أخر الاخبار

بين النحو والدلالة - دكتور سعد بن محمد داود

 لاشك أن الضوابط والمصطلحات التي بها تتمايز أبواب علم من العلوم  أمر ضروري،  ولولاها لاختلطت المفاهيم وصعب الفصل بينها ، لكن ليس معنى ذلك أن ندور في فلك الضوابط والمصطلحات، بل لابد من ربطها بدلالاتها في سياقاتها .
فهذا علم النحو وهو من علوم الآلة التي تساعد على فهم النصوص صار غاية في ذاته ، وأخرج عن سياقه .
 لقد آن الأوان أن تهتم مدارسنا ، وجامعاتنا بنحو الدلالة ، وتدريسه من خلال نصوص ( قرآنية – ونبوية – ومختارات أدبيّة )  حتى تكون الولادة طبيعيّة ، والنمو في بيئة صحيّة ، وبذلك نحقق وحدة اللغة العربيّة ، وكان هذا ديدن أسلافنا من أكابر علمائنا كابن جني ، وعبد القاهر وغيرهما ، ثم انبرى لهذا الاتجاه من المعاصرين ( تمام حسان  - ومحمد حماسة عبد اللطيف – وفاضل صالح السامرائيّ  وغيرهم )  ولهم في العالم العربيّ طلاب وقارئون . والأهم أن نكسر حاجز الخوف من نفوس أبنائنا ، أبناء العربيّة المتحدثين بها ،  والمحبين لها  أينما كانوا ، وحيثما حلّوا .
وهاك لمحة دلالية في آيات قرآنية ، وذلك من خلال :
1- (  باب الاشتغال )
وحدّه :  أن يتقدم اسم ، ويتأخر عنه فعل ، عامل في ضمير الاسم المتقدّم ، أو في سببيه .
           مثل : خالد أكرمته  - وخالد أكرمت أخاه .
فهذا الاسم المتقدّم ( خالد ) يجوز فيه النصب ، والرفع ، فتقول : خالدًا أكرمته – وخالدٌ أكرمته . ولكن هل من فرق بين التعبيرين ؟  وللجواب نقول :
           في قولنا ( خالدًا أكرمته ) بالنصب ، الكلام إنما هو على المسند إليه ( الفاعل ) – التاء – في أكرمته  ( ضمير المتكلم ) قال تعالى " والأرضَ مددناها وألقينا فيها رواسي " ( من الآية  19 الحجر ) فالكلام عن الله لا عن  الأرض ، ولكن قدّم ( الأرض) للاهتمام بها ، من بين ما ذكر .  قال تعالى " والأنعامَ خلقها لكم فيها دفءٌ " ( من الآية 5 النحل ) فالكلام كذلك عن الله – جلّ في علاه – ولكنه قدّم ( الأنعام ) للاهتمام بها . فالحديث عن المشغول عنه بدرجة أقل من المتكلم .
 وفي قولنا ( خالدٌ أكرمته ) بالرفع ، فالكلام عن المبتدأ ( خالدٌ ) فهو المتحدث عنه ، والحديث يدور عنه أساساً ، قال تعالى " والشعراءُ يتبعهم الغاوون " ( من الآية 224 الشعراء ) لأنّ الكلام عن الشعراء ، ولو نصب لكان الكلام عن ( الغاوون ) . وقال تعالى " وكلُّ شيء فعلوه في الزبر ، برفع (كلُّ) لا غير ( آية 52القمر ) والمعنى – والله أعلم - : وكل فعلهم في الزبر مكتوب .
وقد تكون للنصب مزيّة لا تكون للرفع  ، خذ مثلا قول الحق – جلّ وعلا – " إنّا كلَّ شيء خلقناه بقدر " ( آية 49 القمر ) بنصب (كلَّ) ففي النصب دلالة ليست في الرفع ، فإنّ التقدير على النصب : إنّا خلقنا كلَّ شيء خلقناه بقدر ، فهو موجبٌ للعموم .  وإذا رفع ( كلّ ) فليس فيه عمومٌ ، إذْ يكون ( خلقناه ) نعتاً ل ( شيء) و    ( بقدرِ) خبرًا ( لكلّ)  ولا يكون فيه دلالة على خلق الأشياء كلها ، بلْ إنّما يدّل على أنّ ما خلقه منها  خلقه بقدر .
وعلى العكس ، قد يكون للرفع مزيّة لا تكون للنصب . خذ مثلا قول الحق – جلّ وعلا – " والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما"  (من الآية  38 المائدة )  فقد اختار الإمام ( الفرّاء ) الرفع ، لأنّ ( ألْ ) في السارق ، والسارقة ، يقومان مقام اسم الموصول ( الذي) فصار المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وعلى هذا التقدير ،  حسن إدخال ( الفاء) في الخبر ، لأنّه صار جزاءً .. إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل منْ أتى بهذا الفعل       ( فالرفع ) أولى .  وإنّما يحسن (النصب )إذا أردت سارقاً بعينه ، أو سارقة بعينها ، ففي الرفع عمومٌ لا يوجد في النصب .

2- باب إضمار الفعل :
يقول ابن هشام في معرض حديثه عن ( إذا ) :
 وهي على وجهين :
الأول : أن تكون للمفاجأة ، فتختصّ بالجملة الاسميّة ، ولا تحتاج إلى جواب ، مثل : خرجتُ فإذا الأسدُ بالبابِ ، ومنه قوله تعالى " فإذا هي حيّة تسعى " (  الآية 20 طه ) .
الثاني : أن تكون لغير المفاجأة ، فالغالب أن تكون ظرفاً لما يستقبل من الزمان ، متضمنة معنى الشرط ، وتختص بالدخول على الجملة الفعليّة ، عكس الفجائيّة ، ويكون الفعل بعده ماضياً كثيراً ، ومضارعاً دون ذلك ، وقد اجتمعا في قول أبي ذؤيب الهذلي ( الكامل ) :
- والنفس راغبة إذا رغبتها         وإذا تُردّ إلى قليلٍ تقنع ُ .
فدخلت على الماضي في الشطر الأول  ( رغبتها) ، والمضارع في الشطر الثاني ( ترد ) .
وإنّما دخلت الشرطية على الاسم في قوله تعالى " إذا السماء انشقت " ( الآية 1 الانشقاق) لأن فاعل الفعل محذوف على شريطة التفسير ، لا مبتدأ ، خلافاً للكوفيين والأخفش من البصريين .
فجمهور النحويين يرون : 
     أنّ الفعل محذوف وجوباً يفسره المذكور ، والتقدير : إذا انشقت السماء انشقت .
- وفي رأي الجمهور نظر :
    فإنّه إنْ قدّر فعل بعد (إذا ) لم يك ثمة معنى للتقديم ، والذي ينسجم مع طبيعة التعبير العربيّ أن معنى التقديم غير معنى التأخير  ، وأنّ التقديم هنا لغرض ، قد يكون ( التهويل ) فإنّ في تقديم المسند إليه ( السماء) في الآية تهويلاً لا تجده في التأخير ..
ومثله قوله تعالى " إذا السماء انفطرت ، وإذا الكواكب انتثرت ، وإذا البحار فجرت " ( الآيات من  3:1 الانفطار )  وقوله تعالى " إذا الشمس كوّرت " ( آية 1 التكوير ) فإنّ في تقديم المسند إليه ( السماء – الكواكب – البحار – الشمس ) تهويلاً لا تجده في التأخير ..
ألا ترى أن السماء لم يسبق لها أن انفطرت ، ولا الكواكب انتثرت ، ولا البحار فجرت ، ولا الشمس كورت ؟ !! فهذه الجرام مستقرة على عاداتها الدهور المتطاولة ، والأحقاب المتوالية ، ولذا قدمها إشارة إلى الهول العظيم ، والحدث الجسيم الذي يصيب تلك الأجرام .
ألا ترى في قوله تعالى : إذا زلزلت الأرض زلزالها " ( آية 1 الزلزلة ) كيف أخّر المسند إليه،  لأنّ الزلزلة معهودةٌ ، مستمرةُ الحصولِ ، بخلاف ما سبق .. وكذلك قوله تعالى " فإذا برق البصر ، وخسف القمر " ( الآيتان 8،7 القيامة ) ولم يقل : إذا القمر خسف ، لأنّ خسوف القمر معتاد الحصول ، ومثله بريق السماء .
وأرى أنّ تفسير مثل هذا ، وبيان معناه أولى من ذكر الخلاف الذي لا طائل منه ، فيحسّ دارس العربيّة أنّ لهذا غرضاً يرمي إليه المتكلم ، فيراعيه في كلامه ، بخلاف ما يذكر من خلافات ، وأعاريب مما يتنزه عنه الكلام البليغ ، ولا يهضمه العقل ، وينبو عنه الذوق .
وانظر إلى ما قالوه في بيت الفرزدق ( الطويل ) :
- إذا باهليّ تحته حنظليّة          له ولدٌ منها فذاك المذرّعُ  .
قالوا : إنّ التقدير ، إذا (كان ) باهليّ ، فهو فاعل لفعل محذوف ، وكذلك ( حنظلية )  فاعل لفعل محذوف يفسره متعلق الظرف (تحته)  وهل يحذف المُفسِّر والمُفسَّر؟ !!

إنّ حذفهما معاً أمرٌ محذورٌ ، ألا ترى أنّهم لو  أعربوا ( باهليّ)  مبتدأ، والجملة بعده خبر لكنا في غنى عن كل هذه التمحلات ، والتعليلات التي لا طائل من ورائها ، ولاسيما أنّ طلب ( إذا ) للفعل ليس كطلب ( إنْ) ، فتلك قيمة لغويّة ، للدلالة النحويّة .
.................................................................................
المراجع :
- معاني النحو - فاضل صالح السامرائيّ .
- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب - ابن هشام .
- همع الهوامع – السيوطيّ  .

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-