القائمة الرئيسية

الصفحات

أحدث الروايات

رواية العنقاء كاملة : الجزء 29: رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي.

رواية العنقاء كاملة : الجزء 29:  رواية تاريخية تحدثت عن إنتصار المقاومة في غزة ما بين فترة الحكم العثماني و الاحتلال الفرنسي. للكاتب عبد الكريم السبعاوي في 1942  المولود في حارة التفاح بمدينة غزة لأسرة فقيرة لكنها حفية بالعلم والثقافة
----------------

سطعت شمس آذار فبددت بقايا غيمة كانت ما تزال تسح على الطريق .. شكل شهوان
أذيال قنبازه حتى ل تعلق بالوحل .. ظهر طرف خنجره المتدلي على فخذه .. تأمل قوس قزح
.. قال في نفسه :
 سوف يتوقف المطر بعد أن حبسني في البيت يومين .. تأكد من وجود الشبابة فــي
عبه .. ثم لولب بخيزرانته في الهواء وتوكأ عليها .. مقلدا" شيوخ حارته .. حين وصل دكـان
الزهار تناهى إلى سمعه صوت أبو غوش وهو يتحدث عن إحدى زوجاته :
- قلت لها ما قاله الشايب غانم لزوجته في التغريبة .
شبنا ول في الشيب شي يعيبنا وساق ال على أيام الشباب ملح
إحنا لشـبنا نقطـف خياركـم وإنتو لشبتو لشيل الصغار ملح
سأله شهوان مازحا" :
- هل شبت حقا" يا عماه ؟
هتف أبو غوش بعلو صوته :
- فشر .
أفسح له الزهار مكانا" إلى جانبه في الشمس وهو يتمتم :
- لم نعد نفرح بالشمس كثيرا" هذه اليام .
رد عليه أبوغوش :
- آذار ابو الزلزل والمطار .. بتنطر سبع تمرار .. وبتنشف عبارة الراعي بل نار .
دخل السي السقا وهو يبكي .. وقفوا مشدوهين : 
- خير يا أبو أسعد عسى ما شر ؟
- لقد نهب الفرنسيون حماري .
قالوا بصوت واحد :
- حمارك ؟!
- وكل حمار وجمل وحصان وبغل صادفوه في طريقهم .
قال أبو غوش :
- الحمد ل أنهم لم يأخذوك إذن .
ضرب الزهار كفا" بكف :
- أول دخولهم البلد كانوا يدفعون ثمن ما يأخذونه .. وأبطلـوا السـخرة والمظـالم ونهـب
الرزاق .
أعول السي :
- الن رجعوا في كلمهم .. تركتهم ينهبون سوق الغلة .. وهم يحملون الرزاق على الدواب
التي نهبوها منا ويرسلونها إلى عكا .
تابع الزهار :
- طلعنا من تحت الدلف خشينا تحت المزراب.
أخذ يجمع حوائجه ويدخلها إلى الدكان .. ساقفل الدكان وأخفي ما بها من بضــاعة..
قبل أن يصل نهبهم الى الحارة .
ربت شهوان على كتف السي :
- ألم تبلغ شيخ الحارة الجديد أو نظمي أفندي ؟ فربما استطاعا بما لهمــا مــن دالــة علــى
المستحفظان أعادة حمارك .
- نظمي أفندي قال لي سوف يعيدون حمارك بعد فتح عكا .
استأذنهم شهوان ومضى في الطريق الصاعدة إلى المدينة .. ناداه السى
- عد يا شهوان حتى ل يصيبك مكروه .
رد شهوان :
- ليس لدي ما أخشاهم عليه .
كان يريد مقابلة نظمي أفندي لكي يندس في صفوف الفرنسيين وعملئهـم .. حسـب
تعليمات مبارك .
عرض عليه نظمي أفندي الفكرة منذ شهر :
- هؤلء الفرنسيين يحبون اللهو والرقص والغناء .. يقيمون حفلة في ساحة الدبوية كل ليلة ..
لماذا ل تأتي وتضرب لهم على الشبابة .. قد تعجبهم أنغامك فيجزلون لك العطاء . 
وقتها رد عليه شهوان :
- يا نظمي أفندي قعرنا الدف وبطلنا الغنا .
لكن مبارك حين سمع القصة في وادي الزيت كان له رأي آخر .. قال له :
- إذا عرض عليك نظمي ذلك مرة أخرى فل تترد في القبول .. إنها فرصة لنعرف ما يدور
في الدبوية .
- نظمي أفندي لم يعد يخاطب أحدا" من أهل الحارة .. صار ل يأكــل ول يشــرب إل مــع
الفرنساوية.
دخل شهوان حارة بني عامر .. في الطريق الموصلة إلى السوق .. قرقعت عجلت
إحدى عربات التموين التابعة للفرنسيس .. انحاز إلى الجدار ليفسح لها .. اجتازته مسرعة ..
صرخت إمرأة من داخل العربة :
- شهوان .
ثم انزلقت من بين الكياس والصناديق وهرعت تحتمي به .
توقفت العربة .. انهال سيل من الشتائم .. كان الشارع خاليا" من المارة .. جرى فــي أثرهــا
جنديان شاكي السلح .. غمغم شهوان كأنه ل يصدق نفسه
- وضحا .
- كنت أبيع الجبنة في السوق .. أخذا كل ما معي من الجبنة .. زعما أنهما سيدفعان الثمن في
الدبوية .. ركبت معهما .. في الطريق اقترب أحدهما مني و.... أنا في عرضك يا شهوان .
وصل الجنديان .. أمسك أحدهما بيد وضحا .
- هيا إلى العربة يا حلوة .
قال شهوان :
- دعها .
أجابه الجندي وهو يدفع بها أمامه :
- روخ أخسن .. بعدين إنت في مشكل .
حاولت أن تتخلص من الجندي .. حملها على كتفه ومضى .. أخذت تضربه بقبضتيها
وتصرخ :
- شهوان .
استل شهوان خنجره .. أغمده بين كتفي الجندي .. تهاوى الجندي إلى الرض .
- أهربي الن .
انطلقت تعدو مجنونة .. اتخذ الجندي الخر وضع إطلق النار .. وأطلق على شهوان
.. حشى بندقيته ثانية .. كان شهوان قد وصله .. أغمد خنجره في رقبته .. سقطا مضــرجين
بالدم .. صهلت الخيل التي تجر العربة وأطلقت سيقانها للريح .
حين فتح شهوان عينيه .. رأى الناس يتحلقون حوله .. ورأى وجه وضحا ينشج بالدمع .
سألته بحرقه:
- لماذا فعلت ذلك ؟
ابتسم وهو يغمغم بأحد مواويل محمد العابد :
ل شـد لك سـليا الخيــل ضمـر
وأخـوض الحـرب مـن غـزه لدمر
وأقـول للسـيف يعلــى ويتأمــر
ويقطــع راس مـن كلــم عتابـا
كان الدم يتدفق غزيرا" من خاصرته .. أسند جذعه إلى الجدار .. أخرج الشبابة مــن
عبه .. حاول أن يعزف .. لكن الشبابة سقطت في حجره المملوء دما" .. صرخت وضحا :
- شهوان .
 أغمض شهوان عينيه .. احتضنته وضحا .. دفنت وجهه في صدرها
- عد يا شهوان أنا لك .. لن أكون لحد سواك .. عد يا شهوان .. عد .
لكن شهوان ذهب ولم يعد .
بكى الناس حتى انشقت صدورهم .
???
بدأت دعوة العارف بال تاج الدين الخروبي تفعل فعلها في نفوس الناس .. توافــدوا
على مسجد الجاولي خفافا" وثقال" .. رجال" وعلى كل ضامر .. هذا يقـدم نفسـه أو ولـده أو
أخاه .. وذلك يقود فرسا" أصيله نذرها للجهاد .. وآخر باع حلي زوجته واشــترى اتفنكــه أو
طبنجه .
نظم تاج الدين ذلك كله على أحسن وجه .. قسم الرجــال إلــى قســمين .. مقاتلــة
وأنصار .. المقاتلة التحقوا بمبارك في وادي الزيت وتلل ومغاور الشعف وغابات الزيتون ..
أما النصار فظلوا في مواقع عملهم وإقامتهم .. يجمعون الخبار .. يتحسسون من العدو غرة
يفاجئونه بها دون أن يعرف كيف أو من أين أتته الضربة .
قال أبو الطايع صاحب خان الزاوية .. للدريملي شيخ الحدادين وهو يجاذبه الحــديث
في دكانه :
- ما هذه الرماح الصغيرة التي انصرفت إلى صنعها منذ أيام .
تناول رمحا" وأخذ يقلبه بين يديه .. مقبض متين ورأس دقيق كرأس البرة ولكنــه قصــير ل
يتعدى طوله شبرا" واحدا" .. هزه بيده وأنشد :
- صال وجال .. ولعب بالرمح العسال .. وقال أين المبارز أين المناجز .. ل يخــرج لــي
كسلن ول عاجز .. اليوم يوم الهزاهز .
ثم ألقى الرمح على طول يده .. هذا الرمح ليس عسال" على الطلق .
توقف الدريملي عن طرق الحديد الحمر .. توقف الشرر الذي كان يتصــاعد تحــت
مطرقته .. توقف نافخ الكير عن تحريك ضلفتي المنفاخ .. انتظمت ألسنة النيران الصــغيرة
المضطربة في الموقد .. همس الدريملي في أذن أبي الطايع :
- وهبت نصف أموالك لتاج الدين كي ينفق على المقاتلة .
وضع أبو الطايع أصبعه على فمه مشيرا" للدريملي بالسكوت ثم غمغم :
- يونس أعطى روحه ودمه يا شيخ الحدادين .
قال الدريملي وهو يعود إلى طرق القضيب الحمر .
- هذه الرماح خفيفة يسهل حملها وإخفاءها عن العدو .. يربطها المجاهد على ساقه أو ذراعه
أو جنبه أو يثبتها بعروتين في بطانة ثوبه .. وعند اللحظة المناسبة .. يستلها ويغرسها بسرعة
البرق في قلب كافر استباح أرض السلم .
ربت أبو الطايع كتف الدريملي .. استأذنه ومضــى لشــأنه .. مــر بــبيت تيمــور
الضرغام .. نظر إلى شباك السوباط .. لم ير يلماز .. لكنه رأى خيال امرأة تراقب المارة من
خلف الشيش .. أخبره طبوع صبي السقا .. أن نساء تيمور حملن أولدهن وانطلقن في أثــره
منذ سقوط غزه .. هنيه وحدها بقيت في البيت الكبير .. احتلت غرفة يلماز وشــغلت نفســها
بمراقبة السابلة كما كان يفعل .
حين وصل الباب لحظ سلمى البلنة وهي تدلف إلى الداخل .. قال في نفسه : ( خلي
الميدان لم حميدان ) .
غمست سلمى المشط السود في وعاء الزيت .. أخذت تسرح شـعر هنيـه السـود
الطويل وهي تواصل الحديث :
- حين كان البيت يضيق بنساء تيمور وأولده .. كان طبوع صبي السقا يمل المزيرة بالمــاء
كل أسبوع مرة .. وحين لم يعد في البيت أحد غيرك صار يملها كل يوم .. أي عطش هذا ؟
ردت هنيه بلؤم :
- ل يتحدث الجمل عن إعوجاج رقبته . 
بلعت سلمى ريقها :
- ماذا تقصدين ؟
- الفرنسي الذي كان يجري خلفك أمس .. رأيتكما من شباك السباط .
تنهدت سلمى :
- يدفعون كثيرا" يا هنيه .. ثم أنهم يجيدون التعامل مع النساء .
صمتت سلمى هنيهة ثم تابعت :
- أل تجربين واحدا" منهم .. بدل هذا الجربوع المبلل بالماء .. الذي ل يعرف الفــرق بيــن
المرأة والقربة .. أنا وأنت مقطوعتين من شجرة .. ل ولد ول تلد .. وليس أمامنا إل أن نتدبر
أمر أنفسنا .
- والناس يا سلمى ؟
- الليل ستار .
أومأت هنيه برأسها .. فضحكت سلمى وقبلتها .
- اتفقنا .
كان أول من اكتشف الصفقة طبوع .. جمع مخلفات الفرنسيين من غــرف المنــزل
ووضعها في المزيرة .. ثم مل المزيرة بالقذار واختفى .
اشتدت حيرة هنية حينما عاد طبوع بعد أسبوع .. نظف المزيرة وملهــا بالمــاء ..
ادعى أنه كان مريضا" .. أنكر أن يكون هو الفاعل .
قالت سلمى :
- أكل العيش أجبره على العودة .. ثم أننا بحاجة إلى من يقف معنا آخر الليــل .. لمحاســبة
السكارى .. وسوف نجعل له حصة مجزية .
ازدادت حيرة هنيه ودهشتها حين وافق طبوع بحماس ظاهر .. قالت له وقد أوجست خيفة :
- أل تخشى العار ؟
قال بنبرة حاول أن يجعلها صادقة :
- وعد ومكتوب يا هنيه .. وعد ومكتوب .
جاءت ليلة الحد .. الليلة الكبرى كما تسميها سلمى .. في تلك الليلة امتل بيت تيمور
على سعته .. ظلوا يشربون ويقصفون إلى آخر الليل .. حين بـدأ بعضـهم بالنصـراف ..
لحظت هنيه وصول ثلثة منهم متأخرين .. احتفى طبوع بهم وأجلسهم وحـدهم فـي ركـن
منعزل .. أمرته أن يصب لهم ففعل.. ثم انشغلت عنهم بمن حولها .
في تلك الليلة لم يقبض طبوع البقشيش من الفرنساوية .. لكنه ساعد رجال مبارك في
قبض أرواحهم .. خمسة عشر قتيل" افترشوا باحات الدار .. قال فرج السويســي لرضــوان
البطش:
- هل نتبعهم بالمرأتين ؟
أجاب رضوان :
- بل نتركهما للمستحفظان .. يتدبر أمرهما .
???


 رواية العنقاء كاملة :الجزء 30:
 رواية العنقاء كاملة :الجزء 28:


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات