القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية العنقاء كاملة : الجزء السابع: رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي

رواية العنقاء كاملة : الجزء السابع:  رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي. للكاتب عبد الكريم السبعاوي في 1942  المولود في حارة التفاح بمدينة غزة لأسرة فقيرة لكنها حفية بالعلم والثقافة
----------------
لم يكن من عادة شهوان المحافظة على أداء الصلة في مواعيدها وفي المسجد أيضا"
قبل أن يقع في حب مريم بنت الشيخ محمود .. قال أهل الحارة : هذا رجل هبطت عليه
الهداية فجأة .. فهو ل يكتفي بأن يكون أول الواصلين إلى المسجد .. بل يتعمد أن يصلي في
الصف الول وخلف المام مباشرة .. كما يحرص على رفع الذان بصوته الجميل الذي
يشرح الصدر ..
قد أحنق ذلك حبوش العمى مؤذن المسجد حين ظن أن شهوان سينافسه على صدقات أهل
الحارة ولكنه سرعان ما رضي على مضض حين تأكد أن الصدقات التي تصل المسجد في
غيابه يؤديها له شهوان كاملة دون أن يمس منها شيئا" .
تهالك شهوان على الحصير البالي بعد صلة العصر مهموما" مضطرب الفؤاد .. فكل
الذين وسطهم ليخطبوا له مريم من الشيخ محمود .. تهيبوا المر واعتذروا عن الخوض فيه
مع شيخهم وإمامهم .. إلى أن اضطر أمس للذهاب إلى شيخ الحارة والتوسل إليه :
- ألم يكن المرحوم أعز أصدقائك .. ألم يوصيك بي يا عماه ؟
أطرق شيخ الحارة برأسه قليل" ثم قال :
- سأفاتحه رغم أنني أعرف الرد سلفا" .
بدا شهوان بين عواجيز الحارة الذين جلسوا لسماع درس العصر كطائر في غير
سربه .. فالشباب ل يجدون الوقت لدخول المسجد .. الشباب في شغل شاغل يحملون عن
آبائهم هموم الفلحة .. حرث و بذار وحصاد .. ورعاية للماشية واتجار بالغلل.. وما إلى ذلك
في بيئة قاسية ل تعطي إل بمقدار ما تأخذ من العرق والجهد .. أما هؤلء العواجيز فقد
تقدمت بهم السن ..استشعروا اقتراب النهاية فهم يتزودون لرحلة الخرة ( إن خير الزاد عند
ال التقوى ) .. آملين أن يكتسبوا من الحسنات ما يرجح كفة الميزان حين توزن حسنات
المرء وسيئاته يوم القيامة .. وقد طمأنهم الشيخ محمود بأن الحسنات يذهبن السيئات .
اتخذ الشيخ محمود مجلسه على الدرجة الولى من درجات المنبر .. سكتت
الهمسات .. اشرأبت إليه العناق التي ملتها التجاعيد .. توقفت الصابع المعقوفة عن العبث
بحبات المسابح .. ألقى الشيخ محمود بالتحية .. فردوا عليه بمثلها . 
- درسنا اليوم عن الجنة وما أعد فيها من خيرات للصالحين والمتقين .
تنهد كبير البطوش :
- اللهم اجعلنا في زمرتهم .
أمنوا على دعائه بأصوات متفرقة .. تابع الشيخ محمود :
- سئل رسول ال صلعم عن بنائها : " لبنة من ذهب ولبنة من فضة .. ملطها مسك أزفر
وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت .. ترابها الزعفران .. نخل الجنة جذوعها الزمرد الخضر ..
ولونها الذهب الحمر وسعفها الحرير كسوة لهل الجنة ينسجون منها حللهم " .. وعن بهمز
عن أبيه قال سمعت رسول ال صلعم يقول : في الجنة بحر اللبن وبحر العسل وبحر الخمر
وبحر الماء ثم تشقق النهار منها " تجري من تحتهم النهار خالدين فيها أبدا " .. وعن سعيد
بن المسيب عن أبي هريرة يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا" جعدا" مكحلين .. أبناء ثلث
وثلثين .. على خلق آدم ستون ذراعا" في عرض سبعة أذرع .. وعن أبي هريرة أيضا" أن
أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر.. والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب
دري في السماء إضاءة .. ل يتبولون ول يتغوطون ول يتفلون ول يمخطون .. أمشاطهم
الذهب وريحهم المسك .. ومجامرهم اللؤلؤ.. وأزواجهم الحور العين التي يرى مخ ساقها من
وراء اللحم من الحسن .. ل اختلف بينهم ول تباغض .
قال أبو غوش وكان في حياته مزواجا" مطلقا" حتى أنه ل يستطيع أن يحصي عدد
نسائه :
- وكم حورية من حواري الجنة للمسلم ؟
هتف شيخ الحارة :
- كأنك لم تشبع من نساء الدنيا حتى تلحقنا على نساء الخرة .
قال الشيخ محمود :
- يا شيخ رمضان وهل تقاس نساء الدنيا بحواري الجنة.. أولئك اللواتي يرفعن بأصوات لم
تسمع الخلئق مثلها ( نحن الخالدات فل نبيد .. الناعمات فل نبأس .. الراضيات فل نسخط
طوبى لمن كان لنا وكنا له ) .
ثم تايبع الشيخ محمود موجها" كلمه لبي غوش :
- أدنى أهل الجنة منزلة له ثمانون ألف جارية واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من
لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين دمشق وصنعاء .. رواه أحمد .
شهق حسان السلمين وقد باغته العدد .. تذكر سكينة كيف انصرفت عنه كسيرة
النفس في الليلة الماضية وند عنه السؤال :
- وهل يطيق الرجل كل هؤلء . 
أجاب الشيخ محمود مزهوا" بتبحره في العلم :
- الرجل في الجنة يعطي قوة مائة رجل .. رواه الترمذي وأبو داوود .
برطم حسان في غيظ :
- ولماذا ل يعيد ال لي قوتي في الدنيا وأسامحه بقوة المائة رجل في الخرة .. عصفور في
اليد .
سأل الشيخ محمود :
- هل قلت شيئا" يا حسان ؟
- قلت ل إله إل ال محمد رسول ال .
قام الشيخ من مجلسه فقام الخرون وهم يحلمون بالجنة وما فيها .. أما شهوان فقال
في نفسه :
- حسبي من جنتك يا شيخ محمود الفوز بمريم .. وال إن جنتي هي القرب منها وناري هي
البعد عنها .. ول أعرف لي من نار أو جنة سوى هاتين .. تابع شهوان شيخ الحارة حتى إذا
خلى الطريق من سواهما بادره بالسؤال :
- خير يا عماه ؟
- لقد فاتحته .
- هل وافق ؟
- كنت أعرف الجواب سلفا" ولكنك أصررت على المحاولة .. يا ولدي البنات أكثر من الهم
على القلب .. فاختر لك واحدة غيرها .
- ولكنني ل أريد سواها .
- ما باليد حيلة .
- ولكن لماذا يا عماه ؟
- ل تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم .
- من حقي أن أعرف ؟
- تلفت شيخ الحارة حوله محاذرا" أن يسمعه أحد .. ثم وضع يده على كتف شهوان مشفقا"
عليه .. أنزل شهوان يده كأنما يرفض شفقته وقد استشعر عمق الجرح الذي غار في قلبه ..
قال شيخ الحارة :
- الرجل يرفض مصاهرتك .. يقول أنك زمار تجري وراء الفراح والموالد .. وتصاحب
الدون .. الطبالين والراقصات .. وهو رجل دين يقرأ القرآن ويحدث عن رسول ال.. فكيف
يعطيك ابنته . 
- أنا أزمر عندما ل يكون لدي عمل آخر .. إل حرث الرض معكم ؟ إل آخذ كروة
حصاد .. هل تسولت يوما" على باب أحدكم .. ثم إنني أريدها وهي تريدني وكل قلب وما
يهوى .
استشاط شيخ الحارة:
- اخرس .. هذا الكلم ل يقال .. هذا موضوع يخص الكبار من الهل .. أما الولد
( وضرب كفا" بكف ) صحيح لول المربي ما عرفت ربي .
- أتعرض بي لنني نشأت يتيما" .. اللي ما بتربيه أمو وأبوه بتربيه اليام والليالي .. ثم أنني
لم أذكر ذلك لحد سواك يا عماه .
- بل ذكرته يا شهوان في مواويلك وأشعارك .. ألم تقل في عرس البهتيني :
يا اللي اسمك بين الميم و الراي
وحسنك توه أفكاري مع الراي
قضيت العمر ما ارسيت لي على راي
وايش العمل يا خلق في اللي ابتلى
هل تريد أن تجلب العار على إمام مسجدنا ..الرجل التقي النقي الطاهر .. هذا ل
يجوز.. أنصحك بأن تكف عن الشيخ محمود فأنت لست كفوا" له .. وإني أخشى إن أخرجته
عن طوره أن يقرأ عليك عدية ياسين فيصيبك لطف ل تنجو منه .
- لمن أذهب بعدك .. أنت شيخ حارتنا وأنت فينا المر الناهي .
ثم مضى وهو يجأر بأعلى صوته :
- هذه حارة ظالمة .. تأكل أبناءها كما تفعل القطط .. تخليتم عن خضرة .. وها أنتم تتخلون
عني .. أنا زمار .. وهو يقرأ القرآن وما أدراكم أنني أقرب منه إلى ال .. إن قلبه يقسو
كالصوان .. وإن قلبي ليسيل كالماء.. وسيحكم ال بيننا .. ( ثم توجه إلى السماء وأخذ يقلب
عينيه فيها ) ..
يا رب ل استطيع أن أتكلم مثل شيخ على المنبر.. حتى أشكو لك وأشرح ما أنا فيه .. ل
أعرف أسماءك الحسنى لناديك بها.. حتى تستجيب لدعائي .. ل أحفظ عدية ياسين لكي
أقرأها فتلين لي قلب الشيخ محمود .. أنا ل أعرف سوى التزمير .. سوف أنفخ في الشبابة
وهي ستشرح لك كل شئ .. وسوف تفهم عليj .
أخرج شبابته وبدأ يصفر .. خرج لحنه حزينا" يقطر دما" .. كانت الشبابة تئن تحت أصابعه
وتجأر بالشكوى .. أخذت الجدران تخفض هاماتها على جانبي الطريق والشجار العالية
تتطامن عليه بأغصانها المرتجفة.. لكي تمنحه ظللها الكثيفة وتحميه من وهج الشمس ..
تفجر الحنان من صخور الشعف .. وفاض على الحارة كلها كما يفيض سيل المنطار .
كانت مريم تمل جرتها عند بئر الجماقية .. سمعت الشبابة .. تلكأت حتى وصل
شهوان .. لم يكن على الحوض غيرهما.. ركع شهوان على الرض وقبل طرف ثوبها .
- يا مريم لقد سمع ال الشبابة ودبر لنا هذا اللقاء .. أبوك يرفض كل الوسائط .
- هل ؟ .. ( لم تقل نهرب ولكن الدم شرد من عروقها وعلت وجهها صفرة الموت..فهم
شهوان ما تريد قوله ) .
- كل ل أريد أن أحمل والدك العار فيغضب عليك إلى البد .
- ماذا نويت إذن ؟
نهض ووقف قبالتها وجها لوجه والدموع تطفر من عينيه :
- دعيني أتملى منك فربما يكون هذا آخر لقاء بيننا .
ألقت بنفسها في أحضانه .. غابا في لحظة عناق كأنما أصابتهما غشية .. ثم ما لبث أن ابعدها
عنه :
- ل أريد أن يرانا أحد على هذه الحال فينال منك .. تخلص منها برفق ..اختفى في عطفة
الزقاق الصاعد إلى ساقية اعبية .. ظلت مريم مسمرة في مكانها .. حتى سمعت صوت
الشبابة .. تهالكت على حافة الحوض تخط بأصابعها في الماء ودموعها تسيل حتى اختفى
صوت الشبابة .
حينما عادت إلى البيت سمعت والدها يرغي ويزبد :
- ما زال شهوان الكلب يذكر ابنتك ويشبب بها في الفراح والموالد حتى فضحها .. والن
يسود وجهي مع أهل الحارة حين يتشفعون له فل أجيبهم إلى طلبهم .. وال لقرأن عليه الليلة
عدية ياسين فل يصبح عليه الصباح .
نامت مريم ودموعها في عينيها .
( 4 )
انحبس المطر طوال شهر آذار .. كانت الغيوم تتجمع في السماء ثم ما تلبث أن
تسوقها الريح إلى ما وراء الفق .. ضرب الذهول الجميع .. سنابل القمح بدأت تصوح ..
الشعير أصفر لونه وهو مازال طول شبرين تنادي أهل المدينة إلى صلة الستسقاء .. في
ساحة مسجد السيد هاشم جد الرسول . 
عند الصباح تجمع أهل الطرق الصوفية بأعلمهم وطبولهم وصاجاتهم يدقون عليها ..
ويترنمون بالوراد ويتطوحون في حلقات وهم يرددون اسم الجللة في خشوع وتهدج :
( ال .. ال .. ال ) وخلفهم جماعات من الصبية يرفعون عقائرهم بالغناء :
سيد هاشم نسترجيك رشق المطر يرقع فيك
يا ال المطر يا ال السيل اسقي زرعك هالعطشان
حط القمح في الجرة واستنى رحمة ال
حط شعيرك في بيرك واستنى ال يجيرك
سار الموكب يتبعه الجمهور الغفير من العامة باتجاه جبل المنطار خارج المدينة ..
الباشا والقاضي وأغوات السباهلية والنكشارية ووجهاء المدينة ..اخدوا اماكنهم في الصف
الول.
خلع القاضي جبته ولبسها بالمقلوب وصلى بالناس صلة الستسقاء .. بعد الصلة جاءوه
بمحراث مشدود إلى حمار أبيض.. حرث خطا" طويل" ثم سلمه لغيره من مشايخ الطرق وعلية
القوم .. ففعلوا مثله ثم جلسوا في الثلوم المحروثة .. رفعوا أيديهم إلى السماء .. أخذ القاضي
يدعو وهم يؤمنون وراءه :
- اللهم أرسل السماء علينا مدرارا"
اللهم اسقنا الغيث واجعله غدقا" ودقا"
اللهم ارحمنا برحمتك ول تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا
بعد الدعاء ركب القاضي برذونه وركب علية القوم منصرفين إلى بيوتهم .. أما
موكب الدروايش وأهل الطريقة فقد استمر يتبعه العامة إلى ضريح سيدنا المنطار ففعلوا ما
فعلوه عند ضريح السيد هاشم :
- يا منطار نسترجيك رشق المطر يرقع فيك
ثم هبطوا إلى سيل المنطار الذي جفت أرضه وبدا رمل قاعه اصفرا" نظيفا" .. كأنما نزل من
المنخل .. ضجوا بالنشيد .. فكانت طائفة تقول الكلمة والخرى تكمل :
- قنولو
- سيل المنطار
ثم انحدر الموكب مع سيل المنطار إلى حارة التفاح .. حيث طاف بأولياء الحارة وهم
يتضرعون عند كل ولي باسمه وينادونه أن يشفع لهم بالغوث والمطر .
في المساء عاد الناس إلى بيوتهم وهم يمدون أعينهم إلى المساء في ضراعة ويصيخون السمع
لعل الرياح تحمل لهم مطرا" . 
في تلك الليلة لم يستطع شيخ الحارة النوم .. لم يكن الجفاف همه .. الوحيد رغم أن
الجفاف يعني خراب الحارة ومن فيها .. لن يستطيع الفلحون تسديد ما عليهم من الديون
والضرائب وقد يموتون جوعا" .. ليس لدى أغناهم ما يسد رمقه إل شهرا .. لكن هما" جديدا"
طرأ عليه .. جاءه ابن أخيه سالم يطلب يد فاطمة .. أخذته المفاجأة .. ما كان يحسب أن
وقاحة سالم تصل إلى هذا الحد :
- أنت متزوج ثلث مرات يا سالم ولديك من زوجاتك عشرة أولد .. فاطمة في عمر بناتك .
- إنها ابنة عمي.. دمي ولحمي .. وأنا أولى الناس بها .. أم أنك تريد من يعرفك بعاداتنا
وتقاليدنا .. ابن العم أحق من الغريب ( ولو كان عظم في قفة ) .. وال لن يتمتع بابنة عمي
رجل وأنا حي .
نهض شيخ الحارة مهموما" دون أن يجيب ابن أخيه .. ذكر ما فعله سالم مع العامري وما آلت
إليه خضرة فردد :
- ل حول ول قوة إل بال .. إنا ل وإنا إليه راجعون .
لقد كان سالم سببا" لبلء أخيه وشقائه .. وكثيرا" ما قال الناس : لول سالم لعاش الحاج
رجب عشرين سنة أخرى .. ل نهاية لطمع سالم وجشعه .. احتاز أرض أبيه كلها
وثروته .. .. لم يعط أخواته البنات شيئا" .. ها هو ينشر مظالمه على الناس حتى لم يبق أحد
لم ينل من ظلمه نصيبا" .. جاء دورك يا رمضان .
اليوم يأخذ فاطمة وغدا" يأخذ الشيخة .. ما أظنه يتركها لولدي مبارك وهو صغير السن قليل
التجربة .
فاطمة صغيرة لكنها عاقلة .. ما أظنها تقبل بهذا الفظ الغليظ القلب زوجا" لها .. عندما
يجيء الرفض منها ل يستطيع سالم أن يرغمنا على مخالفة الشرع .
لقد خطبها الكثيرون لكني لم أجد من هو أهل لها .
تأخرت عودة شيخ التفاح .. كانت الريح تعول في الخارج .. سمعت فاطمة عواء بنات آوى
في الحقول البعيدة .. ثم أخذ العواء يقترب شيئا" فشيئا" .. عواء طويل مجروح كالنين .. لقد
أمضها الجوع فزحفت في الظلم والبرد .. تلتمس أرنبا" أو دجاجة أو حتى بعض الفضلت
التي خلفها الرعاة ونواطير الكروم في الحقول البعيدة .. شيئا" يسد جوعها القاتل .
اقترب الصوت أكثر .. خالته فاطمة يأتي من ساحة الدار .. هبت كلب الحارة دفعة واحدة
لتبدأ مطاردتها الزلية وراء بنات آوى .. أخذت الصوات المتشابكة تتباعد حتى لم تعد تسمع
.. كأن بنات آوى وصلن إلى آخر الرض .
في طفولتها كانت فاطمة تمتلئ بالرعب.. لكنها سرعان ما تعودت على هذه المطاردة الليلية
وتعايشت معها .. بل أنها لتفتقدها كل ليلة وتصغي مليا" طلبا" لسماعها .. صارت معلما" من
معالم الحياة في الحارة المتاخمة للحقول .. وإل فما هو ليل الحارة .. ثم هذا الهدوء الذي
يعقب المطاردة الليلية .. الهدوء المبرقش بأصوات الجنادب .. ونقيق ضفادع بركة قمر حيث
تتجمع مياه سيل المنطار طوال الشتاء وتبقى حتى آخر الصيف .. لم يعد والدها بعد ..
أضجعت أخويها الصغيرين علي ومحمد .. جلس مبارك القرفصاء منهمكا" في شحذ خنجره
كان يكبر فاطمة بعامين .. ولكنه كان رقيقا" معها عطوفا" عليها .. على غير عادة الخوة في
الحارة .. الذين يمتحنون رجولتهم المبكرة باضطهاد أخواتهم البنات .
أحكمت فاطمة الغطاء على أخويها ثم تسللت إلى حيث تجلس أمها في انتظار عودة أبيها .
حينما رجع وضعوا العشاء أمامه .. انتظروا أن يبدأ الكل .. لم يمد إلى زاده يدا" .. قالت
فاطمة :
- ما بك يا أبي ؟
- خطبك مني سالم .
شرد الدم من عروقها :
- هل أعطيتني له ؟
- كل .
صرخت أمها :
- بال عليك .. ل أريد أن تقع بنتي على ضرة .. أنت تعرف نساء سالم وما هن عليه من
الدهاء والمكر .. كل شئ إل هذا يا رمضان .
قال شيخ التفاح :
- لن أزوجك ال لرجل ترضين به يا فاطمة .. أنت ابنتي الوحيدة .. ثم أنشد :
- ( وأنا أبوكي يا سعدى وانا علقم العدا وأنا بيضة القبان لرجح قبالها ) .
رمت نفسها على صدره كمن يفر من الموت .. قبلت وجهه ولحيته :
- لهذه الدرجة تكرهين سالم .. حسبي ال ونعم الوكيل .
في تلك الليلة صلت فاطمة كثيرا" .. دعت ال أن ل يكتبها زوجة لسالم .. حينما
أغمضت عينيها نامت نوما" هادئا" قريرا" .. عاودها الحلم نفسه الذي ما فتئت تراه في سنواتها
الخيرة .. الحصان البيض الذي يعدو في السهول ويطير كالحمامة .. في هذه المرة اقترب
منها أكثر حتى كادت أن تلمسه قبل أن يركض ناشرا" عرفه الطويل .
في الصباح كانت الغيوم الكثيفة تغطي سماء المدينة .. أخذ الرعد يدمدم بشدة .. ثم نزل
المطر .
قال شيخ الحارة : 
- الحمد ل سبحان محيي الرض بعد موتها .. غدا" يا بركة تصنعين لنا الزلبية احتفال"
بالمطر .
أرعدت ثانية .. صهل حصان شيخ الحارة في الزريبة .. وأخذ يضرب الجدار بسنابكه .. قال
الشيخ رمضان :
- يبدو أن صوت الرعد قد هيجه .. ضاعفي له العليق اليوم يا فاطمة .. الحصان الشبعان أقل
هياجا" من الحصان الجائع .
في اليوم التالي كانت الحارة في عيد حقيقي .. كل البيوت أولمت لطفالها الحلوى .. صارت
الزلبية في كل يد وعلى كل فم .
انطلق الولد إلى الساحات والزقة ينشدون تحت المطر :
امطري وزيدي بيتنا حديدي
جارنا عبد ال رزقنا على ال
**
وقف الشيخ محمود إمام المسجد اليبكي على المنبر ليخطب الجمعة .. حمد ال وأثنى
عليه .. سار في الخطبة إلى آخرها وحين بلغ قوله :
- واعلموا أن ال صلى على نبيه قديما" .. ولم يزل قائما" عليه .. وآمرا" حكيما" .. فيا أيها
اللذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" :
صعد شهوان المنبر درجة درجة حتى حجب المام عن الناس ثم استدار إليهم وقال :
- يا أمة محمد .. اشهدوا أن هذا الرجل الطاهر التقي النقي .. قتلني وأن دمي في عنقه إلى
يوم القيامة .
استل شهوان خنجرا" وطعن نفسه طعنة نجلء .. أخذ يتدحرج والدماء تسيل منه على
درجات المنبر .
هاج الناس وماجوا .. ثم حملوا شهوان إلى خارج المسجد .
طوى المام خطبته .. نزل عن المنبر متسلل" حتى غيبه باب داره وهو يحوقل ويلعن البنات
وخلفتهم .
ظل شهوان شهرا" يراوح بين الحياة والموت .. استشعرت الحارة الذنب .. افتقدت
مواويله ونوادره وحكاياته .. تعليقاته على الحداث وخفة ظله .. لم يتصوروا يوما" أن شهوان
سيختفي من حياتهم كما يختفي الظل .. أكثر أهل الحارة افتقادا" له كان الزهار ورواده ..
أولئك الذين يسهرون على باب دكانه حتى الهزيع الخير من الليل .. والذين كانت شبابة
الزهار تحرك الحياة في أعماقهم .. وتنبض برغباتهم وأشواقهم الخبيئة .. ويوما" قال الزهار :
- الحارة من غير شهوان زي الخرابة .. ومن العار علينا أن نتركه يموت قهرا" .. كان
شهوان سفيرهم إلى الحارات الخرى .. همزة الوصل بينهم وبين العالم الخارجي .. ل تعثر
حمارة في الشجاعية إل ولديه خبرها .. ول ترقد دجاجة على البيض في حارة المشاهرة إل
وعلم كم بيضة تحتها .. ناهيك عن الفراح والموالد وحفلت الطهور والفراد .. إلى جانب
الوقائع الجسيمة .. كالطوشات والهوشات بين العائلت والحواميل والحارات بعضها مع
بعض.
من ولد ؟ وكيف ولد ؟ ومن مات ؟ وكيف مات ؟ كان دائرة معارف متنقلة وبريدا" عاجل" ..
وقد خلقت له الشبابة اصدقاء في كل حارة.. كانوا يحنون إليه ويفتقدونه إذا غاب .. أما
القبضايات والجرعتلية فقد استرضاهم بحلو حديثه ورقة طبعه ودماثة خلقه .. جاملهم في
أفراحهم وشارك في أتراحهم .. وكان له من كل ذلك جواز مرور إلى أي مكان يريده .
أهل حارته كانوا يقصدونه في بعض ما يحتاجون إليه من الحارات الخرى أو من
سوق المدينة .. كان يقرب لهم البعيد .. ويؤدي خدماته للجميع دون مقابل .
جمع الزهار أهل الحارة ذات ليلة .. ذهب بهم إلى مضافة شيخ الحارة .. قال له بتحد
لم يتوقعه أحد :
- نحن ذاهبون إلى بيت الشيخ محمود ولن نعود من عنده إل إذا أعطى مريم لشهوان .. هل
ستأتي معنا أم نذهب بدونك يا رمضان ؟
- بل أذهب معكم ؟
حملوا على إمام الحارة حملة رجل واحد .. وما كان مولنا ليستسلم لول أن مريم في تلك
الليلة قالت لمها :
- شهوان قتل نفسه من أجلي .. سأذهب إليه وأموت تحت أقدامه شئتم أم
أبيتم ..
وهكذا عقد له المام على ابنته وهو مازال في فراش المرض .
لم يكن عرسا" عاديا" هذا الذي تحتفل به الحارة الن .. إنه عرس شهوان الذي توجته
أشعاره في مريم وتضحيته من أجلها ملكا" على العشاق .
بدأ أصدقاء شهوان والمعجبون بفنه .. يتوافدون على الحارة منذ صلة الظهر ..
الزهار الذي أشرف على كل كبيرة وصغيرة في العرس حسب حساب الوافدين من خارج
الحارة .. دبح أربعة خراف من خرفان النقوط كان أكبرها الخروف الذي قدمه شيخ الحارة ..
أكل الجميع من صحاف البرغل المغطاة باللحم والشحم .. ثم انبروا إلى صدور
الكنافة التي أبدع إعدادها مراد البتير . 
دارت القهوة المرة على الحاضرين الذين انتظروا لكي يشاركوا في زفة العريس ..
أطل شهوان من بابا بيته في حلته الجديدة .. أحاط به شباب الحارة .. سارت الزفة باتجاه
الساحة .. والشباب يهزجون :
درج يا غزالي عا رزق الحللي
درج يا حبيبي ريتك من نصيبي
نخ الخيل ونخ الخيل
نخ الخيل على الصفين
ال يمسيكم بالخير
ال يمسي حارتنا
إللي حامله حملتنا
شمو ولمو هالريحان
سلطة منو هالريحان
كل شئ منو هالريحان
إكبر و ادحدل يا رمان
على بطن الحبله يا رمان
رمان ملليسي يا رمان
كلوا على كيسي يا رمان
حين مروا بدار السويسي أخرجو لهم كرسيا" .. جلس عليه العريس.. صبوا شراب الليمون
لكل المشاركين في الزفة .. صاح إبراهيم السويسي يحي العريس :
عريسنا يا نجمة سهيل هايهاي والورد فتح على كمو
بيت له الشباب بصوت واحد :
- هــوي .
فكمل الموال :
- إن ما طخ الضبع هايهاي تعتب عليه مرت عمو
تعالت الزغاريد
توقفت الزفة على باب البطوش والريفية .. انتخى رضوان حفيد البطش صديق مبارك فشارك
في الزفة :
ل تحسبونا خواجات هايهاي وإل نتاجر بالعطاره
اصغيرنا ضراب الرصاص هايهاي واكبيرنا في الحرب غاره 
زغردت له كل نساء دار الريفي وعانقه جده فرحا"
- عافاك يا رضوان عافاك .. العرس الجاي عرسك
خفق قلب نواره بشدة .. مضت الزفة إلى الساحة وابتعدت المشاعل ..
تسللت في العتمة إلى حيث يقف رضوان .. قرصته في ذراعه .. هربت إلى الدار وهو يعدو
وراءها .
حين عاد إلى الساحة وقف إلى جانب مبارك .. همس مبارك في أذنه :
- لقد رأيتك تجري خلف نواره .
- وأنت أل تجري خلف ليلى بنت سالم .
مد مبارك كفه ووضعها على فمه .
- استرنا يا سيدي .. النبي شاف بعينو وستر بديلو .
ضحكا سعيدين .
كانت الزفة قد انتهت والجميع يلحون على شهوان ليغني ويكف قليل" عن تمثيل دور
العريس .. فما جاء الناس إل ليسمعوه .. لم يطل تمنع شهوان :
- دخيل ال ودخيل أهلك ودخلك
شاب الليل في عيونك وداخلك
لحطك في حشا قلبي وادخلك
ملك الموت ما يفتح الباب
حي الزمان إللي جمعنا ولمنا
أخذت الحماسة أبو غوش فوقف يشوشح بمنديله .. أفسح له شهوان مكانا" إلى جانبه .. انطلق
صوت أبو غوش قويا" مدنفا" .. رغم أعوامه الستين وما تقلب عليه من النساء :
أنا لصوم عيد ال لكبر
على نهيد كما الرمان وأكبر
وأنا خايف ليخذني الشيب وأكبر
واتميلن للغير يا مايلت العصاب
رن البشلك عالضظضان
إوعى تأمن للنسوان ...
زغردت نساؤه الربعة .. التفت إلى حيث تقف نساؤه وسط نساء الحارة وفتل شاربه
- ما بنشبع منكم .
عاد إلى مجلسه بين الريفي والبطش بينما صوت شهوان يعمر الساحة :
طلع غيم جديد وبرق شكلين 
على إللي عاصبه المنديل شكلين
وأنا لو قيدوني بالحديد شكلين
لفك القيد والحق بالحباب ...
شخر كبير البطوش تعبيرا" عن إعجابه الشديد بالموال .. فقال له الريفي مداعبا" :
- إي وال عليك شخرة بتطلع الميه الحلوة .
أطل شيخ الحارة على الساحة وبرفقته الزهار وبعض الختيارية .. ارتفعت الزغاريد
تحية لهم .. أنشد شهوان :
يا قلبي ما تحب إل الرجاجيل
سبوعه وفي مقاعدهن رجاجيل
ويا رب البيت ما تحرمنا الرجاجيل
بجاه البيت والعشرة الصحاب
قال شيخ الحارة :
- بغدادي .. نريد أن نسمع شيئا" من البغدادي يا شهوان .
- بتمون يا شيخنا .
كبر النفس يستفيد منها ابن آدم يزل
أي هو بيندم على غلطته بعد أن يزل
قسما" بشب الفتى بمعيشتو لم زل
أن النفس ما تنقهر إل بكاس الهوى
وإن كنت تجبر على نفسك ادعي عليها بهوى
إللي الهوى عبله عزها وعنتر ذل
تمايل شيخ الحارة طربا" .. وتصايح الختيارية .
أحسنت يا شهوان .. إللي الهوى عبله عزها أي نعم .. معلوم .. معلوم ..
ريما كما الباز حسنا والبها ل ل
والصدر بنور من تحت الغطا ل ل
طلبت منها الوصال قالت يا جدع ل ل
احذر من العيب يابن الناس ل تبلى ..
ليلبسك توب من خاص الحرير تبلى
إن كنت عايز وصالي قبل ما تبلى
أهلي كرام أجواد ما يقولو في العطا ل ل
بلغ الحتفال ذروته عندما صدح صوت شهوان بأغنيته الجديدة : 
غزالي غزالي طاب جرحي طاب
والقمر ضوالي يا عيني نص الليل وغاب
إن كان بدك تعشق دور عالحلوين
العشق وال يا عيني بيدبح بالسكين
ثم انطلقت مواويل شهوان تلمس القلوب
رمان غزة استوى للي انوعد بالفقش
احبس فؤادك في قمقم والطلسم نقش
قسما" بكف الحبيب إللي عليها النقش
أصل المحبة ضحك أصل المحبة لقش
ميمة ميمة يا ماماتي بدعيلوا وال في صلتي
هداني نظره بطرف العين هديتو عمري وحياتي
من يوم فرقاه عاشر عيوني الوسن
هوه ربيع الحياه وهوه الهل والوطن
قال العزول انساه صرخت كل ولن
حلفت بال ما أسله لو لبسوني الكفن
كانت الزغاريد تنطلق من نساء الحارة على أسطح المنازل .. كلما أنهى شهوان أحد
مواويله .. أما الرجال فكانوا ينهالون عليه بعبارات الستحسان :
- عnمnرm .. عافاك .. أحسنت .. أويعيدون آخر كلمة في الموال وهم يترنمون طربا" ..
استثار الشجن عواطف الشيوخ .. هب البطش يرقص بالسيف ولم يجرؤ أحد على منازلته
سوى رفيق صباه وشيخوخته الريفي .. سحب سيفه هو الخر وصرخ في حماس الشباب :
- ولك ليالي الصبا عودي
وصل نظمي أفندي إلى ساحة العرس ومعه أحد تجار الفرنجة .. قدما التهنئة للعريس
.. انصرف بضيفه إلى البيت .. تبعهما سالم كالكلب السلوقي .. موقنا" بسكرة مجانية على
شرف الضيف .
قال نظمي أفندي بعد أن شربا عددا" ل بأس به من النخاب :
- الخواجا أنطوني من التجار البنادقة الذين يحظون بعطف ومودة سيدنا الوالي .
قال الضيف بعربية مكسرة :
- واليكم ل يصادق أحدا" ل .. إنه يعتمد علينا في معرفة ما يدور على الشاطئ الخر من
المتوسط .. وحين ننقل إليه خبرا" يثير اهتمامه يجزل لنا العطاء . 
أخرج من جيبه ساعة ذهبية في صفن من الديباج الحمر .. عرضها عليهم .. لقد أهداني هذه
في السبوع الماضي مع كيس من النقود .
قال نظمي أفندي :
- ولم أغدق عليك كل هذا ؟
- شرحت له نظرية جديدة أخذت تشيع في أوساط المتعلمين الوروبيين حول علقة كبر حجم
الجمجمة وشكلها بميل النسان إلى ارتكاب الجرائم .
قال سالم وقد بدأت الخمر تعلب برأسه :
- ليس في الحارة أصغر من رأس الكلغاصي هذه .. ومع ذلك فهي أدهى الرؤوس
وأكثرها إجراما" .
وقف الكلغاصي .. فهم سالم أن ضيافته انتهت .. سار مع مضيفه إلى الباب
وانطلق إلى الساحة يتخلع في مشيته .. كان الجميع قد انصرفوا بعد انتهاء الحفلة .. وجد باب
الشيخ محمود مفتوحا" فدلف إليه .. حين أوغل في ساحة الدار .. تذكر أنه لم يدق على الباب
فأراد أن يعود أدراجه لكنه سمع صوت الشيخ محمود وهو يقول لزوجته :
- كانت لنا بنت اسمها مريم وماتت .. ل تذكريها أمامي ول تطلبي مني أن أزورها .. حسبي
ال ونعم الوكيل ..
قال سالم في سره :
- أهنئه على ماذا ؟ خير لي أن أذهب إلى بيتي وأخلد للنوم .. لن يغفر الشيخ محمود
لمريم .. ولن يغفر لهل الحارة الذين أجبروه على نسب ل يليق به .
تسلل سالم إلى الزقاق ثانية وعاد إلى بيته .
( 5 )
نهضت غزة من نومها ترتدي غللة من أزهار المشمش .. فتحت فاطمة الباب ..
تنفست في فناء الدار ألف ليمونة دفعة واحدة .. استنشقت ملء رئتيها نسيم صباح ربيعي
عابق .. يحرك في النفس الفتون والرغبة .. صهلت فرس في الزقاق .
تذكرت حلمها الليلة الماضية .. الحصان البيض الذي يعدو في السهل ثم ل يلبث أن
يطير ناشرا" عرفه الطويل كالسحابة .
لقد أحبت الخيل دائما" وما صادفها حصان على حوض الجماقية إل وملست عرفه .. وربتت
عنقه النافر .. أمها تقول أن الحصان في الحلم فأل عز وخير ثم تضيف وهي تتفرس ملمح
وجهها الجميل ( ستكونين معزوزة ومحبوبة في حياتك يا فاطمة .. وال إنك أجمل من السفيرة
عزيزة ومن ضيا ووضحه وكل بنات هلل .. إللي شعروا فيهم القصايد ) .
أشعلت فاطمة النار في الموقد الطيني ووضعت وعاء الماء عليه .. رشت الفناء
وانهمكت في كنسه .. وما أن فرغت حتى ذهبت إلى البايكة .. جلبت بيض الدجاج .. ألقت
إلى البقرة بعض التبن والشعير .. عادت وبيدها الدلو .. حلبت البقرة وحملت الحليب إلى
الداخل .. تناولوا إفطارهم .. غادر شيخ التفاح إلى المضافة .
أحضرت فاطمة الماء الساخن .. وضعت الطشت في منتصف الغرفة .. وقفت فيه ..
خلعت ثيابها .. أخذت أمها تفرك ظهرها العاري بالليفة والصابون .. وتصب على رأسها
بعض الماء بكوز من النحاس .. محاذرة أن تسقط القطرات على أرض الغرفة الطينية
فتفسدها .. بعد الحمام لفت أمها جسدها الفارع بالمنشفة واضعة خرقة تحت قدميها حتى
تستقبل ما علق بها من الماء .
خرجت فاطمة من الطشت تتألق في عريها .. كانت الشمس تشرق على جسدها من
خصاص كوة من الجدار .. فبدت كأنها اللؤلؤة الخارجة من صدفتها .. احمرت الم وبلعت
ريقها وهي تصلي على النبي .. قرات على رأس ابنتها قل أعوذ برب الفلق .
- وال ما ولدتك ولدة يا فاطمة .. فسبحان من أكملك خلقا" وخqلقا" .. كبرت يا ابنتي .. نهودك
نفرت وأردافك استدارت .. وصار جمالك يسبي العقول .. وعن قريب تتزوجين وتفارقين
أمك .. صدق المثل ( بيت البنات خالي ) .
- لماذا تقولين ذلك يا أماه .. مازلت صغيرة على الزواج .. لم أكمل الخامسة عشر وحتى لو
تزوجت سأقيم إلى جوارك .. لن أتزوج خارج حارتي .. لن يكون فراق أبدا" .. عانقت أمها
لتطيب خاطرها ولكن الم واصلت الحديث :
- لقد تزوجت وأنا في العاشرة من عمري يا فاطمة .
- قال أبي أنه استعجل زواجه منك حتى ل يسبقه إليك خاطب آخر .. ثم أنه ابن خالتك .. أما
أنا فليس لي أبناء خال أو أبناء عم من جيلي ولن يستعجل الزواج بي أحد .. ما أظن أبي
يسارع في تزويجي .. كما يفعل الفقراء الذين يريدون أن يكفلوا هم بناتهم لغيرهم .
أكملت فاطمة ارتداء ثيابها وجلست في الفناء ترجل شعرها السود الطويل بمشط من
العظم منقوع في زيت الزيتون .. فردت على ركبتيها ملءة بيضاء لترى إن كان بعض
القمل أو السيبان قد تسلل إلى شعرها .. حين تأكدت من نظافته .. استخدمت مشطا" من
الخشب لتسريح غدائرها الطويلة .. عقصت شعرها في ضفيرتين كبيرتين .. دخلت رقية
كبرى زوجات سالم .. فرأتها تتمشط .. قالت في سرها ( فاطمة كبرت وخرطها خراط البنات
.. يا خوفي سالم يعملها .. وتصير ضرتي الرابعة ) فكت عقدة غطا رأسها فتهدل منحسرا"
عن فكين بارزين .. قطبت وجهها فازدادت ملمحها شراسة .. توقفت زوجة شيخ الحارة عن
إعداد طاحونة القمح ريثما ترحب بضيفتها .
- أهل بك يا رقية .. تعالي إجلسي معنا في الشمس لنتحدث قليل" .. كيف حال أولدك
وزوجك والخرين ؟
- بخير .
- بال عليك يا رقية أن تنظري لفاطمة بعد أن عقصت شعرها .. هل ترين في الحارة من
يضاهيها جمال" ؟
نظرت رقية بطرف عينها ثم قالت :
- صدق المثل .. وأكملت في سرها ( خنفسة شاقت بنتها على حيط .. قالت لولوه في خيط )
- أكملي ماذا قال المثل يا رقية ؟
- قال : مين يشهد للعروس .. أمها وخالتها .
أحكمت وضع الغطراس على وجهها .. ومضت :
- تظللون بخير .
قالت زوجة شيخ الحارة لبنتها وهي تدير الطاحونة وتلقمها القمح باليد الخرى :
- هذه المرأة تغيرت أحوالها منذ تزوج عليها سالم أول مرة .. وأن حالها ليزداد سوءا" يوما"
بعد يوم .. انظري إليها ها هي تلف في الحارة ل تطيق الستقرار في مكان واحد كأن النار
في أذيالها .. صحيح الضرة مرة .
- ماذا تفعلين لو تزوج أبي عليك ذات يوم .
- ما أظنه يفعل .. إن له من المروءة والشهامة ما يمنعه من الساءة إلي .. ل يفعل ذلك إل
الدون وأصحاب العيون الفارغة من أمثال سالم الذين ل يمل عينهم إل التراب .
- أين أجد زوجا" مثل أبي يا أماه ؟
- الزواج يا ابنتي قسمة ونصيب .. إذهبي الن إلى الحارة .. و اسألي أين يخبزن اليوم .
أحكمت فاطمة الغطاء على وجهها .. مضت إلى بيوت الجيران .. ثم عادت لتحمل
لقان العجين إلى دار الريفي .. صادفتها ليلى كبرى بنات سالم .. والدها سماها ليلى تشبها"
بالزير سالم الذي كان لقبه أبو ليلى المهلهل .. قالت ليلى :
- سأحمل لك الحطب من بيتنا .. انتظريني عند الفرن .
ما أجمل هذه الفتاة وأطيبها .. كيف استطاعت امرأة شريرة مثل رقية ورجل سوء مثل سالم
إنجاب فتاة كهذه ؟ أم أن الشوك يخلف وردا" كما يقولون . 
إنها تصغرها بعام ومع ذلك فجسدها الفائر ل يجعل من السهل ملحظة ذلك .. تقول أمها هذه
الفتاة عينها على مبارك .. إنها أجمل فتاة في الحارة بعدك يا فاطمة .. ولكن من يصاهر هذا
البلء الذي يسمى سالم .. أعوذ بال .. لو علمت ليلى بذلك لقتلت نفسها .
تجمعت نساء الحارة حول الفرن .. كان من عادتهن أل يشعلن أكثر من فرن في وقت
واحد رغم أن كل بيت من بيوت الحارة له فرنه الخاص .. وذلك توفيرا" للوقود .. الذي يندر
في الحارة ولبد من إحضاره من الحقول البعيدة أو صنعه بمزج التبن الخشن ( القصل ) مع
روث البقر عل هيئة أقراص تجفف في الشمس .
النساء المنتظرات دورهن كن يقضين الوقت في الحديث عن أخبار الحارة وأسرارها .
غالبا" ما يكون حديثهن مكشوفا" .. فالنساء ل يتحشمن إل في وجود الرجال .. ورغم أن فاطمة
لم تكن تشارك في حديث النساء هذا لنها لم تصبح امرأة بعد إل أنه كان يفتح عينيها على
عالم ملئ بالثارة .. ويطلق لخيالها العنان لتصور ما عجزت على الحاطة به من خلل
الحديث .. سكينة زوجة حسان السلمين كانت أكثر النساء تهتكا" في الحديث .. كان لسانها
يتبرأ منها .. ورغم أنها في الربعين إل أن جمالها كان مضرب المثل كانت تبالغ في
السخرية والتهكم حتى تجعل النساء يستلقين على ظهورهن من الضحك .. زوجها ضعيف
البنيهة رقيق العود سمي الفار لضآلة حجمه .. أما هي فكانت كما يقولون : ( تخت ورخت )
كأنها الناقة الشمالية .. مات زوجها الول وكان والدها فقيرا" وزوجة أبيها بخيلة شحيحة النفس
.. خافت أن تشاركها سكينة خبز أولدها .. زوجتها لول خاطب .. فكانت من نصيب حسان
.. يومها قال أهل الحارة :
- صدق المثل ( ال بقتل جمل عشان عشوة واوي ) .
حين دخلت فاطمة هشت لها سكينة :
- ما شاء ال عليكي يا فاطمة .. يا بخت إللي راح يتحضن فيكي .
أطرقت فاطمة برأسها إلى الرض في حياء وواصلت سكينة :
- أل يعجبك أحد من شباب الحارة ؟ أذكري لي اسمه وسوف أرسله لكي يتوسل إلى والدك
ويقبل الرض تحت أقدامه .
هربت فاطمة من الدار تتعثر في أذيالها وقد احمر وجهها من الخجل .
- أعود عندما يجئ دوري .
واصلت سكينة :
- بلغي أمك أن تزورني اليوم بعد العصر .. جهزت طبخة عقيدة ( سكرا" معقودا" بالليمون )
كلفتني ثلثة قروش لمك وللحبايب من نسوان الحارة .. لولي لصارت أرجل نساء الحارة
كأرجل المعيز . 
مر شهوان بالباب فسمع عبارتها الخيرة .. صاح من الشارع مداعبا" :
- هل أرسل لك زوجتي أيضا" ؟
ألقت النساء الخمر على وجوههن وتمايلن من الضحك بينما ردت سكينة :
- ولك استحي يا ابن عايشة .. قاعد تتصنت على البواب .. الحق عليfه اللي سحبتك من
بطن أمك .
حملت لقان الخبز ونهضت .. حين أحكمت الخمار على وجهها .. قالت لزوجة الريفي :
- سوف أمر في طريقي على خديجة كنة السويسي .. أظنها ستلد هذه الليلة إنها بكرية كما
تعلمين وبحاجة إلى من يقف معها .
قالت زوجة الريفي :
- جزاكي ال عن الحارة كل خير يا سكينة فأنت تشيلين هم الجميع .
استيقظت فاطمة من نومها وقد ارتج كيانها كله .. قالت لمها :
- عاودني الحلم مرة ثانية .
- هل هو الحصان البيض ؟
- نعم .
- كم مرة سأفسر لك هذا الحلم ؟
كانت أمها قد أخبرت زوجها بذلك .. قال رمضان باستغراب :
- حصان أبيض يطير ؟! الخيول تعدو فقط ول تطير إل في قصص ألف ليلة وليلة ..
ابنتك بحاجة إلى حجاب يحميها من الكوابيس .. وسوف أطلب من الشيخ محمود كتابة حجاب
لها بعد صلة الجمعة .. لم تذكر ذلك لفاطمة حتى ل تغضب .
قالت فاطمة :
- أعرف يا أمي تفسيرك للحلم ولكنه هذه المرة لم يطر في السماء كما يفعل دائما" .. هذه
المرة أكل السكر من يدي .
- خير يا فاطمة .. اذهبي الن واملئي الجرة من الجماقية .. ليس في بيتنا قطرة ماء .
على الحوض كانت ليلى بنت سالم وكوكب بنت حسان السلمين وبعض الفتيات
يحملن جرارهن حين رأينها .. افسحن لها لتمل جرتها :
- صبحكوا بالخير .. ردوا عليها بحفاوة :
- صبحك بالخير والسعادة .
- لماذا ل تملن الجرار وتعدن إلى بيوتكن .. أليس وراءكن عمل تقمن به ؟
ردت كوكب وكانت مسحوبة من لسانها مثل أمها سكينة : 
- البيوت لن تهرب والشغال لن تنتهي .. ما علينا إذا تحدثنا قليل" .. اجلسي معنا يا فاطمة
مازال الوقت مبكرا" .
- ل أحب التلكؤ على الحوض ؟
- أين سيراك العرسان إذا .. اسألي مريم أين كانت تقابل شهوان .
تضاحكت الفتيات .. ملت فاطمة جرتها .. وهمت برفعها على رأسها :
- سأترك العرسان لك يا كوكب .
مر بهم أبو غوش فبرم شاربه وارتجز قبل أن يبتعد به حماره :
- يا طلة ريمة الغزلن من فوق
صبايا وشامره الدرعان لفوق .
ولك حبوب خذيني أزرار للطوق
وأنام بين نهدك والحشا
أخفين وجوههن متضاحكات .. صهلت خيل واقترب وقع السنابك على الرض شيئا"
فشيئا" .. تذكرت فاطمة حلمها فنظرت إلى عرض الطريق .. كان ثلثة من الفرسان يخبون
بجيادهم نحو الحوض .. يتوسطهم حصان أبيض كأنه الحمامة .
خفق قلب فاطمة بشدة .. وضعت الجرة إلى جانب الحوض وقد أخذتها المفاجأة كانت
كمن يواصل حلما" بعد اليقظة .
قال يونس :
- من تدلنا على بيت شيخ الحارة ؟
التقت عيونهما للحظة واحدة لكن الطعنة كانت نافذة .. اهتز شئ في أعماق يونس ..
نفر سرب قطا عن غدير في الصحراء .. ثغت صغار النوق في فلوات بعيدة .. لفه والده
بعباءته في ليلة شديدة البرد .. لن وجه يونس الصخري الذي شوته الشمس .. بصعوبة بالغة
استطاع أن يسحب عينيه بعيدا" عن العيون الواسعة المكحولة .. تقدمت فاطمة وربتت عنق
جواده .. ثم قالت بفخر :
- مرحبا" بضيوف أبي .. اتبعوني .
ترجل الفرسان وتبعوها .. في الطريق سأل يونس :
- ما اسمك ؟
قفز قلبها في أضلعها كعصفور يلطم قضبان القفص .. تحاملت على نفسها وردت عليه
دون أن تلتفت :
- فاطمة .
- وأنا يونس . 
امتلت الساحة الواسعة أمام بيت شيخ الحارة بالوافدين للسلم على الضيوف ..
تحدث شيخ الحارة المختار عن الحارة .. عن بئر الجماقية التي حفرها المير المملوكي
جمقماق على نفقته الخاصة .. أهل الحارة عملوا معه بأيديهم دون مقابل .. فأعفاهم من
السقاية .. كتب على باب الجماقية ( ملعون ابن ملعون من أخذ من أهل حارة التفاح ثمن الماء
) .. وهكذا فإن كل الحارات تدفع لملتزم الجماقية ما عدا أهل الحارة .
امتدت البواطي أمام الضيوف محملة بالثريد واللحم .. قال المختار بصوته الجهوري وهو
يشير إلى الطعام :
- بسم ال .
ارتد يونس ورجاله عن الباطية .. قال يونس :
- وال لن نأكل لك زادا حتى تقضي حاجتنا .
- كل يا يونس .. وحاجتك مقضية بإذن ال .
- أريد ابنتك فاطمة زوجة لي على سنة ال ورسوله .
وضع يده في صدره وأخرج عقدا" من للئ البحرين أضاء بريقه المكان .
- هذا مهر فاطمة .
زاغت عيون الحاضرين بين بريق الللئ وبريق مقابض السيوف التي يحملها عبيد
يونس .. أدركوا أنها ستكون ملحمة فاصلة .
نهض شيح الحارة من مجلسه واتجه إلى داخل البيت تاركا" ضيوفه وأهل حارته نهبا" للقلق
والوساوس .. لحقه سالم إلى فناء البيت وهو يلهث :
- بال عليك يا عمي .. ل تعطي فاطمة لهذا البدوي فل هو من ثوبنا ول نحن من ثوبه
( ومن أخذ من غير سبرو دق البين صدرو ) .
قال شيخ الحارة غاضبا" :
- وال ما في هذه الحارة غراب بين غيرك يا سالم .. حجلت على العامري فتركت داره قاعا"
صفاصفا" .. وتركت خضرة ل في الحياء و ل في الموات .. واليوم تريد أن تحجل علينا ..
أغرب عن وجهي .. ل أريد أن أراك الليلة .
انطلق سالم كأن نارا" اندلعت في صدره حتى توارى عن النظار .
أما شيخ الحارة فدخل إلى حيث تجلس فاطمة .. وقال لها :
- ضيفنا يونس يريدك زوجة له على سنة ال ورسوله .
كانت قد سمعت والدها يتحدث عن يونس ويطريه في حديثه .. ولكنها لم تكن تعرف أن
المالك الجديد لوادي الزيت سيأتي لخطبتها على ظهر جواد أبيض .
أطرقت برأسها إلى الرض في حياء . 
- السكوت علمة الرضا يا فاطمة .
قبلها والدها بين عينيها .
- كنت دائمة عاقلة وترفعين الرأس .. فليبارك ال لك يا ابنتي .
انطلقت الزغاريد .. كان الشيخ محمود إمام مسجد أيبك حاضرا" .. أمر القوم بتلوة
الفاتحة إلى حضرة النبي المصطفى .. أتم الشيخ محمود مراسم الزواج .. وضع يونس
يده في يد شيخ الحارة .. ورددا وراء الشيخ محمود ما أمرهما بترديده .. تناول الجميع
الطعام .. انطلقت الزغاريد والهازيج .. لعب البطال بالسيف والترس .. رقص الشباب
رقصة الدبكة على أنغام شبابه شهوان .. شكلوا قنابيزهم البيضاء المخططة فبانت تحتها
سراويلهم السوداء الطويلة إلى الخلخال .
الشيوخ لزموا مجلس القهوة .. بثيابهم الداكنة الفضفاضة و عباءاتهم السوداء .. تتربع
على رؤوسهم العمائم الكبيرة وقد لفوا حول خصورهم أحزمة ملونة عريضة من القماش.


 رواية العنقاء كاملة :الجزء السادس: 
 رواية العنقاء كاملة :الجزء الثامن:


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات