشتائمهم بصدر رحب ثم يقهقه ضاحكا"
. أولن .. سب سب .. المتخوزق بسب السلطان -
***
في الصباح ارتدى معروف أبهى حلله ولف على رأسه عمامة جديدة احضر
شاشها من سوق دمشق .. حينما وصل بوابة القلعة كان باشا التجار الجالس على
الخازوق مازال حيا" .. فتح الرجل عينيه ونظر إلى معروف .. أي رعب هذا الذي
ينصب من حدقتي رجل يشرف على الموت .. خترف الرجل بكلم لم يفهمه
معروف .. كان صوته واهنا" ضعيفا" .. قال معروف في نفسه : ( لعله يصلي أو لعله
يشتم .. تذكر التعليق الذي يردده الجزار وهو يستمع لشتائم ضحاياه ( المتخوزق بسب
 . ( السلطان
اقشعر بدن معروف وخارت ركبتاه .. أي صباح هذا ؟ تحامل على نفسه .. جر
خطاه جرا" إلى القاعة .. وجد بعض القضاه قد سبقوه .. حياهم .. ردوا التحية .. كانت
 .. وجوههم صفراء كوجوه الموتى .. لبد أنهم رأوا مثله باشا التجار قبل دخولهم
توافد باقي العلماء و القضاة .. تأهب الحراس البشناق وأخذوا أماكنهم إيذانا"
باقتراب وصول الوالي .. دخل الوالي فهبوا واقفين .. تصفحهم بعيونه الجارحة ثم
 : سال
هل تخلف أحد ؟ -
 : قال كبير الحراس
 . لم يتخلف سوى الشيخ تاج الدين -
هل امتنع عن تلبية دعوتي ؟ ماذا تعلم عن ذلك قاضي عكا ؟ -
 . أكد لي يا مولي أنه سيلبي دعوتكم -
قال معروف وقد حسب أن الفرصة مواتية ليظهر ولءه تحسبا" لما نقل إلى
 : الوالي عن حضوره الدرس في مسجد تاج الدين أمس
 !وهل يجرؤ أحد على عصيان أوامر سيدنا الوالي ؟ -
 : جلس الوالي .. أشار لهم بالجلوس .. فجلسوا .. تابع الجزار حديثه
 . تأخرات تاج الدين أدب سيس -
 : دخل الحاجب انحنى أمام الوالي
 . تاج الدين الخروبي بالباب يا مولي -
 : أشار الوالي يأذن له بالدخول ثم تابع
عند دخول تاج الدين .. وقوف يوك .. احترامات يوك .. لزم أخللي زيو زي كلب -
 . أفندم
 . انفتح الباب دخل تاج الدين
 . السلم عليكم -
 . هب الجميع وقوفا" بمن فيهم الوالي
 . وعليكم السلم ورحمة ال وبركاته -


 رواية العنقاء كاملة :الجزء العاشر:

 رواية العنقاء كاملة :الجزء الثامن:

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات