القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية العنقاء كاملة : الجزء الأول : رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي.


مقدمة من مجلة أضواء :
هذه الرواية تاريخية تراثية زخمة صدرت عام ١٩٨٩ عن الكاتب الفلسطيني عبد الكريم السبعاوي ، تحدثت عن غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي ، عن الحياة الاجتماعية و العادات و التقاليد ، في صفحاتها عدد مهول من الأمثال الشعبية و الأهازيج و المواويل.
ذكرت طقوس قطف الزيتون و جني الثمار و الأكلات الشعبية السماقية و البسارة و الزلابيا ، و تحدث عن الحارات الغزيّة التفاح و الشجاعية و العائلات العريقة و عن الغزو و الغزاة بطريقة اجتماعية درامية محكمة و ممتعة و مشوقة .

بداية الرواية: 
أخيرا" وصل يونس .. حوت كبير اسمه الصحراء ألقى به على هذا الشاطئ الخضر بلون الفيروز .. أية جنة تمتد على مطارح البصر .. أشجارها مثقلة بالثمار موسما" بعد موسم .. ماؤها نمير.. وخيرها كثير.. وهواؤها شفاء من كل داء .
جاء يسوق أمامه ألفا" من النوق العصافير .. في سوق تبوك باع نصف البل .. وفي سوق
غزة باع النصف الثاني .. ثم أشار إلى مقدم عبيده :
- سنتوجه إلى المدينة نقضي الليل في أحد خاناتها .. وغدا" يخلق ال ما ل تعلمون .
هتف جوهر :
- إلى غـزة .
تواثبت الخيل كأنها ل تحمل على ظهورها أحدا" .. الطيور الجارحة ليست ثقيلة ول
كثيرة الشحم واللحم .. عشرون فارسا" عركتهم الصحراء سنين طويلة شوت وجوههم الشمس
كما يشوى الفخار فبدت أكثر سوادا" مما هي عليه .. إل وجه جوهر .. فقد كان سواده في التم
منذ ولدته .. وما كان ليقبل المزيد .. ليس لهم من الثياب إل مزقا" تستر العورة بالكاد .. ولو
نزلوا عن ظهور خيلهم العربية الصيلة لجازتهم العيون وما حسب حسابهم أحد .
نظروا إلى حيث أشار جوهر .. كانت مآذن غزة وقبابها الشامخة على مشارف البصر.
أخذوا يغذون السـير وهم يحلمـون بأطايب المدينة.. معولين على كرم سيدهم وحسن
وفادته.
أما يونس فمنذ شارف أرض غزة والحنين يعتصره اعتصارا" .. حتى أنه ليغالب
دموعه .. هنا ترقد أمه .. وهنا تزود من وجهها بآخر نظرة .
كان المرض قد اشتد بها وعجز أطباء البادية عن شفائها .. فحملها أبوه إلى الشام ..
لكن المنية عاجلتها في وادي الزيت من أرباض غزة .. صلى عليها أهل الوادي وواروا
جثمانها التراب .. ووصلوا بينه وبين هذه الرض بصلة ل تنفصم .
استوقفهم قائد الحرس على بوابة المدينة المسماة بالداروم وهو ينشد ساخرا" :
- عرب الردى منين أتيتوا بلدنا
انتو تتار وإل أعقاب هنود
قال جوهر :
- لسنا تتارا ول هنودا" .. لقد بعنا ابلنا في سوق غزة خلف عدوة المنطار.. ونحن بحاجة
للراحة في أحد الخانات .
حينما لحظ امتعاض قائد الحرس تابع بلهجة حاول أن يجعلها مقنعة .
- ما جئنا لننهب أو نسرق كما يفعل بعض البدو..
 عزز خطابه بصرة من النقود استقرت في يد قائد الحرس الذي أجابه هاشا" باشا" هذه المرة .
- عليكم بخان الزاوية .. لن يقبلكم خان غيره وأنتم على هذه الحال .
- مضوا إلى الخان .. نام العبيد في إحدى البوايك بعد أن ربطوا خيلهم ووضعوا لها
العلئق .. اتخذ يونس وجوهر غرفة في الطابق الثاني حيث ينزل التجار وعلية القوم .
في الصباح وزع عليهم جوهر أرغفة الخبز الغزاوي المستديرة المنفوخة كالكرة ..كسروها
على ركبهم أرباعا".. أخذوا يغمسونها في صحاف اللبن المغطاة بزيت الزيتون .. ويهمشون
رؤوس البصل .
راقبهم يونس بغبطة ..
 قال جوهر وهو يقضم نصف طاحونة من البصل دفعة واحدة في فمه الواسع كشدق التمساح:
- بلد تصلها .. كول من بصلها .
غمس لقمة كبيرة في وعاء اللبن وناولها ليونس :
- ذوق وأنا أخوك .. هذا سمن ما هو بلبن .
بعد أن انتهى إفطارهم.. وزع عليهم جوهر لبابيط العجوة المعجونة بالكسبه وهو
يردد:
- تحلوا .. تحلوا .
قال يونس :
- خذهم اليوم إلى حمام السمرة .. وسوف ألحق بكم هناك .. حاول أن تعيد لهم صورتهم
الدمية .
اجتاز العبيد شوارع المدينة ببطء شديد .. كل شئ أمامهم جديد وملفت للنظر .. لم تسلم
عربات الفاكهة ول بسطات الحلوى من شرهم.. يسألون البائع :
- تشبعني بكم ؟
دون أن تكون لهم نية في الشراء .. اللهم فقط للهائه عن طردهم .. ثوان يبتلعون فيها ما
تصله أيديهم .
عندما وصلوا الحمام أوقفهم جوهر بالباب لكي يدخل ويتفاهم مع اليهودي صاحب الحمام ..
نظر السامري إلى وجه جوهر ذي الشفتين المشقوقتين كشفتي الجمل ..وعينيه الحمراوين
اللتين تقدحان شررا" .. تذكر الجني الشرير في قصة الملك سيف بن ذي يزن .. قبل أن يفهم
منه شيئا" كان العبيد بأسمالهم البدوية يجتاحون الحمام .. رآهم شمعون فاقشعر بدنه :
- هذه سنة البدو .
كان شمعون يكره هؤلء البدو الجفاة.. الذين ل يعرفون النقود ول يتعاملون بها ..
أقصى ما يمكن تحصيله منهم.. كلمات الشكر والثناء التي تفيض على ألسنتهم الذربة :
- حياك ال يا وليدي .. حيي نباك .
وإذا أراد أحدهم أن يبالغ في إكرامه يعطيه عنوانه :
- إن جيت ديرة السبع اسأل عني .. تراك ضيفي يا اليهودي .
أو يساومه على الموسم :
- أدخل حمامك سبع مرات وأطعيك على الموسم كيس شعير .
لذلك فقد أمر المباشر في حمامه أل يدخل أحدا" من البدو قبل أن يقبض منه الجرة سلفا".
اجتاح عبيد يونس الحمام .. قبل أن يفتح اليهودي فمه كانوا ينتشرون في كل مكان وينشرون
رائحتهم الكريهة .. زبائن الحمام حملوا ما استطاعوا الوصول إليه من ثيابهم .. فروا وهم
يغلقون أنوفهم .
صاح أحد العبيد في اليهودي :
- ال كتب لك هالثواب .. تراني من الحول ما طب جلدي المي .
فتحوا الخزائن أخذوا كل ما وجدوه من المناشف وقطع الصابون .. قضم أحدهم قطعة صابون
ولكها ثم بصقها غير بعيد عن صاحب الحمام :
- تقول عجوة يا شيخ !
ضرب اليهودي كفا" بكف وهو يولول :
- يا خراب بيتك يا شمعون .
عرج يونس على سوق الثياب .. اشترى كسوة له وكسوة لكل واحد من عبيده .. ولم
ينسى أن يخص جوهر بكسوة مميزة .
حمل صبيان التاجر الثياب إلى الحمام .. عندما سلموها لشمعون عرف أنه تسرع في الحكم
على الموقف.. وأخذ يستعيد رباطة جأشه .
دخل يونس الحمام فهرع إليه شمعون مرحبا" .
قال يونس :
- احرق ثيابهم القديمة في المستوقد.. قبل أن تمتلئ هذه المدينة بالقمل .
بعد الحمام خرج يونس يرتدي حلته الجديدة.. بدى كأمير من أمراء الزمن الغابر.. حتى أن
شمعون لم يملك سوى أن يقبل يده :
- نعيما" سيدنا .. نعيما" .
- أنعم ال عليك .. ناوله جنيها" ذهبيا" .
ارتج على اليهودي :
- من أين أجمع لك الباقي .. إن دخل الحمام في هذا الشهر لن يكفي ..
- ل عليك .. الباقي أيضا" لك .
قاد يونس اليهودي إلى الريكة :
- اجلس هنا .. أريد أن أتحدث إليك .
صب لهما صبي الحمام نقيع الخروب .. صرف يونس عبيده بإشارة من يده وتابع :
- حدثني عن أخبار غزة .. وصلت المدينة أمس مع رجالي.. أريد أن أعرف ما يدور في
هذه البلد .
أغلق اليهودي عينه نصف السليمة وقال :
- آه يا سيدي.. لقد نزع عمال التراك ملكية أراضي وادي الزيت كلها.. لن الملك عجزوا
عن دفع ما عليها من الضريبة للملتزم الجديد شيخ المشايخ تيمور الضرغام .. أظن أن هذا
الملتزم الملعون سوف يطوب الرض باسمه بعد أن يدفع ما عليها من الضريبة .
لقد وضعوا الملك في السجن منذ يومين.. وسوف يتم البيع بالمزاد في الدبوية غدا"
صباحا" .. مزاد وهمي فل أحد يجرؤ على المزايدة إذا كان تيمور الضرغام هو الخصم .. لقد
انقض هذا الرجل علينا كالبلء .
أتعرف يا سيدي.. لو كان القانون يجيز تملك اليهود للراضي الزراعية لشتريت الوادي
كله .. أي ثمن بخس هذا الذي سيدفع مقابل الوادي ؟
- ولماذا ل يجيز القانون تملك اليهود للراضي الزراعية ؟
- أراضي الشام يا سيدي تعتبر من أراضي الفتح التي تعود ملكيتها لبيت مال المسلمين ..
ولذلك فهي تابعة لمير المؤمنين أو الخليفة.. ويعمل الفلحون عليها لقاء نسبة بسيطة من
الدخل تدفع لبيت المال .. ولما كان السلطان العثماني هو الخليفة الن .. فإنه يجبي خراج هذه
الرض .. والفلحون العاجزون عن دفع الخراج تنزع منهم الرض وتعطى لغيرهم .. في
معظم الوقات كانت نسبة الجباية معقولة بالقياس إلى دخل الرض .. حتى بدأت الدولة تبيع
اللتزام بجمع الضرائب إلى ملتزمين جشعين من أمثال تيمور الضرغام .. تفننوا في مضاعفة
المكوس وأثقلوا كاهل الفلحين ..فر الفلحون على وجوههم.. تاركين الرض لقمة سائغة
لهؤلء الطغاة .. الذين أصبحوا مالكين لمساحات هائلة منها وصار الفلحون محض إجراء
عندهم .
لقد حاول اليهود مرارا" مع الباب العالي.. ووسطوا سفراء وقناصل الدول الصديقة
لتغيير هذا النظام دون جدوى .. ومن يدري ربما يلين الباب العالي ذات يوم فيجد أموالنا
جاهزة لشراء بر الشام كله .
- أنا لست يهوديا" يا شمعون ول أريد شراء بر الشام كله .. أنا أريد فقط شراء وادي
الزيت .. هل لديك طريقة تساعدني على ذلك .
ضحك شمعون وغمز بعينه نصف السليمة :
- سارة يا سيدي .. بإمكانها أن تدبر المر مع متصرف غزة درويش باشا .
- ومن سارة هذه ؟
- ابنة راشيل .
- ومن راشيل ؟
- أرملة المرحوم إسحاق الصائغ .
- وما علقة سارة بالموضوع ؟
- إنها تدخل منزل الباشا في أي وقت تشاء .. تلفت حوله.. ثم أضاف بصوت كالفحيح ..
إنها تنام معه هذه العاهرة الصغيرة .. يبدو أن أمها لم تحسن تربيتها بعد وفاة والدها وهرب
شقيقها داوود .
- ما علينا .. كم تريد لقاء تدبير المر مع الباشا ؟
- نعطي الباشا مائة ذهبية .. وعشرة ذهبيات لسارة .. وخمسة ذهبيات لخادمك شـمعون .
- كل هذا كثير وأشار إلى جوهر :
- أعطه خمسين ذهبية للباشا واثنتان لسارة واثنتان له .. ثم التفت إلى شمعون :
- ولكنني أحذرك .. ل يمكن لحد أن يخدعني وأن يحتفظ برأسه في نفس الوقت .. أنا ل
أعرف سارة ول الباشا .. أنا أعرف هذا فقط .. وأشار إلى رأس شمعون .
- اطمئن يا سيدي .. فلول سارة لما استطعنا العيش في هذه المدينة .. إنها تدبر أمور اليهود
مع الباشا .
- كم عدد اليهود في هذه المدينة يا شمعون ؟
- أربع عائلت فقط يا سيدي وسارة وأمها.. عائلة كوهين تتاجر بالذهب والفضة .. وعائلة
عدس تتاجر بالغلل .. وعائلة روكز تتاجر بالقماش وعائلة يعقوب وهي عائلة محسوبك أفقر
العائلت جميعا" .
- الذهب و الفضة والغلل والقماش .. ماذا تركتم لعشرين ألفا" يسكنون غزة وقراها ؟
- تركنا لهم الصحة والستر .. ل نسمعهم يطلبون في صلتهم غيرها يا سيدي .
نهض يونس ومضى يتبعه جوهر.. ابتسم شمعون وهو يهمس لنفسه :
- ثلث ذهبيات في يوم واحد .. أي صباح هذا ؟
في المساء عاد يونس وجوهر إلى الخان .. كان صاحبه أبا الطايع يجلس على أريكة
عند الباب.. أحد عماله ينضح الماء حول مجلسه حتى ل يثور الغبار تحت أقدام السابلة ..
دعاهما أبو الطايع لكأس من السوس فلبيا الدعوة .. جلس يونس إلى صاحب الخان يجاذبه
أطراف الحديث .. قال أبو الطايع :
- كيف وجدت غزة يا شيخ العرب ؟
- لم أجدها بعد .. أقصد أن الوقت لم يتسع لكي أرى شيئا" غير حمام شمعون .. بالمناسبة ما
رأيك في شمعون يا أبا الطايع ؟
- إنه مراب بخيل شحيح .. يبيع نفسه لكل عابر سبيل .
- لقد باعني نفسه اليوم يا أبا الطايع .. وباعني الباشا وقبض الثمن .. بال قل لي ما هي
العلقة بين هذا اليهودي وبين الباشا التركي ؟
- اليهود يا سيدي لديهم المال .. والباشا لديه القوة .. والمال دائما" بحاجة إلى القوة لتحميه
وتسهل انتقاله وتكاثره .
- هل كانت سارة هي الواسطة هذه المرة أيضا" ؟
أطرق يونس برأسه وأومأ باليجاب .
- إذا أبشر بالقبول يا سيدي .. فالباشا ل يرد لها طلبا" .
- وما علقة سارة بالباشا ؟
- القصة طويلة.. لكن ل بأس ما دمت تريد سماعها .. والد سارة الخواجة اسحق كان يتاجر
بالذهب والعملت وقد أودع لديه ثلثة من الملك أموال" لهم .. فلما توفي سرق ابنه داوود
المال وهرب إلى مرسيليا على أحد بواخر الغلل .. الثلثة اشتكوا أمرهم إلى القضاء .. حكم
عليه بالسجن غيابيا" حتى يؤدي المانات إلى أهلها .. خسر داوود المال هناك وأراد العودة
فكتب لمه وأخته بتسوية القضية حتى ل يوضع في السجن فور عودته .
كانت سارة في السادسة عشر .. طافت بيوت العائلت اليهودية الربعة لتقترض
المال.. وتفي لصحاب الودائع بأموالهم.. ولكن العائلت الربعة رفضت إقراضها .. قابلت
حاخام اليهود ول ندري بماذا نصحها .
دخلت محلولة الشعر على سليم أفندي الصوراني أحد أصحاب الودائع في داره .. بكت وأبكت
كل حريمه .. انخلع قلب الرجل .. أعطاها كتابا" بالمسامحة وهو يردد :
- ال يستر على الوليا .
رشيد عليان اشترط أن يضاجعها مقابل حصته وكان بها .. سلمان الباشق وحده أصر
على المال .. وسعت دائرة نشاطها قليل" ودبرت له المبلغ .. وهكذا صار بإمكان شقيقها أن
يعود في أي وقت .
- وماذا عن الباشا ؟
- هذه مدينة تسمع ضرطة النملة .. وصل الخبر إلى الباشا .. استدعاها ليتقاضى منها الحق
العام .. الغريب أن شقيقها بعد كل ما جرى عدل عن العودة إلى غزة .. والتحق بأحد
الجيوش هناك .

الجزء الثاني  : رواية العنقاء كاملة :.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات